أحرار؛ نتباهى ببلد الحرية والسيادة.. لكن يا سادة عن أي حريةٍ نتحدث في وطنٍ تُكبل فيه الكلمة بسلاسل تنتهك قدسية السيادة؟ وسماؤنا مستباحةٌ في الليل والنهار للعدو الغاشم، وأرضنا تدنسها أقدام المحتل..! إنها الحقيقة المرّة في لبنان .. سيادتنا منقوصة، وحريتنا مقيدة، والواقع يصرخ بالوجع والخذلان، في حين أن الضمير الرسمي غائبٌ في غيبوبة الصمت المطبق.
يستمر العدو في ممارسة أبشع سياسات التهجير القسري وارتكاب المجازر، متجاوزًا الخطوط الحمر كلها باختطاف واعتقال المواطنين المدنيين من قراهم وحقولهم وشواطئهم، ولم يسلم من إجرامه مزارعٌ يحرث أرضه، ولا صياد سمكٍ يسعى خلف رزقه، ولا راعٍ يتبع خطى غنمه.. كمل امتدت يد الغدر لتطال تلاميذ المدارس والقاصرين..
نعم؛ هؤلاء هم المواطنون الذين اختطفوا قسرًا، وتعرضوا للاعتداءات الجسدية، وأصيبوا بالرصاص المطاطي وبأسلحة محرمة دوليًا، واعتُقلوا وهم في وضع صحي حرج، ومنهم من أصيب بنزيفٍ حاد .. مع هذا الإجرام كله، يرفض الكيان الغاصب السماح لمنظمة الصليب الأحمر الدولي الاطمئنان عليهم أو كشف وضعهم الصحي منتهكًا المواثيق الدولية كلها، على الرغم من المذكرات العديدة التي رفعها "مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب" و"هيئة ممثلي الأسرى والمحررين".
لم يكتفِ العدو بجرائمه؛ لقد نفذ عمليات كوماندوز في منطقة العرقوب الصامدة، فداهموا قرية الهبارية واعتقلوا رئيس بلديتها السابق السيد عطوي عطوي، واقتحموا عين الجوز في شبعا؛ ليعتقلوا المواطن سامي صعب من منزله، واستباحوا حلتا مرارًا؛ فقتلوا أحد أبنائها واعتقلوا مواطنين من حلتا من آل عبد العال وعضو بلدية كفرشوبا.. وفي الخريبة ساقوا العمال من لقمة عيشهم إلى الزنازين، كما أوقفوا رئيس بلدية كفرشوبا ساعات وحققوا معه..
أمام هذا المشهد السريالي الذي يدمي القلوب، نسأل أين الدولة ؟ أين المسؤولون اللبنانيون؟ لم نشهد أي تحركٍ جاد أو فاعل من السلطات اللبنانية والوزارات المعنية.. وحدهم أهالي الأسرى والمفقودين يقفون في خط المواجهة، يرفعون الصوت ويصرخون، وحناجرهم تحمل آهات المعاناة الجنوبية في وقفات احتجاجية غاضبة أمام مقر الصليب الأحمر الدولي و"الإسكوا"، مدعومين من هيئة ممثلي الأسرى ومركز الخيام.
لقد طرقوا الأبواب كلها، قابلوا السيد مازن شقورة (الاسكوا) وزاروا مقري رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة مستجيرين متسائلين: "أين أولادنا، وما مصيرهم؟ نطالبكم التحرك الفوري للافراج عنهم.. لكن منذ ما يقارب الشهر، أُفرج عن ثلاثة أسرى لم تكن أسماؤهم أصلًا مدرجة ضمن لائحة الأسرى الـ 36 المعروفين، ما يؤكد أن العدد الحقيقي أكبر بكثير، وأن هناك عشرات المفقودين الذين يرفض العدو كشف مصيرهم، مع رغم اعترافه منذ مدة وجيزة بوجود أسرى بينهم قاصر. هذا فضلًا عن احتجاز جثامين الشهداء الأبرار، منذ حرب العام 2023 في مقابر الأرقام النكراء. كما سافر وفدٌ حقوقي من مركز الخيام إلى جنيف لتدويل القضية ورفع الصوت في المحافل الدولية للمطالبة بالحرية لأسرانا.. لا نزال هنا، ننتظر بمرارة أن تستيقظ الوزارات المعنية من سباتها، وأن يتحرك المسؤولون لحماية كرامة مواطنيهم المعتقلين والمخطوفين قسرًا من أرضهم.
لن نرحب بسيادةٍ وهمية على الورق، حتى يعود آخر أسير وآخر مفقود وتتحرر الأرض والإرادة. إن قضية الأسرى هي المحك الأخير لما تبقى من كرامة وطنية .. فهل من يسمع وهل من يجيب؟