السلاح الذي صنع التفوق.. شركاء الكيان في بناء القوة والعدوان

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

لم يكن الكيان الغاصب ليصبح ما هو عليه اليوم بالسلاح الذي صنعه وحده، ولا بالقوة التي راكمها داخل حدوده، وحسب.. خلف كل طائرة تحلق فوق أرض عربية، وكل دبابة تعبر حدودًا مغتصبة، وكل قنبلة تسقط على مدينة يعتدي عليها، هناك تاريخ طويل من الدول التي صنعت السلاح أو مولته أو نقلت التكنولوجيا التي يحتاج غليها، ثم وفرت سياسيًا الغطاء الذي يسمح باستخدامه.

قبل أن يصبح الكيان قوة عسكرية كبرى، كان المشروع الصهيوني يعرف أن امتلاك الأرض يحتاج إلى امتلاك القدرة على الدفاع عن السيطرة عليها وتوسيعها. في حرب العام 1948، لم يكن السلاح الذي وصل إلى القوات الصهيونية تفصيلاً هامشيًا في المعركة. لقد كانت تشيكوسلوفاكيا المصدر الأبرز، مع تدفق أسلحة وذخائر وطائرات ومعدات من أوروبا الشرقية، في وقت كانت فيه الدول العربية تواجه قيودًا على الإمداد وإعادة التسليح.  إذ تكشف الوثائق الأمريكية أن الأسلحة التي خزّنت، في تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا وغيرها، أسهمت في رفع قدرة القوات الصهيونية خلال الحرب.

لم تكن المسألة في كمية البنادق والطائرات وحدها. لقد كانت الحرب تعيد رسم فلسطين بالقوة، وكل زيادة في القدرة العسكرية كانت تعني قدرة أكبر على السيطرة على مساحة أكبر، وتثبيت نتائج المعارك بعد انتهائها. النزوح الفلسطيني الجماعي الذي رافق الحرب لم يكن نتيجة صفقة سلاح بعينها، لكن ميزان القوة الذي تشكل، في أثناء الحرب، كان أحد الشروط التي سمحت بفرض واقع جديد على الأرض، ثم تحويل هذا الواقع إلى أمر سياسي دائم.

بعد الحرب لم يتوقف البحث عن السلاح عند تأمين ما يكفي للدفاع عن الكيان الجديد. خلال الخمسينيات من القرن الماضي بدأت عملية بناء قوة عسكرية أكثر تطورًا، وكانت فرنسا في مقدمة الدول التي أسهمت في ذلك. حصل الكيان على مقاتلات ميستير ومعدات وذخائر فرنسية، وتوسعت العلاقات العسكرية بين الطرفين في وقت كانت فيه باريس تخوض صراعًا مع حركات التحرر في شمال أفريقيا، وتنظر إلى صعود جمال عبد الناصر وسياساته الإقليمية تهديدًا لمصالحها.

لم تكن القاهرة بعيدة عن هذه الحسابات؛ فمصر كانت قد خرجت من النفوذ البريطاني المتوارث، وأعلنت تأميم قناة السويس، في العام 1956، بينما كانت فرنسا وبريطانيا تنظران إلى تصاعد الدور المصري تحديًا مباشرًا لمصالحهما. في ظل هذه البيئة السياسية والعسكرية جاءت صفقة السلاح الفرنسية الإسرائيلية لتتجاوز مسألة التسليح إلى بناء قدرة يمكن استخدامها في حرب أوسع.

في أكتوبر/تشرين الأول 1956؛ اجتمع ممثلو بريطانيا وفرنسا والكيان في سيفر، وتوصلوا إلى تفاهم سري يقضي بأن تهاجم القوات الإسرائيلية سيناء، ثم تتدخل بريطانيا وفرنسا بحجة الفصل بين الطرفين، ما يفتح الطريق أمام السيطرة على منطقة القناة. لم تكن "إسرائيل"، في تلك العملية، قوة منفصلة عن صراع القوى الاستعمارية على مصر، لقد كانت قدرتها العسكرية جزءًا من ترتيب سياسي وعسكري أوسع. إذ توثق الوثائق الأمريكية تفاصيل الاتفاق وخطة العمليات التي سبقت العدوان الثلاثي.

لكنّ النتيجة الأهم لم تكن فقط ما حدث في سيناء والقناة، إنما في أن السلاح بدأ يكشف وظيفته السياسية بصورة أوضح. القوة التي قدّمت على أنها ضمانة لأمن الكيان أصبحت أداة في صراع على دولة عربية وعلى قناة تربط الشرق بالغرب، وعلى مستقبل النفوذ الأوروبي في المنطقة.

بعد قناة السويس أخذ التعاون الفرنسي- الإسرائيلي يتجه إلى مجال أكثر حساسية،. في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي. لقد ارتبطت فرنسا بالمشروع النووي الإسرائيلي، وبدأ بناء مفاعل ديمونا بمساعدة فرنسية؛ شملت معدات وخبرات ومشاركة شركات وعاملين. في الوقت نفسه؛ كانت الولايات المتحدة قد دخلت مبكرًا إلى المجال النووي الإسرائيلي في تعاون محدود في إطار برنامج «الذرة من أجل السلام». لم تكن هذه المرحلة مجرد إضافة سلاح جديد إلى الترسانة الإسرائيلية، إنما كانت انتقالاً إلى بناء قدرة استراتيجية يمكن أن تغير حسابات الردع في المنطقة على المدى الطويل.

لكن العلاقة مع فرنسا لم تستمر بوصفها المصدر الخارجي الرئيسي إلى الأبد. بعد حرب العام 1967، فرضت فرنسا حظرًا على تصدير الأسلحة إلى الكيان، وكانت الولايات المتحدة قد بدأت قبل ذلك في توسيع علاقتها العسكرية معه. مع نهاية الستينيات أصبحت واشنطن المورد الأكثر أهمية، وبدأت العلاقة تتحول من صفقات منفردة إلى شراكة عسكرية طويلة الأمد تشمل الطائرات والصواريخ والذخائر والتدريب والصيانة والتكنولوجيا.

جاءت حرب 1967 لتكشف قيمة القوة التي تراكمت، خلال العقدين السابقين، فقد احتل الكيان الضفة الغربية وشرقي القدس وقطاع غزة وسيناء والجولان، ثم عادت سيناء إلى مصر لاحقًا، في حين استمرت السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة. منذ ذلك الوقت لم يعد التفوق العسكري مجرد قدرة على خوض حرب والانتصار فيها، إنما أصبح وسيلة لحماية واقع جغرافي وسياسي نشأ بفعل الحرب، وتأمين الاستيطان ومنع خصوم الكيان من إعادة تغيير هذا الواقع بالقوة.

خلال العقود التالية؛ تعمقت العلاقة الأمريكية- الإسرائيلية، ولم تعد الطائرات والذخائر وحدها هي محل التعاون، فقد دخلت التكنولوجيا والاستخبارات والدفاع الجوي والصواريخ وأنظمة الاستطلاع والتدريب والصيانة والتمويل في شبكة واحدة. في المقابل؛ بدأ الكيان نفسه ببناء قاعدة صناعية عسكرية متقدمة، مستفيدًا من التكنولوجيا التي حصل عليها ومن الخبرة المتراكمة داخل مؤسساته العسكرية والأمنية.

شيئًا فشيئًا؛ تغير موقع الكيان داخل سوق السلاح. الدولة التي احتاجت في بدايتها إلى أسلحة تأتيها من أوروبا الشرقية وفرنسا، فقد أصبحت تُصنع الطائرات المسيّرة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والاستخبارات والاستطلاع، ثم بدأت تصدر هذه التقنيات إلى دول أخرى. لكنه لم يتحول إلى قوة مكتفية ذاتيًا، وظل يعتمد على الخارج في قدرات استراتيجية أساسية، وعلى رأسها الطائرات القتالية.

هذا؛ تكشف بيانات SIPRI من العام 2021 إلى العام 2025 حجم هذا الاعتماد؛ فقد وفرت الولايات المتحدة 68 في المئة من واردات الكيان من الأسلحة الرئيسة، وألمانيا 31 في المئة وإيطاليا 1.3 في المئة. كما أن الطائرات القتالية النشطة جميعها في الكيان مصدرها الولايات المتحدة. وخلال المرحلة نفسها كان الكيان هو في ترتيب الرابع عشر من الدول المستورد الرئيسة للأسلحة في العالم، في حين كان في الوقت ذاته سابع أكبر مصدّر لها، بحصة بلغت 4.4 في المئة من الصادرات العالمية.

هذا التطور يوضح كيف تحولت العلاقة من مجرد بيع السلاح إلى صناعة قوة عسكرية متكاملة. لقد أصبح الكيان قادرًا على إنتاج جزء كبير من احتياجاته وبيع جزء آخر إلى الخارج، لكنه بقي مرتبطا بالقوى الكبرى في عناصر لا يستطيع الاستغناء عنها. في مقدمة هذه العناصر الطائرات القتالية والذخائر المتقدمة، وهي القدرات التي حافظت على التفوق الجوي الإسرائيلي عبر عقود.

خلال الحرب التي بدأت في أكتوبر /تشرين الأول 2023 ظهر هذا الاعتماد بصورة عملية مرة أخرى. استمر وصول الأسلحة الرئيسة إلى الكيان، بما فيها مقاتلات F-35 والقنابل الموجهة والصواريخ الأمريكية. بذلك لم يعد الحديث عن الدعم العسكري مسألة تاريخية تخص قيام الكيان في منتصف القرن الماضي، إنما عن علاقة تسليح مستمرة تؤثر في قدرته على خوض حرب طويلة وبعيدة المدى.

تصبح دلالة ذلك أكثر وضوحًا عندما نعيد السلاح إلى فلسطين. الطائرة الأمريكية ليست مجرد طائرة في جدول مشتريات، والقنبلة الموجهة ليست مجرد قطعة في مخزن، ومنظومة الاستطلاع ليست مجرد تقنية متقدمة. هذه القدرات كلها تتحول في النهاية إلى قدرة على السيطرة على المجال الجوي ومراقبة الأرض وتحديد الأهداف وفرض الوقائع وحماية القوات والمستوطنات وإطالة أمد الحروب.

حتى الأفكار التوسعية التي ظهرت في مراحل مختلفة من الفكر الصهيوني لا يمكن فصلها عن القدرة على تحويل الفكرة إلى قوة مادية. الحديث عن حدود أوسع، أو مجال أمني أكبر، أو السيطرة على مناطق جديدة، يظل خطابًا سياسيًا ما لم توجد قوة تستطيع فرضه وحمايته. الأفكار لا تحتاج دائما إلى خريطة معلقة على جدار حتى يكون لها أثر، يكفي أن توجد قدرة عسكرية وسياسية تسمح بتوسيع مجال السيطرة كلما سنحت الظروف.

لذلك؛ يصبح السؤال عن شركاء الكيان أوسع من سؤال: من باعه السلاح؟

تشيكوسلوفاكيا ساعدت في مرحلة التأسيس، فرنسا أسهمت في بناء القوة النوعية خلال الخمسينيات، ثم دخل التعاون النووي في مرحلة جديدة، وبعدها أصبحت الولايات المتحدة المورد الاستراتيجي الأكبر، فيما دخلت ألمانيا وغيرها في شبكة التسليح الحالية. في كل مرحلة كانت هناك مصالح للدولة الموردة، من صراع القوى الاستعمارية في المنطقة إلى الحرب الباردة ثم التحالف الأمريكي -الإسرائيلي.

لم يصنع هؤلاء الكيان وحدهم، كما أن الكيان لم يصنع قوته وحده. ما نشأ عبر العقود كان علاقة متبادلة بين مشروع سياسي إحلالي استيطاني يحتاج إلى القوة لتثبيت وجوده وتوسيع مجاله، وقوى دولية تمتلك السلاح والتكنولوجيا والمال والمصالح، ثم جيش وصناعة عسكرية تطورا حتى أصبحا قوة إقليمية قادرة على التأثير في حسابات دول بأكملها.

لذلك؛ فإن النظر إلى تاريخ الكيان من خلال حروبه وحدها يترك نصف الصورة خارج الإطار. الحرب لحظة استخدام للقوة، أما القوة نفسها فلها تاريخ آخر، يبدأ في المصانع والموانئ ومراكز الأبحاث وصفقات السلاح وغرف القرار، ثم ينتهي فوق فلسطين ولبنان وسوريا ومصر، وكل أرض دخلتها الطائرات والدبابات.

السؤال الحقيقي ليس فقط: من يملك السلاح؟ السؤال الأعمق هو: من صنع القدرة التي سمحت لهذا الواقع أن يستمر هذه العقود كلها؟ من ظل مستعدًا لتغذيتها كلما احتاجت القوة إلى جيل جديد من الطائرات والصواريخ والذخائر والتكنولوجيا؟

الكيان لم يصنع تفوقه من فراغ.. لقد صُنع جزء كبير من هذا التفوق في مصانع ومختبرات وعواصم خارج حدوده، ثم حمله السلاح إلى الأرض.. وصانعو السلاح معروفون.

المصادر المتاحة والمفتوحة

* وزارة الخارجية الأمريكية، وثائق العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، وثائق تسليح حرب 1948 وتدفق الأسلحة من تشيكوسلوفاكيا وأوروبا الشرقية.

    وثيقة وزارة الخارجية الأمريكية حول تسليح حرب 1948

* وزارة الخارجية الأمريكية، وثائق العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، أزمة السويس 1956 واتفاق سيفر بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.

    وثيقة اتفاق سيفر وأزمة السويس 1956

* وزارة الخارجية الأمريكية، وثائق العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، النشاط النووي الإسرائيلي والتعاون الفرنسي في مشروع ديمونا.

    وثائق ديمونا والتعاون الفرنسي الإسرائيلي

* معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI، اتجاهات نقل الأسلحة الدولية 2021–2025، بيانات واردات وصادرات الأسلحة الرئيسية ومصادر الواردات الإسرائيلية.

    SIPRI، اتجاهات نقل الأسلحة الدولية 2021–2025

* معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI، الكتاب السنوي 2026.

    SIPRI Yearbook 2026

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد