نحو تاريخ يعلّمنا كيف نفكر

post-img

حسين عبيد (صحيفة الأخبار)

تطرح المناقشات حول المناهج الجديدة لمادة التاريخ إشكالية تتجاوز تنظيم المحتوى، لتصل إلى سؤال جوهري: أي تاريخ نريد أن نعلم؟ وهل يستمر التعليم التاريخي في تقديم الماضي من خلال سردية واحدة أو سردية انتقائية، أم ينتقل إلى التعدد في السرديات والقراءات والمقاربات، من دون أن يتحول هذا التعدد إلى روايات متنازعة تعيد إنتاج الانقسامات؟ ويرتبط بذلك سؤال موقع التاريخ في المنهج: هل يبقى مادة مستقلة لها بنيتها المعرفية والمنهجية وتسلسلها الزمني، أم ينفتح على العلوم الإنسانية والاجتماعية؟

تتجه هذه المقاربة إلى عدم استبدال سردية بأخرى، أو الاختيار بين تاريخ مستقل وتاريخ مدمج، بل إلى بناء معرفة تاريخية تحافظ على استقلال التاريخ في بنيته المعرفية والمنهجية، وتنفتح في الوقت نفسه على التعدد في السرديات والقراءات والمقاربات. فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث، بل حقل معرفي يقوم على الزمن والسياق والتغير والاستمرارية والسببية، وعلى نقد المصادر ومقارنة الروايات وتمييز الحدث عن تفسيره. ومن هنا، يمكن التمييز بين السردية بوصفها طريقة في تنظيم أحداث الماضي ومنحها معنى، والقراءة بوصفها تفسيراً وتحليلاً لها، والمقاربة بوصفها المنظور أو الإطار المعرفي لدراسة الظاهرة.

وهذه المفاهيم ليست مفردات منفصلة، بل تعمل معاً ضمن منظومة معرفية وتربوية متكاملة. فالمعرفة التاريخية توفر الأساس، والسرديات والقراءات والمقاربات توسع إمكانات الفهم، والتفكير التاريخي يمكن المتعلم من فحصها ونقدها ومقارنتها، بينما تتيح الذهنية المنفتحة وفلسفة الاعتراف التعامل مع اختلاف التجارب والذاكرات، بما يسهم في بناء الهوية والمواطنة. ومن ثم، تكمن قيمة هذه المفاهيم في ترابطها وقدرتها مجتمعة على بناء رؤية متماسكة لتعليم التاريخ.

ولا يعني هذا أن لكل جماعة تاريخاً منفصلاً، أو أن جميع الروايات متساوية في قيمتها المعرفية. فالماضي يمكن أن يُروى من مواقع وتجارب مختلفة، لكن الروايات تظل قابلة للفحص والنقد والمقارنة. كما أن تعدد القراءات والمقاربات لا يعني تعدد الحقائق بالضرورة، بل تعدد الأسئلة والتفسيرات التي يمكن اختبارها في ضوء الأدلة والسياقات. ومن ثم، لا يكون الهدف إلغاء السردية الوطنية، بل تحريرها من الانغلاق على رواية واحدة، وفتحها على تعدد التجارب والذاكرات والقراءات ضمن إطار معرفي جامع.

ويترتب على ذلك أن الانتقال من السردية الأحادية لا يعني التخلي عن المعرفة التاريخية أو التسلسل الزمني، بل تغيير طريقة التعامل معهما. فالمتعلم لا يكتفي بمعرفة ما حدث، وإنما يتعلم كيف يعرف ما حدث، ومن أي مصادر، وكيف تشكلت الروايات حوله، وكيف تختلف تفسيراتها. وبذلك ينتقل التعليم من استهلاك الرواية التاريخية إلى ممارسة التفكير التاريخي، من دون أن يفقد التاريخ خصوصيته المعرفية.

وفي هذا السياق، تكتسب العلاقة بين التاريخ والعلوم الإنسانية والاجتماعية أهمية خاصة، لأن الظواهر الإنسانية مركبة وتحتاج أحياناً إلى أكثر من منظور لفهمها. غير أن تعدد المقاربات لا يعني ذوبان التخصصات؛ فالمؤرخ يضع الظاهرة أو القضية في سياقها الزمني، والجغرافي يقرأ المكان، وعالم الاجتماع البنى والعلاقات، والاقتصادي الموارد والمصالح، وعالم السياسة السلطة والمؤسسات. لذلك، يقوم التكامل المعرفي على الحوار بين الحقول مع احتفاظ كل منها بمنطقه وأدواته، بما يثري فهم الظواهر من دون إلغاء خصوصية التاريخ.

وينسجم ذلك مع توجه الإطار الوطني اللبناني لمنهاج التعليم العام ما قبل الجامعي، القائم على المقاربة بالكفايات المدعمة بالقيم وجعل المتعلم محور العملية التعليمية. فالكفاية لا تقوم من دون معرفة، والمعرفة لا تكتمل من دون القدرة على توظيفها وتحليلها ونقدها. ومن هنا، يصبح الهدف الانتقال من تلقين التاريخ إلى بناء التفكير التاريخي، عبر فهم الحدث في سياقه، وفحص مصادره، ومقارنة الروايات، وتحليل القراءات المختلفة، وتوظيف المقاربات المتعددة، وبناء موقف يستند إلى الدليل. ولا تستقيم هذه الممارسة من دون قاعدة معرفية مشتركة.

فالمعرفة الأساسية تمنح المتعلم إطاراً لفهم الأحداث ومحطاتها الكبرى، بينما يتيح تعدد السرديات والقراءات والمقاربات وتوسيع مجال التحليل. وهنا ينبغي التأكيد أن التفكير النقدي لا يعني اعتبار جميع التفسيرات متساوية؛ فالروايات والتفسيرات لا تتساوى لمجرد تعددها، وإنما تفحص بقدر استنادها إلى الأدلة واتساقها مع السياقات وقدرتها على تفسير المعطيات التاريخية.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يكون البديل عن السردية الأحادية روايات متصارعة تعيد إنتاج الانقسامات، بل معرفة تاريخية وطنية مشتركة تتسع للتنوع. وهذا المشترك لا يعني فرض تفسير واحد للماضي، وإنما امتلاك معرفة أساسية مشتركة بتاريخ الوطن ومحطاته الكبرى، مع الاعتراف بتعدد التجارب والذاكرات وطرق روايتها وقراءتها. وبعبارة أكثر دقة: نحتاج إلى مشترك وطني في المعرفة والقيم، لا إلى تطابق وطني في السرديات والقراءات.

وترتبط هذه الرؤية مباشرة بالهوية والمواطنة. فالهوية الوطنية لا تبنى بإلغاء التنوع، بل بتحويله إلى جزء من إطار وطني جامع. وتكتسب هنا الذهنية المنفتحة وفلسفة الاعتراف أهمية خاصة، إذ تتيحان للمتعلم ممارسة النقد تجاه ذاته وأفكاره، والإصغاء إلى تجارب الآخرين وذاكراتهم، وفهم أسباب اختلاف الروايات والمقاربات. فالمطلوب ليس إزالة الاختلاف، بل تحويله من مصدر للانقسام إلى مجال للحوار والفهم المتبادل.

وعليه، ليس المطلوب فرض سردية واحدة، ولا مساواة الروايات جميعها، بل بناء معرفة بالأحداث وسياقاتها، وفحص المصادر، ومقارنة التفسيرات، وفهم اختلاف الذاكرات، وصولا إلى موقف يستند إلى المعرفة والدليل والقيم. وتظهر قيمة هذا التصور خصوصاً في تدريس القضايا الخلافية، كالحرب الأهلية والقضية الفلسطينية، على سبيل المثال لا الحصر؛ إذ تستدعي هذه القضايا، رغم تعدد السرديات والقراءات، مقاربة متأنية تنسجم مع توجهات الإطار الوطني للمناهج. وهكذا يصبح التاريخ مجالاً لفهم الاختلاف وإدارته، لا لإعادة إنتاجه.

ومن هنا، يتجه تعليم التاريخ نحو رؤية منهجية توضح بنيته المعرفية وعلاقته ببقية الحقول، وتترجم ذلك في الممارسة التعليمية من خلال الانتقال من المعرفة إلى السؤال، ومن السؤال إلى البحث، ثم إلى فحص الروايات وتحليلها ومقارنتها، وصولا إلى بناء موقف واع ومسؤول. وتبقى الطرائق والاستراتيجيات التعليمية أدوات لتحقيق هذه الغاية، لا غاية في ذاتها.

وفي الختام، لا يقتضي تطوير تعليم التاريخ استبدال سردية بأخرى، ولا الاختيار بين تاريخ مستقل وتكامل معرفي، بل الحفاظ على استقلال التاريخ في بنيته المعرفية والمنهجية، مع توسيع إمكانات قراءته من خلال تعدد السرديات والقراءات والمقاربات. فالغاية ليست تفكيك المعرفة التاريخية ولا فرض رواية واحدة، وإنما توفير أرضية معرفية مشتركة تسمح بفهم تعدد روايات الماضي ونقدها ومقارنتها، والاعتراف بتنوع التجارب والذاكرات. وبهذا المعنى، تصبح المعرفة التاريخية، والسرديات والقراءات والمقاربات، والتفكير التاريخي، والذهنية المنفتحة، وفلسفة الاعتراف، والهوية والمواطنة، عناصر مترابطة في منظومة واحدة متكاملة، بحيث لا يتحول تعدد السرديات إلى انقسام، ولا تعدد القراءات إلى غياب المعايير، ولا تعدد المقاربات إلى ذوبان خصوصية التاريخ.

فالتاريخ، في هذه الرؤية، لا يفرض على المتعلم ماذا يعتقد بشأن الماضي فحسب، بل يعلمه كيف يفهمه، وكيف يفحص الروايات التي تناولته، وكيف يوازن بين القراءات والمقاربات في ضوء الدليل. وبذلك تتحول المعرفة التاريخية إلى أرضية مشتركة للحاضر، وإلى إمكان أوسع لبناء المستقبل.

* خبير مشارك في إعداد منهاج التاريخ في المركز التربوي للبحوث والإنماء

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد