القاهرة الفاطمية ..  ذكريات حيّة وقبلة محبّي الإمام الحسين (ع)

post-img

إيهاب شوقي/كاتب مصري

عندما يذهب سكان المحافظات المصرية إلى القاهرة يقولون كلمتهم الشهيرة :" نازلين مصر"، حيث تختصر مصر بالقاهرة؛ مع عظمة المحافظات الأخرى تاريخيًا وجغرافيًا وحضاريًا،  لكنّ القاهرة اختطفت اللقب المعبر عن بلد عريق مثل مصر، لا لكونها العاصمة، لكن لأسباب متشابكة يعود أهمها إلى أن القاهرة الحالية هي مجموعة شاملة من العواصم التاريخية المتتالية، والتي انتقلت وتوسعت عبر العصور، ما جعل القاهرة تعبر عن تنوعات مصر كلها، تاريخيًا وحضاريًا ووجدانيًا.

لقد اتخذت القاهرة مسماها منذ الدولة الفاطمية، عندما أنشأها القائد جوهر الصقلي سنة 358 هـ/969 م، ثم جاء الخليفة المعز لدين الله الفاطمي وجعلها عاصمة ومقرا للخلافة الفاطمية، وقد أسست على مقربة من عواصم سابقة، مثل الفسطاط والعسكر والقطائع، وكانت القاهرة وقتها في موقع حي الجمالية الراهن .

الجمالية ملخص للقاهرة

إذا كانت القاهرة ملخص لمصر، فإن الجمالية هو ملخص للقاهرة، فهو من أكثر الأحياء ذخرًا بالتراث وارتباطًا بوجدان المصريين، لا سيما ضمه مشهد الإمام الحسين (ع)، والذي يعدّ قبلة الزوار، وكما يقول الكاتب والباحث المصري السيد شبل :" في الجمالية ومحيط الحسين يتجلّى سحرٌ خاص ممتد عبر الزمان؛ حيث ينبض المكان بعبق التاريخ وروحانية يندر أن تجد مثيلًا لها، فمرقد الحسين يشعّ نورًا يذكّر الناس بقيم الثورة ضد الظلم، كما أنه مكان يشعر فيه الناس بالأمان والطمأنينة، ويجد فيه الفقراء والمحتاجون، وكل من يعاني، ملاذًا دافئًا.

أما أزقة الحي العتيقة، فتتمازج بها الطبقات الاجتماعية وتتلاشى الفوارق بين البشر، بل تتلاقى الشعوب من كل حدبٍ وصوب، إنها بقعة فريدة يلتقي فيها التاريخ بالروحانيات، لتصنع لوحة حيّة تجمع بين بساطة العيش وعظمة الأثر.

لعل حي الجمالية هو أقدم نموذج لفكرة "الكمبوند" المنتشرة في العصر الحديث، وهو مايقوله الباحث في التاريخ الإسلامي سامح الزهار، والذي يقول عن الحي أنه منطقة سكنية كان يحيط بها أسوار القاهرة التي تفتح أبوابها وتغلق بنظام محدد، كانت تضم مباني فاخرة عديدة، وكانت تفصل ما بين "القصرين، الشرقي والغربي، واللذين حكم منهما الفاطميون، حيث عرفت هذه المنطقة لاحقًا بالفعل بــــــــــ "بين القصرين"، وضمت أيضًا المنطقة التي تعرف ببيت القاضي، وكان يسكن فيها القضاة في هذا الوقت، ولا تزال تعرف بالاسم ذاته.

مقامات الشخصيات التاريخية

يقول ابن حي الجمالية الشاعر صلاح سليمان إن حي الجمالية من أقدم أحياء العالم، وهي مزار عالمي، وهناك عشرات من المبدعين خرجوا من حي الجمالية. بالتقصي والبحث، وجدنا أن الحي ملئ بشخصيات تاريخية ومعاصرة أسهمت في المجالات كافة، وممن أقاموا بهذا الحي،  ابن حجر العسقلاني وتلميذه شمس الدين السخاوي والمؤرخ الكبير المقريزي، وكانت شوارعه ومقاهيه حافلة بتجمع الأدباء والشعراء، مثل حافظ إبراهيم وعبد الحميد الديب، وعملاق الزجل بيرم التونسي، وشيخ الملحنين زكريا أحمد.

ممن نشأوا فيه نجد أسماء كبرى مثل نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل، والذي صوّر بقلمه مشاهد من تاريخ هذا الحي، والأديب جمال الغيطاني ونشأ فيه عباس محمود العقاد وطه حسين، كما عاش ونشأ به الزعيم جمال عبد الناصر وكذلك الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.

من المفارقات أن حارة اليهود، والتي احتضنها الحي، تضم المنزل الذي سكن فيه مجرم الحرب الصهيوني "أرييل شارون"، قبل طرد الصهاينة من مصر في عهد الزعيم عبد الناصر.

طاقة جاذبة للفنانين

هناك طاقة جذب للفنانين توضحها نهلة شوقي ، وهي احدى خريجات كلية الفنون الجميلة، وتقول إن "حي الحسين والجمالية من الأحياء التي تهفو إليها روح الفنان، ويقف خياله عاجزًا عن التعبير داخل لوحاته أمام جمال الواقع وهذا المزيج المذهل من الجماليات المعمارية والروحية والثقافية، فهي أحياء تمتزج بها العمارة الفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، إنه مربع جغرافي صغير بمثابة متحف مفتوح آثاره تحيا وسط الناس والبيوت القديمة  التي تتزين بالمشربيات الخشبية وكأنها عيون تراقب الزمن، والمآذن والقباب المزخرفة والقصور والكتاتيب، إنه إرث فني عظيم لاتكفيه آلاف اللوحات للتعبير عن جمال الواقع وتوثيقه."

مفارقة مؤسفة

على الرغم من أن الجمالية من المناطق المسجلة على قائمة التراث العالمي في منظمة اليونسكو، إلا أنها تعاني إهمالاً شديدًا، ويصرخ سكانها طلبًا لإنقاذ الشوارع والأزقة التاريخية من التداعي، وإنقاذ المنطقة التي تضم أعرق الحرف اليدوية التي كادت تندثر، وترميم المباني التاريخية المتهالكة التي أصبح بعضها مقالب للقمامة بدلاً من أن تكون مقصدا للزائرين.

المزج بين الوظيفة والجمال

لم تكن المعالم الجميلة مجرد إبداع فني فقط، لقد كانت تؤدي وظائف، ومنها وظائف المقاومة، وكما يقول الباحث فاروق شرف عن باب الفتوح، أنه يقف شامخًا منذ أكثر من تسعة قرون، وتراه الناس مجرد “باب أثري ضخم”…لكن الحقيقة، هي أن هذا الباب كان يومًا ما الحد الفاصل بين الأمان والمجهول.

يستطرد بالقول أن القاهرة الفاطمية في بدايتها لم تكن “مدينة مفتوحة” كما نراها الآن، بل كانت مدينة محصنة بالكامل تُغلق أبوابها ليلًا وكأنها قلعة هائلة يعيش داخلها الناس، وتصميم الباب لم يكن جماليًا فقط بل كان آلة دفاع كاملة.. فالأبراج المستديرة لم تُبنَ بهذا الشكل للزينة، بل لأنها تُقاوم الصدمات بشكل أقوى، وتمنح الجنود زاوية رؤية أوسع، وتساعد في إصابة المهاجمين من أكثر من اتجاه.

أما الفتحات الضيقة بالأعلى فلم تكن نوافذ، بل “مزاغل قتل”، ومن فوق الباب كان يمكن سكب الماء المغلي أو الزيت الحارق أو إطلاق السهام مباشرة على المهاجمين.

أهم المعالم

مسجد الحسين (ع)، والذي بني سنة 549 هجرية/1154 م، هو أهم معالم الجمالية وعلى يمينه فندق "الحسين"، وهو فندق قديم توجد في طابقه الأول مجموعة من المقاهي والمطاعم والبازارات.

من العلامات القديمة نرى ألبان "المالكي"، وحاتي "الدهَّان" وبينهما ممر صغير يؤدي إلى مقهى الفيشاوي، وهو أشهر مقاهي مصر، والذي أسس في العام 1797، ولا يكاد يفرغ من الرواد على مدار الساعة. المقهى يعدّ واحدًا من أبرز معالم "خان الخليلي" الذي أسسه الأمير المملوكي  جركس الخليلي "المنسوب الى مدينة الخليل في فلسطين" في العام 1382م ، في عهد السلطان الظاهر برقوق.

في هذا الخان يوجد الصاغة، وحارة اليهود، وعلى مقربة من نهاية شارع الصاغة يبدأ شارع المعز لدين الله الفاطمي، والذي يعدّ متحفًا مفتوحًا، من أشهر ما يضمه مسجد المعز ، والذي يعدّ مقصدًا لهواة الرسم والتصوير كونه تحفة معمارية، ويعدّ كل  باب وكل مأذنة وكل حجر به لوحة فنية.في حد ذاته.

مسجد الامام الحسين (ع)

بُني المسجد في عهد الفاطميين تحت إشراف الوزير الصالح طلائع،  ويَضم المسجد ٣ أبواب مبنية بالرخام الأبيض تطل على خان الخليلي، وبابًا آخر بجوار القبة ويُعرف بالباب الأخضر.

وفقًا لروايات قسم من المؤرخين المصريين، فقد بني المشهد على ضريح يضم الرأس الشريف للإمام الحسين، حيث تقول الروايات أنه ومع بداية الحروب الصليبية خاف حاكم مصر الخليفة الفاطمي على الرأس الشريف من الأذى الذي قد يلحق بها في مكانه الأول في مدينة عسقلان في فلسطين، فأرسل يطلب قدوم الرأس إلى مصر، وحمل الرأس الشريف إلى مصر ودُفن في مكانه الحالي وأقيم المسجد عليه، ثم توسع المسجد عبر العصور المختلفة إلى أن وصل الى شكله الحالي منذ عهد الخديوي اسماعيل والخديوي عباس حلمي.

شهد المسجد ترميمات وتجديدات متوالية، في عهد جمال عبد الناصر، وفي سنة 1952م كانت هناك عناية خاصة بتجديد المسجد وزيادة مساحته، فتمت إضافة 1840 مترًا بعد أن كانت مساحته 1500 متر، فوصلت وبلغت مساحته 3340 مترًا مربعًا ، واستمرت التجديدات وصولًا إلى أحدث ترميمات تبرعت بتكاليفها طائفة البهرة للرئيس السيسي.

خلاصة

لا نجد خاتمة أفضل مما قالته وزارة الأوقاف المصرية على صفحتها عن مسجد وباحة الإمام الحسين، حيث قالت ما نصه:  "هنا في ساحات هذا المسجد العتيق، لا تُصلِّي الأرواح فحسب، بل تُصغي لصوت آل البيت يهمس في جنبات المكان، وتشهد الزمان ينحني وقارًا أمام مقام سيد الشهداء، فمن أراد أن يلامس أطهر عبق في قلب القاهرة، فليخطُ بقدميه نحو مسجد الإمام الحسين، ففيه تُضاء القلوب قبل القناديل".

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد