تحولات بريطانيا إزاء سياسات "إسرائيل" من وعد بلفور إلى واقعية المصالح ..!

post-img

د. فاطمة المقداد، متخصصة بالشأن السياسي

ارتبطت المملكة المتحدة تاريخيًا بالمشروع الصهيوني ارتباطا بنيويًا، منذ إعلان وعد بلفور في العام 1917، حين منحت الإمبراطورية البريطانية غطاء سياسيا وقانونيا لإنشاء ما أسمته "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين. على مدى أكثر من قرن، شكلت بريطانيا العراب الأول والحامي الاستراتيجي للتوازنات التي أدت إلى تأسيس الكيان الإسرائيلي في فلسطين في العام 1948، وظلت سياستها الخارجية قائمة على الالتزام بحماية أمن "إسرائيل" وتقديم الدعم الدبلوماسي المستمر لها، مع الاكتفاء بتسجيل التحفظات الشكلية إزاء الممارسات الاستيطانية والعسكرية.

في الآونة الأخيرة، شهدت العلاقات السياسية والدبلوماسية حراكًا غير مسبوق، حيث أقدمت حكومة حزب العمال البريطانية، برئاسة كير ستارمر، عبر وزارة الخارجية التي يرأسها ديفيد لامي، على اتخاذ قرارات تنفيذية حازمة شملت تعليق جزء من رخص تصدير الأسلحة إلى الكيان الإسرائيلي، وفرض عقوبات فردية مباشرة على وزراء بارزين في حكومة نتنياهو، مثل  بن غفير وسموتريتش، إلى جانب حظر المنتجات الصادرة عن مستوطنات الضفة الغربية المحتلة.

التتبع لهذا المسار، يكشف بأن هذه الخطوات لا تعبر عن "صحوة أخلاقية" ظهرت فجأة، أو تغيير طرأ في أصل التزام لندن بوجود الكيان الإسرائيلي، بل فرضته جملة من المتغيرات الاستراتجية، والتي لا بد من قراءتها لفهم خلفيات هذا التحول غير التقليدي ودراسة مسبباته.

التدابير الإجرائية البريطانية والردود الإسرائيلية المقابلة

لا يمكن تقويم الموقف البريطاني إزاء "إسرائيل" بالنظر إلى الخطوات التي اتخذتها الحكومة البريطانية مؤخرًا، إنما يمكن توصيفها بأنها مجموعة من أدوات الضغط غير المتساوية في طبيعتها وأثرها. لذلك؛ فإن وضعها تحت عنوان "العقوبات البريطانية على إسرائيل"، يضخّم هذه الخطوات ويقلّل من أهمية بعضها الآخر.

كانت إحدى أولى الخطوات، في أيلول العام 2024، عندما علقت الحكومة البريطانية نحو 30 ترخيصًا من أصل 350 لتصدير السلاح إلى "إسرائيل"، تحت ذريعة انتهاكها مبادئ القانون الدولي الإنساني في قطاع غزة. لكن اللافت في الموضوع أن بريطانيا لم تفرض حظرًا شاملًا على السلاح، فقد أبقت على الجزء الأكبر من التراخيص، كما استثنت مكونات برنامج الطائرات ( F-35) من قرار التعليق، لذلك وصف الإجراء بأنه حظر بريطاني للسلاح على "إسرائيل" هو غير دقيق، إذ لا يتعدى التعليق الانتقائي لتراخيص محددة.

في حزيران العام 2026، وسّعت لندن هذا المسار بحزمة جديدة استهدفت ستة كيانات وعددًا من العناصر. إذ قالت الحكومة البريطانية بأنهم متورطون في تمويل وتمكين تنفيذ العنف الاستيطاني في الضفة الغربية، ووصفت الحكومة قيام "حزب العمال" بهذه الحزمة بالعقابية إزاء الحكومة الإسرائيلية التي تحرض على الإستيطان.

لكن الخطوة الأكثر دلالة جاءت، في 8 أيلول العام 2026، عندما انتقلت بريطانيا بالتنسيق مع فرنسا وكندا ودول أخرى، إلى استهداف التجارة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وبالتالي جسدت هذه الخطوة محاولة لتحويل الموقف السياسي من الإستيطان إلى تكلفة إقتصادية فعلية على النشاط المرتبط به.

إلا أنه ينبغي عدم المبالغة في الأثر الاقتصادي لهذه الإجراءات، فاقتصاد المستوطنات لا يمثل نسبة تسمح بإحداث صدمة في الاقتصاد الإسرائيلي ككل. إذ إن أثره المباشر في حجم التجارة الإسرائيلية محدود، فيما تكمن أهميته الأكبر في الدلالة السياسية وإمكان تحوله إلى نموذج تتبعه دول أخرى، وهنا تحديدًا تصبح هذه الإجراءات أخطر مما يوحي بها حجمها المالي، لذلك كان الرد الإسرائيلي أكثر صرامة من الفعل بحد ذاته.

لماذا تخطّى الرد الإسرائيلي حجم الخطوة التي قامت بها بريطانيا؟ 

لم يقتصر الرد الإسرائيلي على رفض الإجراءات البريطانية أو وصفها بأنها غير مشروعة، فقد انتقلت العدو إلى إجراءات مضادة مباشرة ضد بريطانيا؛ ما يكشف أن الحكومة الإسرائيلية رأت في الخطوة البريطانية سابقة سياسية تستحق الردع. كان أبرز هذه الإجراءات إعلان إغلاق  القنصلية البريطانية في شرقي القدس المحتلة، كما أقدمت على منع عدد من السياسيين البريطانيين من دخول الكيان الإسرائيلي، وقامت بطرد مسؤولين بريطانيين من آليات تنسيق مرتبطة بقطاع غزة.

هذا يدل على سعي إسرائيلي إلى تقليص أدوات النفوذ البريطاني في الملف الفلسطيني. اللافت هنا، أن إسرائيل لم تتعامل بالطريقة نفسها مع الدول التي شاركت بريطانيا الإجراءات نفسها (فرنسا وكندا)، لقد تركز الرد على بريطانيا بصورة خاصة، لهذا يمكن قراءة الرد الإسرائيلي بوصفه محاولة لمنع تحول الخطوة البريطانية إلى سابقة سياسية قابلة للتعميم.

تفكيك الحسابات الخفية

قدمت لندن تفسيرًا معلنًا لتحركاتها وهي حماية حل الدولتين ووقف التوسع الاستيطاني ومواجهة عنف المستوطنين واحترام القانون الدولي. لكن طبيعة الإجراءات نفسها تكشف أن وراء الخطاب المعلن حسابات أوسع تتصل بموقع بريطانيا وعلاقتها بالولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والسياسة الداخلية البريطانية ومستقبل العلاقة مع إسرائيل.

أولاً؛ يمكن فهم الإجراءات البريطانية من خلال مفهوم "الكلفة الاستراتجية للتحالف"، فالدول لا تحافظ على تحالفاتها بمعزل عن حسابات الكلفة والمنفعة. إذ قد يبقى الحليف ذا قيمة استراتجية، فيما تصبح بعض سياساته مصدرا متزايدا للكلفة على الدولة الحليفة. في الحدث البريطاني، لا تزال إسرائيل مرتبطة بحسابات أمنية واستخباراتية ودبلوماسية مهمة، إلا أن استمرار الاستيطان واتساع العنف في الضفة الغربية والحرب في غزة، جعل الدفاع السياسي عن السياسات الإسرائيلية أكبر كلفة على بريطانيا خاصة في ظل تزايد موجات الاحتجاجات في الشارع الأوروبي.

نعم؛ المسألة بالنسبة إلى بريطانيا لا تتعلق بحقوق الفلسطينيين أو بموقف أخلاقي من الاستيطان، إنما أيضا بالحفاظ على الإطار السياسي الذي بنت عليه القوى الغربية جزءًا كبيرًا من مقاربتها للصراع العربي – الإسرائيلي منذ عقود. لذلك؛ يمكن النظر إلى الإجراءات البريطانية على أنها محاولة لمنع وصول التوسع الاستيطاني إلى نقطة لا عودة فيها، سياسيًا وجغرافيًا، وفشل أي محاولة تسوية مستقبلاً. لذلك؛ فإن مواجهة بعض أنماط الاستيطان يمكن فهمها دفاعًا عن الهامش الاستراتيجي الغربي للتسوية أكثر مما هي مجرد عقوبة اقتصادية.

ثانيًا؛ لا يمكن فهم التحول البريطاني عن التحولات الأوسع في البيئة الدولية، فبريطانيا، بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي تواجه معضلة تتعلق بإعادة تعريف موقعها الدولي، وكيف تحافظ على علاقتها الوثيقة بالولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، كيف تثبت قدرتها على صياغة مواقف مستقلة في الملفات الدولية؟

من تلك الزاوية تحديدًا، ينظر إلى هذه الإجراءات كونها تشير إلى رغبة بريطانيا في إنتاج هامش من الاستقلالية الاستراتيجية في الغرب، وهذه الاستقلالية لا تعني الانفصال عن واشنطن، إنما القدرة على التحرك عندما ترى بريطانيا أن مصالحها السياسية أو الدبلوماسية لا تتطابق بالكامل مع السياسة الأميركية. تبرز أهمية هذا العامل؛ بسبب القيمة الاستراتجية للإجراءات البريطانية، والتي لا تكمن في حجم التجارة البريطانية مع المستوطنات، وهو حجم محدود نسبيا، إنما في القيمة المعيارية والسياسية للسابقة التي تنتجها هذه الإجراءات.

ثالثًا؛ لا يمكن أيضا إغفال العامل الداخلي، فقد أصبحت القضية الفلسطينية أكثر حضورًا في المجال السياسي والمجتمعي البريطاني، في وقت تواجه فيه الحكومات البريطانية ضغوطا سياسية متزايدة لتفسير سياساتها إزاء الحرب في غزة والاستيطان. لذلك؛ فإن تبني إجراءات أكثر صرامة إزاء بعض السياسات الإسرائيلية يسمح للحكومة البريطانية بإعادة بناء قدر من الاتساق بين خطابها عن القانون الدولي وحقوق الإنسان وبين ممارستها الفعلية للسياسة الخارجية.

لا ينفصل هذا البعد المتعلق بمستقبل العلاقة مع القيادة الإسرائيلية نفسها؛ فالحكومات الغربية لا تتعامل فقط مع الدولة الحليفة في لحظتها الراهنة، تحسب أيضا شكل العلاقة مع الحكومات التي قد تأتي لاحقا. كما أن وضع حدود سياسية وقانونية أمام بعض ممارسات حكومة الاحتلال الحالية يمكن أن يوفر لبريطانيا هامشا لإعادة بناء العلاقة مع أي قيادة إسرائيلية مستقبلية، من دون أن تبدو وكأنها تخلت عن المبادئ التي أعلنتها أو عن التزاماتها الدولية.

خلاصة

تسمح هذه القراءة بالقول إن الإجراءات البريطانية إزاء إسرائيل لا تمثل "صحوة أخلاقية" مفاجئة، كما لا يمكن اختزالها بأنها مجرد "استعراض إعلامي"، هي أقرب إلى إعادة حساب استراتجية تدريجية فرضتها مجموعة متداخلة من العوامل، مثل ارتفاع الكلفة السياسية والقانونية للتحالف مع "إسرائيل"واتساع الفجوة بين السياسات الإسرائيلية والإطار الغربي المعلن لحل الدولتين وتنامي الضغط الداخلي البريطاني ورغبة لندن في استعادة هامش أوسع للحركة والتأثير في النظام الغربي.

لذلك؛ فالاختبار الحقيقي أمام هذه الخطوات، لن يكون فقط في عدد العقوبات التي تفرض، أيضًا في استعداد بريطانيا للانتقال من إدارة كلفة الاستيطان إلى مساءلة بنيته السياسية، ومن التعامل مع نتائجه إلى التأثير في أسبابه. إذ إن هناك فقط يمكن الحديث عن تحول ذي مضمون استراتيجي، لا مجرد إعادة تموضع دبلوماسي.

أما إذا بقيت الإجراءات محصورة في العقوبات الإنتقائية؛ فإن المفارقة ستضل قائمة بين بريطانيا التي تعاقب بعض مخرجات المسار الذي أسامت تاريخيا في تهيئة شروطه، في حين يواصل نتنياهو توظيف هذا الضغط الخارجي لإعادة إنتاج شرعية داخلية تقوم على فكرة أن "إسرائيل" ما تزال تخوض معركة البقاء في مواجهة العالم.

المراجع:

-House of Common Library, Uk-Israel relations 2026, E1 settlement plan, trade and sanctions, https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/

-The National Archives, Balfour Declaration and Cabinet Papers on Palestine, Government of United Kingdom.

-نعمان عمرو، دور بريطانيا في بلورة المشروع الصهيوني في فلسطين منذ عام 1917، مجلة جامعة القدس المفتوحة.

- العلاقات البريطانية- الإسرائيلية: انفراط عقد التحالف الأخير؟، مركز التقدم العربي، 5 أيلول 2026. 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد