تذخرُ المواسمُ الثقافية في البلدان المختلفة بمعارض الكتب. لعلها أكثر الفعاليات التي تحتفلُ بإنتاجات العقل الإنساني، وتمدّ جسر التواصل بين الشعوب والكلمة. فيها تزدهر أصناف الإبداع الفكري والروحيّ على رفوفِ دور الطباعة والنشر والتوزيع معًا، وتصطف المنشورات، وتفتح آفاقها أمام حشود الروّاد والمهتمّين.
مما لا شكّ فيه أن خلف مواسم المَعارض كلها ورشاتٍ كبرى، من الخطط الرسمية والأعمال الإداريّة والتنسيق بين المشاركين الذين يعرضون إصداراتهم في أهم مكانٍ يُعيد للكتاب وهجه في النفوس وحضوره، فهل يظلّ في هذا المكان متّسعٌ لشيء اسمُه رقابة؟
إن "الرقابة" هي أساس في التخطيط والتنظيم للمعارض، لأنها تتكفّل بضبط النشاط وعدم "العشوائية" وتحفظُ المشاريعَ وفقًأ لمسارٍ يستمر بتحقيق أهدافها المرسومة ويطوّرها نحو الأفضل، كي تظل الإجراءات متجهة نحو الغايات الإصلاحية ومواكِبةً لمفاهيم الحضارة ومتلافِية للعوائق ومسهِمة في صناعة الغد الأفضل. إن غَرض الرقابة المواكبة لسوق الكتاب "هو الإشارة إلى نقاط الضَّعف والأخطاء؛ بغرض مُعالجتها ومنع تَكرار حُدوثها، وهي تطبق مع كلِّ شيء: الأشياء والناس والأفعال". بهذا تظهر حقيقة الرقابة كما يُرتجى منها؛ فلا تبدو كما يصوِّرها بعضُ الإعلام وكأنها مقصٌ فوضوي شغلُه الشاغل إتلاف الإبتكارات وتحييدها وحسب. فما هي أهميتها في معارض الكتاب الدولية؟
للرقابة ضمن خطط "معارض الكُتب" مهمات محددة، تبرز في كثير من الجوانب الاجتماعية؛ فهي تشجّع أفراد الأسرة (شبابًا وشيبًا وأطفالًا وناشئة) ليستلهموا من العقول الخيّرة ويستفيدوا من التجارب الطيبة. ولكن كل تلك الفوائد والإيجابيات لا تحصل بشكل كامل من دون الانتباه إلى تحقيق القيم السامية والحذر مما قد يشوّهها ويدمرها. ومن هنا تُفهم المواد القانونية والحكومية المتعلقة بالمنشورات وبأنظمتها في كل دولة من الدول. وكذلك "التعريفات القانونية للمطبوعات بأنواعها المختلفة والشروط الموضوعية والإجرائية المتطلبة لإصدارها..والواجب توافرها وحتى حالات منع النشر والعقوبات المقررة.."
إذًا، من الطبيعي أن يتثبّت النقابيون والمنظمّون رسميًّا من مستوى ما يقدّم في محافل المعارض للجمهور الذي يحضر ليتناول من مائدة الأفكار والأرواح بأن يحرصوا على نقائه وخلوّه من الجراثيم. تكتسب الرقابة أهمية كبرى هنا خصوصًا، وسط ما يُحيط بالمجتمع الإنساني المعاصر من تحديات كبرى تهدّد أمانه، وقد تزعزع استقراره الفطري أيضًا وهو ما نراه في ظواهر عديدة منها: الترويج للشذوذ البشري والتشويه للمفاهيم والطعن في الأخلاقيات، والتسطيح للإرادة الإنسانية والعمل على انتشار "التفاهة" العقلية و"صناعة الرموز الفارغة وتكريس السطحية على حساب القيم والمحتوى الحقيقي".
مع هذا، تُسجلُ بعض المشاهدات المعاصِرة من معارض الكتب التي تضم أطيافًا متعددة المشارب. وهي مشاهدات "مستغربة" إذ تستدعي السؤال عن الرقابة: فهل ووظائفها في التصدي للظواهر المريبة فما هي تلك الظواهر المُلاحَظة؟
أولًا؛ رواج الكلام عن الشذوذ، إذ يجد المفكرون في الجولات على بعض أقسام المعارض الكبرى قصصًا وروايات أدبية وكتبًا وثائقية أو غيرها تفرض مسألة "الشذوذ" وكأنها حق اجتماعي! وهي تصوّر الشاذين بصورة الضحايا والمظلومين بين الناس! وتعمل على كسب تعاطف القراء معهم، على اختلاف فئات هؤلاء القراء صغارًا وكبارًا، وذلك تمهيدًا لانتزاع التقبّل لمثلبة الشذوذ بين الشرائح الاجتماعية والعلمية والقانونية حتى.
ثانيًا؛ تنتشر في هذه الأيام ظاهرة "البوكتوك" في "مجتمع افتراضي متنامٍ يضم ملايين المستخدمين"، وهي ظاهرة تكرّس الترويج للكتاب الذي حوّلته تطبيقات "التيك توك " وغيرها إلى "ترند" أو "منشورات شهيرة" فأقبل الناس على اقتنائها. لقد باتت دور النشر تراقب بحذر شديد "الترندات" الرائجة على "تيك توك" لسرعة طباعة نسخ إضافية من الكتب التي ترتفع عليها المطالبات بشكل مفاجئ.
تحتوي هذه الظاهرة مشكلات؛ ليس أقلها "هيمنة أنواع أدبية محددة (الفانتازيا والرومانسية) وشيوع الاستهلاك السريع والضغط على المؤلفين" وغيرها. كما لا يخفى ما لهذه الظاهرة من جوانب تؤثر في عرقلة تطور الفكر الأصيل ونهضة الثقافة الفضلى، لأنها متقيدة "بالترندات"، وهي مهما اختلفت الآراء حولها تستحق الدراسة جيدًا قبل السير في ركابها لأجل البيع والتجارة؛ إلا إذا كان الكتاب عنوان الحضارة قد تحوّل بالفعل إلى سلعة بحت من دون النظر إلى قيمته المعنوية العميقة.
ثالثًا، ترويج الكتب والمنشورات الغارقة في تسطيح الاهتمامات؛ فيصبح أكثر ما يباع هو كتب الطعام وأصنافه وأنماط تناوله أو الأزياء والأضواء، أو حتى سيَر المشاهير المدمنين الذين لم يقدّموا لصلاح الإنسانية فلسًا واحدًا.
رابعًا، القضايا الإنسانية الكبرى المُحقّة؛ إذ يطالعك بين الإصدارات كمٌ كبيرٌ يهاجم تلك القضايا تشويهًا وتضليلًا وتعويمًا لسرديات كاذبة، كما يحصل مع قضية مظلومية شعب فلسطين وأرضه المحتلة؛ إذ ينتشر تزييف الوقائع في قلب الواقع العربي حتى، وتعمل وسائل التأليف والطبع والتوزيع "بالمجان" على تغييب الحقائق الصادقة أو الكاملة، ويصبح طلبُ العدالة وجهةَ نظر يتبجّح بمعارضتها كاتبٌ مغمور أراد أن يصبح مشهورًا.
أمّا عن الدعوات إلى تعطيل التفكير الطبيعي لمصلحة الذكاء الصناعي فحدّث ولا حرج، فها هي في الأقسام الجذّابة، المنشوراتُ والسجلّاتُ التي يفترض بها أن تواكب التكنولوجيا لتسخيرها لخدمة الإنسان وشفاء أمراضه واستصلاح أرضه .. ولكن المستهلك الواعي حاليّا يقف عند ظاهرة "كوغنيتيف سارووندر" (أي الاستسلام المعرفي أو الإذعان)، ويقف أيضًا أمام غزارة ما تشرحه إصدارات الذكاء الاصطناعي من "فوائد السيادة الرقمية والتفكير الآلي والمعلّم الآلي واقتصاد الآلة، وحروب الخوارزميات وما يترتب على ذلك من معضلات قانونية ودينية"، وصولًا إلى التخلي عن التفكير والتحليل والاستنتاج والاختراع، وذلك لمصلحة الاعتماد على أحدث ما يستجد في عالم "الروبوتيكس" و"التطبيقات" ومنها "الشات جي بي تي" وغيرها.
في الخلاصة، يتفق العقلاء على أن معارض الكتب ومواسمها تثمر حتمًا الفوائد الجمّة بتلاقح الأفكار والاتجاهات والثقافات المتنوّعة والحضارات القديمة والفلسفات وتباين ألوان الإصدارات الحديثة العالمية. هذه الفوائد كلها لن تُعدّ رصيدًا قويّا في رفع مستوى الثقافة الخلّاقة ولن تسهم في رفع مستوى التلقي والإبداع معًا، إلا مع عمليات ممنهجة للرقابة، رقابةٌ من أهدافها حماية هذه التظاهرة الحضارية لتنعش الفكر الإنساني، وتقدم الأفضل لجيل اليوم وصانع الغد، فلا تتلاشى قيمة الكتاب الكونية لمصلحة التجارة فقط لا غير، بل تُسخَّر التجارة لمحاكاة فطرة الإقبال على القراءة، وإلى المزيد من جلسات الجودة والتطلّع إلى التحسين.
- بشير عباس العلان، "الإدارة: مبادئ، وظائف، تطبيقات"، دار قباء (ليبيا)، 1996.
- آلان دونو، نظام التفاهة، دار سؤال (بيروت)، 2020.
- قانون المطبوعات، مركز الأبحاث والدراسات، موقع الجامعة اللبنانية.
- موقع المرصد المصري للصحافة والإعلام https://eojm.org/legal_aid_and_assist
- منصة بوك بيديا (مقالة صعود البوكتوك).