السياسة الأمريكية ووهم الديمقراطية فيها

post-img

فادي الحاج حسن/ كاتب لبناني

لا خلاف بأن الأمريكيين يقترعون، والأصوات تُحصى، والفائز يُعلَن.. غير أن السؤال الذي يشغل عددًا متزايدًا من الباحثين لم يعد: هل تُجرى الانتخابات؟ إنما : هل تنتهي إلى سياسات تعبّر عمّا يريده الناخبون؟

في أبريل/نيسان، من هذا العام، أورد "Pew Research Center"‏ (2026) أن الولايات المتحدة نالت في مؤشر الديمقراطية الصادر عن "Economist Intelligence Unit"‏ 7.65 من عشر درجات، وهي أدنى حصيلة لها منذ بدء المؤشر في العام 2006، وقد فقدت صفة "الديمقراطية الكاملة" منذ العام 2016، وأن تصنيفها في  "Freedom House"‏ قد بلغ 81 من مئة بعدما كان يتجاوز التسعين حتى العام 2015.

على أن المؤشرات ليست حكمًا نهائيًا؛ فقد انتقد أكاديميون منهجيتها، بحسب "Pew Research Center"‏ (2026)، والرقم وحده لا يشرح شيئًا. الأجدى أن نسأل عن الآليات التي تصنع المسافة بين الصوت والنتيجة: المال، والخرائط، والصورة التي تُصدَّر بها هذه الديمقراطية إلى الخارج؟

بالأرقام

  1. 7.65 من 10 درجة الولايات المتحدة في مؤشر الديمقراطية في العام 2025، وهي الأدنى منذ  العام2006
  2. 15.9 مليار دولار الكلفة المقدّرة للانتخابات الفيدرالية في العام 2024
  3. نحو 68 ضعفًا  نسبة سكان كاليفورنيا إلى سكان وايومنغ، ولكل منهما مقعدان في مجلس الشيوخ

المال قبل الصندوق

منذ قضية "Citizens United v. Federal Election Commission"‏ (2010) لم يعد في وسع الحكومة أن تقيّد إنفاق الشركات والنقابات المستقل على الدعاية الانتخابية، لأن المحكمة العليا رأت في ذلك مساسًا بحرية التعبير. إذ في تقدير نشرته "OpenSecrets"‏ (2024) في أكتوبر/تشرين الأول، رُجّح أن تبلغ كلفة الدورة الفيدرالية 15.9 مليار دولار، متجاوزةً الرقم القياسي السابق البالغ 15.1 مليار في 2020، وأن يتخطى الإنفاق الخارجي، والذي تقوده اللجان الفائقة، خمسة مليارات. لقد كان أكبر عشرة متبرعين قد قدّموا، حتى ذلك الحين، نحو 599 مليون دولار، أي قرابة سبعة في المئة من إجمالي التمويل، أما من يتبرعون بأقل من مئتي دولار فلم تتجاوز حصتهم نحو ستة عشر في المئة.

إذًا؛ هل يتحول المال إلى نفوذ في القرار العام؟  هذا أشهر ما كُتب في السؤال ورقة مارتن جيلنز وبنجامين بيج، فقد قارنت بين تفضيلات المواطنين العاديين والنخب الاقتصادية وجماعات المصالح في 1,779 قضية سياساتية بين الأعوام 1981 و2002. وانتهت إلى أن النخب الاقتصادية والجماعات الممثلة لمصالح الأعمال تترك أثرًا مستقلًا كبيرًا في سياسة الحكومة، في حين لا يكاد يكون للمواطن العادي أثر مستقل يُذكر (جيلنز وبيج، 2014). والباحثان يقرّان بأن المواطنين ينالون أحيانًا ما يريدون؛ لأن رغباتهم توافق رغبات النخب. لا تزال الدراسة موضع نقاش منهجي، وبياناتها تنتهي في العام 2002، أي قبل قضية "Citizens United"‏، فهي لا تقيس أثر ما جاء بعده.

خرائط تختار ناخبيها

الجغرافيا الانتخابية تضيف طبقة ثانية؛ ففي هذا القرن وصل مرشحان إلى الرئاسة على الرغم من خسارتهما التصويت الشعبي، بحسب "Brookings Institution"‏ (2020): جورج بوش (الابن)، في العام 2000 بفارق نحو 544 ألف صوت لمصلحة آل غور، ودونالد ترامب في العام 2016 بفارق نحو 2.9 مليون صوت لمصلحة هيلاري كلينتون. هذا ومجلس الشيوخ يمنح كل ولاية مقعدين أيًا كان عدد سكانها، فيتساوى صوتا وايومنغ، وسكانها 576,851، مع صوتي كاليفورنيا التي يبلغ سكانها 39,538,223، أي بفارق نحو 68 ضعفًا وفقًا لتعداد العام 2020 الذي أعلنه "U.S. Census Bureau"‏ (2021). وهذه ترتيبات دستورية قديمة لا مخالفة فيها، لكن أثرها الحسابي أن وزن صوت الناخب يتوقف على المكان الذي يقيم فيه.

تأتي، بعد ذلك، الدوائر؛ ففي قضية "Rucho v. Common Cause"‏ (2019) قضت المحكمة العليا بأن دعاوى التلاعب الحزبي بالدوائر مسائل سياسية خارج نطاق المحاكم الاتحادية. في قضية "Shelby County v. Holder"‏ (2013) أبطلت صيغة التغطية التي تحدد الولايات الخاضعة للمراجعة المسبقة لتغييرات قواعد التصويت في قانون حقوق التصويت. وفي 29 أبريل/نيسان 2026 قضت في "Louisiana v. Callais"‏ بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة بأن القانون لم يكن يُلزم الولاية بإنشاء دائرة إضافية ذات أغلبية من الأقليات، وأن استخدام العرق في رسم الخريطة لا تسوغه مصلحة ملحّة، كما يوثّق "SCOTUSblog"‏ (د.ت.)

كما أن المسألة لا تخص حزبًا من دون آخر. في صيف 2025 أعادت ولاية تكساس رسم خريطتها في منتصف العقد، بتشجيع من الرئيس دونالد ترامب، على نحو قد يمنح الجمهوريين خمسة مقاعد إضافية، كما أوردت "ABC News"‏ (2025)، فردّ الديمقراطيون في كاليفورنيا باستفتاء أقرّ في نوفمبر/تشرين الثاني بنحو 64 في المئة من الأصوات خريطة جديدة قد تمنحهم خمسة مقاعد، بحسب "Northeastern University"‏ (2025). والدرس الذي يخرج به كل طرف واحد: الطريق الأقصر إلى الأغلبية قد يبدأ برسم الدوائر لا بإقناع الناخبين.

ديمقراطية للتصدير

للمنطقة العربية مع هذا الخطاب تجربة طويلة. إذ في 25 يناير/كانون الثاني 2006 أجريت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، وقالت بعثة المراقبة المشتركة "The Carter Center" & "National Democratic Institute"‏ (2006) إنها قد تكون خطوة مهمة على طريق مزيد من الديمقراطية، ولاحظت الإقبال الكبير عليها. وفازت فيها حماس، وكان "Quartet"‏، الذي تشارك فيه واشنطن، قد ربط المساعدات المستقبلية للسلطة بالتزام حكومتها بنبذ العنف والاعتراف بــ"إسرائيل" وقبول الاتفاقات السابقة. حين لم تقبل الحكومة الجديدة هذه المبادئ أعلنت واشنطن في 7 أبريل/نيسان، وفقًأ لبيان "U.S. Department of State"‏ (2006)، تعليق مساعدتها لوزارات الحكومة الفلسطينية، وحجتها أن حماس مصنّفة عندها منظمة إرهابية أجنبية.

في مصر، في العام 2013، حين أطاح الجيش بالرئيس المنتخب محمد مرسي، أعلن البيت الأبيض، وفًاق "ABC News"‏ (2013)، أنه ليس مستعدًا لوصف ما جرى بالانقلاب، فامتنع عن قطع المساعدات، مع أن القانون الأمريكي يمنع المساعدة عن حكومة أُطيح برئيسها المنتخب بانقلاب عسكري. لا يحتاج المرء إلى افتراض سوء النية ليرى النمط: الدول تتصرف وفقًا لمصالحها، والمصلحة الأمريكية في هاتين الحالين لم تتطابق وما قالته الصناديق. المشكلة أن الخطاب الرسمي ظل يقدّم الديمقراطية قيمة مطلقة، في حين بدت في الممارسة مشروطة: مقبولة ما دامت نتائجها لا تصطدم بمصلحتها.

ما يقوله المدافعون

لمن يخالف هذه القراءة حجج جديرة بالعرض؛ فمن أكثر من ستين دعوى رفعها ترامب وحلفاؤه للطعن في نتائج انتخابات العام 2020، لم يحصل على حكم مؤاتٍ إلا في قضية واحدة، وانتهت البقية بالرفض أو التسوية أو السحب، بحسب "NBC News"‏ (د.ت.)، وهو اختبار لم تجتزه كل الأنظمة. يرى المدافعون عن مجلس الشيوخ أن مساواة الولايات فيه محصّنة بنص الدستور، إذ لا يجوز حرمان ولاية من تساويها في التصويت فيه من دون موافقتها (الدستور الأمريكي، المادة الخامسة). أما مؤيدو حكم "Callais"‏ فيقولون إن الدستور يقيّد استخدام العرق في رسم الدوائر، والمساواة بين المواطنين تقتضي ألا يصير العرق أساسًا للتقسيم إلا لمسوغ استثنائي. وتبقى المؤشرات نفسها، كما رأينا، موضع خلاف بين الأكاديميين.

بين الشكل والجوهر

هذه الوقائع ليست دليلًا على أن الولايات المتحدة نظام سلطوي؛ ففيها انتخابات تنافسية وصحافة حرة وقضاء يحكم أحيانًا على خلاف مصلحة السلطة التنفيذية. لكنها تدل على أن الانتقال من "الانتخابات موجودة" إلى "الإرادة الشعبية تتحقق" ليس تلقائيًا كما يفترض الخطاب الرسمي. الوهم، بهذا المعنى، ليس في الصندوق؛ بل في الافتراض الذي يحيط به بأن الشكل الديمقراطي يضمن الجوهر.

أمام الأمريكيين اختبار قريب؛ ففي الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 تجري الانتخابات النصفية على خرائط أُعيد رسم عدد منها في الأشهر الماضية، وما سيُقاس في ذلك اليوم ليس من يفوز فحسب، بل قدرة المؤسسات على التصحيح الذاتي. للقارئ في منطقتنا فائدة أخرى: أن يزن الخطاب الأمريكي بميزانه هو، فلا يقبله كما يُعرض ولا يردّه كله.

المراجع

جيلنز، م.، وبيج، ب. ي. (2014). اختبار نظريات السياسة الأمريكية: النخب وجماعات المصالح والمواطنون العاديون. Perspectives on Politics, 12‏(3)، ‎564–581. https://www.cambridge.org/core/journals/perspectives-on-politics/article/abs/testing-theories-of-american-politics-elites-interest-groups-and-average-citizens/62327F513959D0A304D4893B382B992B

شارب، ج. م.، وبلانشارد، ك. م. (2006، 27 يونيو). المساعدات الخارجية الأمريكية للفلسطينيين (تقرير رقم RS22370). "Congressional Research Service"‏. https://www.everycrsreport.com/files/20060627_RS22370_f74360b59d356335a3184dfa6d0d8f4648324b7d.html

"ABC News"‏. (2013، يوليو). متى لا يكون الانقلاب انقلابًا؟ البيت الأبيض يقاوم خفض المساعدات عن مصر. https://abcnews.go.com/blogs/politics/2013/07/when-is-a-coup-not-a-coup-white-house-resists-egypt-aid-cut/

"ABC News"‏. (2025، 4 نوفمبر). انتخابات الاقتراع رقم 50 الخاصة بخريطة الدوائر في كاليفورنيا قد يكون لها أثر كبير في الانتخابات النصفية. https://goodmorningamerica.com/news/story/californias-prop-50-congressional-map-election-major-impact-126909454

"Brookings Institution"‏. (2020، 9 ديسمبر). كيف نتخلص من المجمّع الانتخابي. https://www.brookings.edu/articles/how-to-get-rid-of-the-electoral-college

"The Carter Center" & "National Democratic Institute"‏. (2006، 26 يناير). مراقبو المعهد الديمقراطي الوطني ومركز كارتر: الانتخابات يمكن أن تكون خطوة مهمة على طريق مزيد من الديمقراطية [بيان صحفي]. https://www.cartercenter.org/news/documents/doc2284.html

"Citizens United v. Federal Election Commission", 558 U.S. 310 (2010). https://www.law.cornell.edu/supct/html/08-205.ZO.html

"NBC News"‏. (د.ت.). كيف جرت الطعون التي قدّمها ترامب في انتخابات 2020 داخل قاعات المحاكم. https://www.nbcnews.com/politics/2024-election/trumps-challenges-2020-election-unfolded-courtroom-rcna175490

"Northeastern University"‏. (2025، 5 نوفمبر). ناخبو كاليفورنيا يمنحون الديمقراطيين فرصة في انتخابات التجديد النصفي، بحسب خبير. https://news.northeastern.edu/2025/11/05/prop-50-gives-democrats-a-chance-in-2026/

"OpenSecrets"‏. (2024، أكتوبر). توقّع أن يتجاوز إجمالي إنفاق انتخابات 2024 الرقم القياسي السابق. https://www.opensecrets.org/news/2024/10/total-2024-election-spending-projected-to-exceed-previous-record/

"Pew Research Center"‏. (2026، 15 أبريل). مؤشرات متعددة تُظهر تراجعًا في صحة الديمقراطية الأمريكية عام 2025. https://www.pewresearch.org/short-reads/2026/04/15/multiple-indicators-show-a-decline-in-the-health-of-americas-democracy-in-2025/

"Rucho v. Common Cause", 588 U.S. 684 (2019). https://law.cornell.edu/supremecourt/text/18-422

"SCOTUSblog"‏. (د.ت.). Louisiana v. Callais (Voting Rights Act)‏. استُرجع في 24 سبتمبر 2026، من https://www.scotusblog.com/cases/louisiana-v-callais-2/

"Shelby County v. Holder", 570 U.S. 529 (2013). https://www.law.cornell.edu/supremecourt/text/12-96

"U.S. Census Bureau"‏. (2021، 26 أبريل). تسليم نتائج توزيع المقاعد لتعداد 2020 إلى الرئيس [بيان صحفي]. https://census.gov/newsroom/press-releases/2021/2020-census-apportionment-results.html

"U.S. Department of State"‏. (2006، 7 أبريل). بيان بشأن المساعدات الفلسطينية (بيان صحفي رقم 2006/355). https://www.un.org/unispal/document/auto-insert-207582

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد