الحرب على اليمن.. حصار الأرض وحصار الحقيقة

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

 

«المطار بالمطار، والميناء بالميناء، والحصار بالحصار». ليست هذه العبارة مجرد تهديد عسكري، هي إعلان لمحاولة كسر معادلة حكمت الحرب على اليمن سنوات طويلة: طرف يمتلك التفوق الجوي ويفرض الحصار ويتحكم في المنافذ، وشعب يتحمل كلفة حرب يُراد إخضاعه من خلالها لإرادة خارجية.

في بلد يعتمد على الواردات للغذاء والدواء والوقود، لا يعني إغلاق الميناء تعطيل السفن فحسب، ولا إغلاق المطار وقف الرحلات وحدها. وراء كل شحنة لا تصل، هناك أسرة تخشى نفاد احتياجاتها، ووراء كل رحلة ممنوعة، هناك مريض قد يفقد فرصة العلاج، ومغترب يعجز عن العودة، وعائلة يلتهم الغلاء دخلها. هكذا يتحول الحصار إلى ضغط يومي على حياة الناس، وتصبح احتياجاتهم جزءًا من معركة يراد بها كسر إرادة بلد بأكمله.

منذ مارس/أذار العام 2015، لم تكن الحرب التي قادتها السعودية مجرد مواجهة عسكرية مع أنصار الله، لقد كانت مشروعًا لإعادة تشكيل اليمن بالقوة، وفرض معادلات سياسية وأمنية تخدم مصالح القوى المتدخلة. وحين تعذر تحقيق الحسم الذي راهن عليه أصحاب التفوق الجوي، امتد الضغط إلى الموانئ والمطارات والبنية التحتية والاقتصاد. لم يكن الحصار تفصيلاً جانبيًا في الحرب، بل إحدى أدواتها الأساسية.

لم يقتصر التحدي الذي واجه أنصار الله على الصمود، لقد شمل تغيير حسابات الطرف الذي يملك قرار استمرار الحرب. إذ حين يشن طرف الغارات، ويقيّد حركة السلع والأفراد، يتحمل الطرف الآخر معظم الأعباء، فتصبح الحرب ضغطا أحادي الجانب. أما حين تمتد المخاطر إلى منشآت الطرف الأقوى ومطاراته ومصالحه الحيوية، فإن احتكاره القدرة على فرض الكلفة يتعرض للاهتزاز.

جاءت الهجمات التي شهدتها المطارات السعودية، خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026، لتضع هذه المعادلة في صدارة المشهد. إذ بعد سنوات عدّت فيها الأجواء السعودية امتدادًا آمنًا للتفوق العسكري، باتت المطارات والمنشآت الحيوية نفسها جزءًا من حسابات المواجهة. أعلنت أنصار الله مسؤوليتها عن هجمات، فيما تحدثت السلطات السعودية عن قتلى وجرحى وأضرار في منشآت المطار. تكشف هذه التطورات اتساع دائرة المخاطر، لكنها تطرح سؤال الردع: هل تدفع الكلفة الجديدة الرياض إلى مراجعة مسار الحرب، أم تتمسك بالتصعيد وتضاعف أعباءه؟

تقدم أحداث نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2017 مثالاً على وظيفة الحصار في هذه الحرب. إذ بعد إطلاق صاروخ باتجاه الرياض في الرابع من الشهر، أعلن التحالف، في السادس منه، إغلاق المنافذ اليمنية البرية والبحرية والجوية مؤقتًا، مستندًا إلى معايير أمنية ومنع تهريب الأسلحة. لكن الأثر امتد إلى الإمدادات الإنسانية والتجارية، في بلد يعتمد سكانه على الخارج لتأمين جانب كبير من احتياجاتهم. وبالنسبة إلى أسرة لا تملك مخزونًا من الغذاء ولا دخلاً يواجه ارتفاع الأسعار، لم يكن القرار نقاشًا في أمن الحدود، بل سؤالاً عن الوجبة التالية وكيفية الحصول على الدواء.

لا يُفرض الحصار على الأرض وحدها؛ إذ ترافقه معركة على الرواية التي تفسر الحرب، وتحدد المسؤولية عنها. حين يبدأ السرد بالصاروخ، ثم يقدم إغلاق المنافذ بصفته إجراءً أمنيًا، يبدو الحصار رد فعل منفصلاً عن سياقه، في حين تختفي سنوات الحرب والغارات والقيود المفروضة على حركة اليمنيين. لا تحتاج هذه الرواية إلى إنكار معاناة الناس؛ يكفي أن تجعلها هامشًا في قصة تبدأ من اللحظة التي اختيرت لها، لا من مسار الحرب الذي أنتجها. هكذا تصبح السيطرة على تفسير الأحداث امتدادًا للسيطرة على الأرض، ويُطلب من اليمنيين أن يشرحوا ردهم باستمرار، في حين لا يُطرح بالقدر نفسه سؤال الحرب التي سبقت ذلك الرد.

لقد أثبتت سنوات المواجهة أن التفوق الجوي لا يضمن إخضاع مجتمع، ولا يفرض نتيجة سياسية. وراكمت أنصار الله قدرات جعلت اليمن طرفًا مؤثرًا في حسابات خصومه، بدلاً من ساحة تُدار الحرب عليها من الخارج. لكن قيمة هذه القدرة لا تتحدد بمدى الوصول العسكري وحده، إنمابما تفرضه من تغيير في حسابات الطرف الآخر واقتراب من إنهاء الحرب والتدخل الخارجي. فثمة فارق بين توسيع المواجهة وتحويل ميزان القوة إلى نتيجة سياسية.

كما لا تنفصل الحرب على اليمن عن الصراع الإقليمي الأوسع، ولا عن موقع أنصار الله ضمن محور المقاومة في مواجهة الهيمنة الأميركية والإسرائيلية. إذ إن موقع اليمن عند البحر الأحمر وباب المندب يجعله جزءًا من صراع أوسع على النفوذ والممرات الاستراتيجية. كما لم تتطابق المصالح السعودية والإماراتية، في مراحل الحرب جميعها؛ حين سعت الإمارات إلى ترسيخ نفوذها في الجنوب عبر قوى محلية، أحيانا في مسارات لم تتوافق وحسابات الرياض. فالحديث عن هدف واحد للتحالف لا يلغي تنافس القوى الخارجية على اليمن.

لكن اليمنيين لا يستطيعون تعليق حياتهم حتى تنتهي حسابات القوى المتنافسة. إنهم يحتاجون إلى موانئ تعمل، ومطارات مفتوحة ودواء متاح واقتصاد يوفر العمل ودولة تملك قرارها. تلك ليست مطالب منفصلة عن السياسة، بل جوهر السيادة: أن يعيش الناس من دون أن تظل احتياجاتهم رهينة الحرب ومصالح المتدخلين.

لكن حرب الرواية تكشف تناقضًا لا يمكن تجاهله. إذ عندما يسقط ضحايا في استهداف المطارات السعودية، تتقدم صورهم إلى واجهة المشهد، وتُستدعى لغة الإدانة والحديث عن أمن المدنيين، وتتحول الواقعة إلى قضية تستنفر المنابر الإعلامية والسياسية. أما حين حوّل الحصار، والممتد لأكثر من عشر سنوات حياة اليمنيين إلى معركة يومية مع الجوع والمرض وانقطاع الدواء، فقد بدا أن المأساة لا تستحق القدر نفسه من الاهتمام. في اليمن، لم تكن الخسائر مجرد أرقام عابرة؛ هناك أطفال واجهوا أمراضًا كان البلد قد تخلص من بعضها، أو تراجعت كثيرا في العالم، لكنها عادت بسبب ضعف الخدمات الصحية وتراجع التطعيم وصعوبة الوصول إلى العلاج في بيئة تسمح لها بالانتشار.

ليس المقصود التقليل من قيمة أي ضحية، ولا إنكار حق الناس في الأمان، أيا كانت جنسياتهم. المقصود أن هذا الحق لا يمكن أن يكون كاملاً حين يُستدعى لضحايا ويُحجب عن آخرين.. فإذا كانت حياة المدنيين تستحق كل هذا الاهتمام حين تتعرض المطارات السعودية للاستهداف، فلماذا لم تحظَ حياة اليمنيين بالاهتمام نفسه حين قُيّدت الموانئ، ومُنع المرضى من السفر، وعجزت أسر عن تأمين الغذاء والدواء، وعادت أمراض يمكن الوقاية منها، بينها شلل الأطفال، لتصيب أطفالاً في بلد أنهكته الحرب؟

في اليمن، لا تدور المعركة حيال الصواريخ وحدها، إنما من يملك حق تعريف الضحية وتحديد أي مأساة تستحق أن تُروى وأي مأساة يمكن تركها في الظل؟.. الرواية التي ترى ضحايا طرف، وتغيب عنها معاناة الطرف الآخر طوال سنوات، لا تقدم صورة مكتملة للحرب؛ إنها توزع التعاطف وفقًا لميزان القوة. وكسر الحصار لا يعني فتح الموانئ والمطارات فحسب، إنما كسر الصمت الذي أحاط بمعاناة اليمنيين، وانتزاع حقهم في أن تُرى حياتهم ودماؤهم قيمةً إنسانية لا تقل عن حياة أي إنسان آخر.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد