زينب حمود (صحيفة الأخبار)
أطلقت جمعية «تاليا» أول من أمس مبادرة فنية إنسانية بعنوان «ألوان تحكي»، جمعت خلالها 127 طفلاً نازحاً مع 100 فنان تشكيلي من مختلف المناطق. وهو نشاط أُطلق بعدما لاحظت الجمعية حجم الضغوط النفسية التي يمرّ بها الأطفال النازحون في مراكز الإيواء، والتي تتفاقم مع مرور الوقت، وبعدما لاحظت كذلك «تفضيلهم الرسم كوسيلة فعّالة ومُحبّبة للتعبير»، بحسب مسؤولة العلاقات العامة في الجمعية، رولا مجذوب.
ووفقاً لمنظّم المبادرة، الفنان عبد الرحمن محمد، كان النشاط «واحداً من أنجح النشاطات التي تنبع من القلب، ما أتاح تفاعلاً إيجابياً بين الطرفين، ونتج منه نحو 150 لوحة تعبيرية بسيطة وعفوية عكست مشاعر الأطفال والمأساة المفروضة عليهم».
خرج الأطفال من مراكز الإيواء الضيقة في بيروت إلى مساحة رحبة تنبض بالألوان وأجواء الفرح، حيث انتشرت اللوحات والريش والأدوات الفنية، ما أتاح لهم فرصة التحرر المؤقّت من حالة القمع والضيق التي يعيشونها، ومن شعور الحبس والاقتلاع من بيوتهم ومدارسهم وقراهم، في خطوة حقّقت الهدف الأول للمبادرة، بحسب العضوة في الجمعية، ليلى بركات. أمّا الهدف الثاني، فتمثّل في «تمكين الأطفال من تفريغ ما يختزنونه في داخلهم والتعبير عن مشاعر قد لا يجدون الكلمات لوصفها، أو ربّما لم يُتح لهم من يسألهم عنها، إذ يكفي أحياناً أن يمسك الطفل الريشة ويخطّ بعفوية ليعكس حالة من الفرح أو الألم، حتى وإن لم يكن يمتلك مهارات الرسم»، على ما أوضحت.
معرض فني دولي
وبعد إنجاز اللوحات التي ساهم فيها الأطفال والفنانون يداً بيد، والتي استُلهمت بمعظمها من أفكار الأطفال أنفسهم، ستُعرض هذه الأعمال للبيع في معرض فني دولي، إلى جانب لوحات أخرى قدّمها الفنانون، الذين سيحصلون على 40% من ثمن كل لوحة، فيما سيذهب الجزء المتبقّي للجمعية بغرض دعم النازحين. وفي هذا الإطار، أوضحت رئيسة الجمعية، رانيا مقدم، أن توقيت ومكان المعرض لم يُحدّدا بعد، مُرجِّحة إقامته خارج لبنان «لأسباب مادية وثقافية، إذ نسعى إلى نشر هذه الأفكار والرسائل في الخارج واستقطاب تمويل أكبر لدعم المشروع».
هروب مؤقّت من الواقع
تبدو كلّ لوحة كأنها تروي قصة طفل. ويغلب على معظمها طابع حالم ومُفعم بالأمل، مع حضور متكرر لعناصر الطبيعة مثل الشمس والأشجار والورود والبحر والسماء، إلى جانب اختيار لافت للألوان الزاهية كالأصفر والأحمر والأبيض والأخضر والبنفسجي، مقابل ابتعاد واضح عن الألوان القاتمة، «في دلالة على سعي الأطفال نحو الفرح والصفاء رغم قسوة الواقع»، كما يحلّل الفنانون. وفي هذا السياق، تروي الفنانة مهى الجماس أنها عرضت على الطفل أمير ثلاث صور، فاختار مشهد الطبيعة لأنه «فيها رواق»، على حدّ تعبيره. وتخلص إلى أن «الأطفال يحاولون عبر الرسم التخفيف من وطأة القهر والحرب، واتخاذ الفن مساحة للهروب المؤقّت من واقعهم».
في إحدى زوايا الملعب، وقفت الأخوات زينب وزهراء وآية عواضة إلى جانب لوحة تجسّد خيوط الشمس المتوهّجة لحظة الغروب وهي تنكفئ فوق البحر، تتداخل فيها الرمال مع الأشجار وتنتشر الطيور في فضاء يغمره الضوء، في مشهد يعكس، بحسب الفنانة بانا الأمين التي تشارك الأطفال في الرسم، «الأمل بالعودة إلى بلد آمن والطاقة الإيجابية لديهم». وتروي الأمين أن الطفلات، بعد أن ابتعدن قليلاً ونظرن إلى اللوحة مُكتملة، بدت عليهن ملامح الإعجاب والانبهار بطريقة تنفيذها، إلى درجة أنهن قرّرن تعليقها في غرفتهن داخل مركز النزوح والاحتفاظ بها عند العودة إلى عيترون، خصوصاً أن الأخوات الثلاث كنّ يحببن الرسم ويمتلكن أدواتهن الخاصة قبل أن يُهدم منزل العائلة هناك، ما أدّى إلى فقدانهن أدواتهن ودفاتر رسوماتهن.
وتكرّرت في لوحات الأطفال صور المنازل، خصوصاً البيوت القروية المُحاطة بالحدائق، في دلالة واضحة على الشوق والحنين وتأثّرهم العميق ببيوتهم الأصلية. لم تستطع الطفلة ريم الخنسا (11 عاماً) الاختيار بين المنزل والطبيعة، قائلة: «أحبهم هما الاثنين»، قبل أن ترسم عرزالاً على شجرة، مشيرة إلى أنها «شعرت بقيمة المنزل أكثر عندما نزحت منه خلال الحرب». كذلك، رسم الطفل محمد يونس مشاهد للطبيعة تعبيراً عن اشتياقه لها في بلدته مركبا، حيث اعتاد العيش. فيما اختارت الطفلة لمار صعب، من شبعا، رسم علم لبنان ينساب منه اللون الأحمر، واصفة ذلك بأنه «دم الشهداء».
السوداوية حاضرة أيضاً
ولم تغب اللوحات السوداوية عن النشاط، فبرزت من خلال الأشكال والألوان وطريقة التعبير. حمل أحد الأطفال، مثلاً، الريشة بانفعال، فيما أصرّ أحدهم على الرسم بطريقته الخاصة وبقلم رصاص. ولجأ البعض إلى رسم مشاهد يغلب عليها الغضب أو العنف، كما ظهرت أعمال تجسّد مشاهد قاسية مثل كلب يهرب في شكل غير مألوف، تعكس، بحسب المنظّمين، ما يختزنه الأطفال من خوف ورعب وتجارب قاسية. في حين، عبّر آخرون عن آلامهم باستخدام ألوان داكنة، بينما وقف بعضهم في حالة صمت وتأمل من دون أن يعرفوا ماذا يرسمون. وقد بدت على وجوههم «دمعة وغصّة». وهذا كله، وفق ما أوضح الفنان عبد الرحمن محمد، «لا يُعدّ أمراً سلبياً، بل تفريغاً لمشاعر داخلية ومحاولة لاستعادة الذكريات والطفولة ومسقط الرأس عبر الرسم».
لم تنفع هذه المبادرة الأطفال فقط، بل أهاليهم أيضاً، كما أنها شكّلت مساحة للفنانين للتعبير. يشرح علي ناصر، رئيس منتدى الفن التشكيلي من عين قانا، من قلبه، معنى لوحته التي شارك في إنجازها مع عدد من الأطفال، بينما قميصه ويداه مُلطّخة بالألوان. فيقول: «هذه رسمة تعبّر عن واقعنا، عن تمسّكنا بأرضنا».
وإيماناً منهم بقيمة هذا العمل جاء الفنانون من مناطق بعيدة، مثل زينة القادمة من طرابلس «لنكون إلى جانب أطفال الجنوب». فحاولت تقديم الأساسيات وترك الأطفال يعبّرون بطريقتهم مع تصحيح تدريجي للرسومات.
وتشير الفنانة ريما إسماعيل إلى أن «الفن يخفّف الضغط النفسي ويعلّم الصبر والمرونة، وهو أداة أساسية للنازحين لتفريغ طاقاتهم السلبية وإيصال رسائلهم، رغم أن اندماج الأطفال لم يكن سريعاً بسبب غياب الخلفية الفنية لديهم».