دريان أمام التمرّد أو الرحيل... والقرار للرياض

post-img

لينا فخر الدين (صحيفة النهار)

منذ أسبوعين، بدأ القلق يتصاعد في دار الفتوى مع تسرّب معلومات عن تقرير المستشار المقرّر في مجلس شورى الدولة، القاضية رانيا أبو زين، ومطالعة مفوض الحكومة لدى المجلس، القاضية فريال دلول، التي أيّدت التقرير القاضي بإبطال قرار رفع السن القانونية لمفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، والصادر عن المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى في أيلول 2023.

أمس، صار الأمر رسمياً، مع تعليق الأوراق على باب مجلس شورى الدولة وتبليغ المستدعين، الذين باتت أمامهم مهلة شهر لتقديم ملاحظاتهم على التقرير، قبل أن يصدر المجلس قراره النهائي. ومع أن القرار لم يصدر بعد، فإن اتجاهه بات شبه محسوم، بعدما جاء تقرير المقرّر ومطالعة مفوض الحكومة متطابقين في النتيجة. ورغم عدم وجود مهلة قانونية ملزمة لصدور القرار، يرى متابعون أن الملف دخل مساره القضائي الطبيعي، وأن وعود بعض السياسيين بإمكان توفير حماية لدريان عبر إبطاء الإجراءات في «الشورى» لم تكن سوى بيْع للأوهام.

الحرب القضائيّة

وبمعزل عن موعد صدور القرار، فإن مرحلة الهدوء التي عاشتها دار الفتوى يبدو أنها انتهت إلى غير رجعة. فإبطال قرار التمديد يفتح الباب أمام موجة من الطعون والدعاوى ضد دار الفتوى، لا تقتصر على أي قرارات جديدة قد يتخذها المفتي، بل قد تمتد إلى قرارات صدرت خلال المدة التي أعقبت بلوغه السن القانونية وإحالته إلى التقاعد قبل التمديد في نيسان 2025، بما فيها القرارات المتعلقة بالمستحقات المالية للمؤسسات الدينية والعاملين فيها. ولا يُستبعد أن تنتقل المواجهة من القضاء الإداري إلى القضاء الجزائي، مع تداول إمكان تقديم شكوى ضد دريان بتهمة اغتصاب السلطة في حال أصرّ على البقاء في منصبه رغم إبطال التمديد.

وليس هذا السيناريو جديداً على دار الفتوى. فقد شهدت «عائشة بكار» مشهداً مشابهاً قبل نحو 15 عاماً، عندما انقلب تيار المستقبل على المفتي السابق الشيخ محمد رشيد قباني، لتبدأ حرب من الطعون والدعاوى أفضت إلى قيام مجلسين شرعيين ومفتيين في كل منطقة، ومحاولات متتالية لتطويق قباني تمهيداً لعزله. وانتهت الأزمة يومها بتسوية سياسية على طاولة السفارة المصرية، أفضت إلى سحب الدعاوى وتأمين خروج لائق لقباني وانتخاب دريان خلفاً له.

المفارقة أن بعض ما شارك فيه دريان ضد قباني قبل 15 عاماً، ينقلب عليه اليوم، مع فارق أساسي: قباني كان يحظى آنذاك بغطاء سياسي من القوى التي كانت تُعرف بـ«سنة 8 آذار»، والتي كانت تتدخل للدفاع عنه كلما اشتدت «الحملة الزرقاء» ضده. أما دريان، فلم يصدر حتى الآن أي موقف سياسي بارز للدفاع عنه بعد تقرير المقرّر، ولا يبدو أنّ هناك من سيمدّه بالدعم السياسي، فيما بدأ الحديث لدى بعض القوى عن «اليوم التالي» وأسماء محتملة لخلافته.

وإذا كان الدعم السياسي أحد عناصر حماية قباني آنذاك، فإن المشهد اليوم مختلف أيضاً على مستوى الحضور الخارجي. فقد شكّلت السفارتان المصرية والسورية يومها مظلة حالت دون عزل المفتي السابق، بينما تحتكر السعوديّة اليوم المشهد الدّاخلي، حتّى بات الجميع ينتظر تسرّب القرار من وراء أسوار بيت السفير السعودي.

التمرّد رهن السعوديّة؟

هذا الواقع يجعل قرار دار الفتوى في التعامل مع حكم «الشورى» أكثر تعقيداً. وبحسب متابعين، فإن دريان، الذي غادر إلى تركيا الأسبوع الماضي في رحلة استجمام للتفكير بهدوء في مصيره، يميل إلى عدم الالتزام بقرار «الشورى»، انطلاقاً من اعتبار المجلس أن لا سلطة لـ«الشورى» على قرارات المجلس الشرعي الذي يُعتبر «سيّد نفسه» ويتمتع بصلاحيات تشريعية، فضلاً عن استقلالية دار الفتوى. ويعزّز هذا الموقف اعتقاد داخل «عائشة بكار» بأن قرارات مجلس شورى الدولة غير ملزمة ولا قدرة قانونيّة لتنفيذها إدارياً. وبالتالي، ينوي المفتي أن يعتبر القرار وكأنه غير موجود، ليكمل ولايته الممددة حتّى اليوم الأخير، وفق ما ينقل عنه.

لكن هذا الخيار يفتح في المقابل مجموعة من الأسئلة: هل يستطيع دريان تحمّل موجة الطعون والدعاوى التي قد تلاحقه؟ وهل يمكن أن يؤدي الإصرار على البقاء إلى إحداث خلل داخل مؤسسات دار الفتوى؟ والأهم، هل ستترك السعودية له هامش المضي في هذا الخيار، أم تتدخل لحسم المسألة؟

يؤكّد متابعون أنّ السعودية ترفض بشكلٍ قاطع أن تصل الأمور إلى عزل مفتي الجمهوريّة بقرارٍ قضائي، ما يضّر بصورة مقام الإفتاء، ومع ذلك، فإنّها ترى أن ما حصل هو نتيجة طبيعيّة لتغريده خارج سرب المملكة واصطفافه إلى جانب الرئيس سعد الحريري وإحراج سفيرها السابق، وليد البخاري، في الإفطار الذي نظّمته دار الفتوى قبل أشهر والذي حضره الحريري، فضلاً عن إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع شخصيات أمنية وسياسية مرتبطة بـ«بيت الوسط».

وهي مؤشرات توحي بأن مصير دريان المعلّق على باب السفارة السعوديّة، قد يحسم في أي لحظة لناحية إقناعه بالتنحي وتعيين قائمقام يقوم بمهام دار الفتوى، أو أن يُصار، في حال شغور المنصب، إلى تطبيق أحكام المرسوم 18 التي تنص على انتقال صلاحيات المفتي إلى أمين الفتوى الشيخ أمين الكردي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد