تلتقي العديد من الروايات التاريخية حول تواطؤ شخصيات صهيونية مع ألمانيا النازية لإخراج اليهود قسرًا من أوروبا التي احتضنت مجتمعاتهم منذ قرون، من أجل تهجيرهم إلى فلسطين. مشروعٌ عارضته شخصيات يهودية كما يشير الكاتب الأميركي بنيامين موزر في كتابه "مناهضة الصهيونية: تاريخ يهودي" (دار دابلداي، نيويورك، 2026)، مستعرضًا خلاله سيرةَ اثنتي عشرة شخصية، يتوزّع أصحابها بين حاخامات ومفكرين وحقوقيين وصحافيين وفنانين ممن صاغوا في أزمنة متباعدة، خطابًا يعترض على المطابقة بين المشروع الصهيوني واليهود.
تنتمي هذه الشخصيات إلى بلدان متنوعة مثل مصر والعراق وجنوب أفريقيا والأميركيتين حيث يناقش المؤلف تصوّراتهم للانتماء والمواطنة وفق ثقافاتهم وبيئاتهم المختلفة، مخصصًا أحد فصول الكتاب للمحامية البولندية الألمانية فليشيا لانغر التي كانت إحدى الناجيات من الهولوكوست، وهو ما دفعها إلى أن تسخِّر جلّ حياتها لمقاضاة السلطات الإسرائيلية دفاعًا عن الفلسطينيين أمام المحاكم وكشف الانتهاكات داخل سجون إسرائيل. لكن لانغر وصلت في النهاية إلى يقين مفاده أن أكثر حججها إحكامًا وقوة من الناحية القانونية تُرفض من قبل المحاكم الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، واجهت حملة تشهير بسبب عملها. وأخيرًا، تخلص لانغر إلى أن مشاركتها بوصفها مواطنة في دولة إسرائيل لن تمنحها سوى "واجهة ديمقراطية"؛ لتغلق مكتب المحاماة عام 1990 وتغادر إلى ألمانيا، وتقضي سنواتها الأخيرة في إلقاء المحاضرات والمشاركة في فعاليات تعرّي جرائم الاحتلال، بالإضافة إلى تأليفها مجموعة كتب تدرس الأفكار العنصرية الصهيونية.
من السير التي يتناولها الكتاب آفي شلايم وحنة آرنت ومكسيم رودنسون ونان غولدن. وعلى الرغم من وجود ما هو مشترك في سِيرهم، وهو اليهودية، ينظر الباحث إليهم، ويفكّك مساراتهم المهنية وطروحاتهم في سياقات فكرية اجترحوها بأنفسهم، في الحقول التي عُرفوا بها. المشترك الآخر كذلك هو فضح إسرائيل، والكتاب ينتمي إلى الأدبيات التي تبحث المسألة اليهودية، في نقاش انتماء اليهود إلى بلدانهم الأصلية، إذ يعترض موزر على تصويرهم غرباء عنها، ينتظرون الانتقال إلى وطن آخر، وهو إسرائيل.
يستعيد موزر تجربة المؤرخ اليهودي العراقي آفي شلايم، وتوثيقه أشكال التعايش العربي اليهودي السابقة لقيام إسرائيل، ويعرض تجربته، ضمن تجارب تشمل المهاجرين اليهود العراقيين. وسيرة الحاخام الأميركي هايمان شاختل، الذي يعرّف اليهود على أنّهم جماعة دينية ومواطنون أميركيون في الوقت نفسه، ورفض تأسيس دولة باسمهم في فلسطين، قبل أن ينتهي به المطاف إلى موقف معاكس تمامًا.
كذلك يعود موزر إلى حقباتٍ أبعد، مثل استعراضه تجربة الشاعر الهولندي يعقوب إسرائيل دي هان، الذي تعلّم العربية وزار القرى الفلسطينية، إلا أنَّ أحد أعضاء هاغاناه اغتاله في شارع يافا بالقدس في 30 يونيو/حزيران 1924، بعد أن تحوّل بفعل مشاهداته الشخصية، من مؤيد للصهيونية إلى معارض لها. ومن جنوب أفريقيا، يقرأ الكاتب تجربة روني كاسريلز، الذي جمع في طفولته تبرعات للصندوق القومي اليهودي لزراعة الأشجار في إسرائيل، وقد عرف لاحقًا أنّ الأشجار زُرعت فوق أنقاض قرية "لوبيا" الفلسطينية، التي هُجّر سكانها عام 1948. ثم بنى موقفه من إسرائيل، خلال نضاله ضد الفصل العنصري في بلاده، وصاغ جملة من المقارنات بين سياسات إسرائيل وسياسات العزل في جنوب أفريقيا، إذ صاغ "إعلان ضمير من قبل جنوب أفريقيين من أصل يهودي" سنة 2001، قارن فيه بين الإسرائلييين والنازيين ما ولّد ردّة فعل عنيفة ضدّ مواقفه، وتمّ التشكيك في كونه "يهوديًا حقيقيًا".
إضافة إلى شخصيات فكرية وحقوقية، يحضر في الكتاب تجربة المصورة الأميركية نان غولدن، التي صوّرت يوميات الحياة في غزة، ومشاهد من القصف والنزوح، ضمن سعي لإظهار قدرة الصورة على تغيير المواقف السياسية. ومسعى كتاب موير (الحائز بوليتزر عام 2020 عن سيرة الناقدة سوزان سونتاغ)، عبر جمع سير الشخصيات اليهودية، هو الفصل الجذري بين الصهيونية ومستقبل اليهود، بتصوير الصهيونية خطرًا عليهم، لم تتوقف بعض نخبهم عن قولِ هذا، وممارسته في حقول المعرفة والعمل العام.
ضمن نقاش مساواة مناهضة الصهيونية بمعاداة السامية، يرى المؤلف أن الكتاب الذي أهداه إلى الشعب الفلسطيني، يحفّز اليهود حول العالم إلى اتخاذ مواقف شجاعة تجاه واحدة من أكثر القضايا التي تشغلهم وتشكّل هاجسًا لا يمكنهم من العيش دون البحث عن تصالح حقيقي مع ذواتهم. ويؤكد موزر ضرورة أن تخضع الصهيونية وتاريخ إسرائيل إلى المساءلة والنقد بدلًا من تحويلهما إلى أسطورة.