ممنوع ذكر فلسطين والنضال ضد الاستعمار: «المكارثية الجديدة» تُخيّم على الجامعات الأميركية

post-img

علي سرور/جريدة الأخبار

تحت عنوان «مكافحة معاداة السامية»، تتصاعد الضغوط على الجامعات الأميركية لتقييد الأصوات المناصرة لفلسطين. في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، تحوّلت مواقف أستاذ اللغويات ميشال ديغراف المناهضة للاستعمار إلى مواجهة مع الإدارة انتهت بإبعاده عن التدريس. قضية تكشف اتساع التضييق على الحرية الأكاديمية في عهد ترامب، وتعيد إلى الواجهة شبح «المكارثية» الأميركية. منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، انتفضت الجامعات الأميركية سواء بكوادرها الإدارية والتعليمية، أو بطلابها، للاصطفاف إلى جانب الحقوق الإنسانية والأخلاقية المهدورة لدى الفلسطينيين.

لكن مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وضعت الإدارة اليمينية ضغوطاً قصوى على الحراك الطلابي وإدارات الجامعات، ضمن مسعى الرئيس الجمهوري إلى إسناد الارتكابات الإسرائيلية والحدّ من التبعات الإعلامية والشعبية الوخيمة داخل الولايات المتحدة. وفي آخر فصول هذه الحملات، انصاع «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» (MIT) للسياسات اليمينية، ووصلت الحال بإدارته إلى دفع راتب أحد الأساتذة رغم منعه من التدريس لسنوات، في محاولة لإسكات محاضراته التي تنادي بالحرية وكسر قيود الاستعمار، بدءاً من فلسطين وصولاً إلى قمم جبال «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة.

اليمين يكتم الأصوات الأكاديمية

كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأسبوع الماضي عن عيّنة تفضح ما يحصل خلف كواليس الجامعات الأميركية. الأستاذ الجامعي في معهد التكنولوجيا، ميشال ديغراف، وهو ناشط صريح مؤيّد للفلسطينيين، طُرد من قسمه بسبب مواقفه، مع سعي اللّوبيات الصهيونية الدؤوب إلى طرده بالكامل من وظيفته. وسبق لأستاذ اللغويات أن جابه السرديات الإسرائيلية على وسائل التواصل الاجتماعي محقّقاً ضربات إعلامية قاسية دفعت المعسكر اليميني إلى التكشير عن أنيابه تجاه ديغراف. ودخلت إدارة «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» إلى جبهة تضييق الخناق على الأصوات الحرّة، على إثر اقتراح ديغراف مادّة تعليمية تحت اسم: «اللغة وعلم اللغة من أجل إنهاء الاستعمار والتحرير، ومن أجل السلام وبناء المجتمع. من النهر إلى البحر في فلسطين وإسرائيل، وصولاً إلى قمم جبال هايتي وما وراءها».

الفكرة التي طرحها الأستاذ المحاضر أتت بعد أشهر قليلة من بدء العدوان الوحشي على قطاع غزة، الذي خلّف في الأسابيع الأولى آلاف الشهداء الفلسطينيين، جلّهم من المدنيين. وعلى شاكلة العنوان الطويل للمادّة التعليمية، تختزل في مضمونها عقوداً من الحروب والظلم على شعوب عدّة تحت مسميّات مختلفة، لكنّها تتضمّن في طيّاتها جميع أشكال الاستعمار. ورفضت لجنة تابعة للمعهد المقرّر الدراسي، فيما اتُّهم ديغراف بمعاداة السامية بسبب شعار «من النهر إلى البحر».

من جهته، اعترض أستاذ اللغويات على ادعاءات المعهد، ووضع القرار في إطار ما وصفه بـ «المكارثية الجديدة». كما رفع دعوى قضائية فدرالية ضدّ «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» متهماً المؤسسة بتقييد حرية التعبير في الحرم الجامعي بشأن غزة وانتهاك حريته الأكاديمية.

ديغراف في عين المنظومة

مع ازدياد شهرة ميشال ديغراف، لا سيّما بسبب منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي المؤيدة للتحرّر ومحاربة الاستعمار ونصرة الشعب الفلسطيني، ارتفعت حدّة العداء له من قبل جماعات يمينية أميركية وصهيونية. ويواجه الأستاذ الأكاديمي دعاوى قضائية من طلّاب من الديانة اليهودية، كما اتهمه تقرير صادر عن لجنة تابعة لمجلس النواب الأميركي في وقت سابق من هذا العام، بالترويج لـ «نظريات المؤامرة المعادية للسامية».

عانى ديغراف على مدار السنوات الثلاث الأخيرة من تضييق الخناق المهني عليه، وفرضت إدارة المعهد عقوبات عليه بسبب «إثارة الاضطرابات وانتهاك الإجراءات والتوجيهات». إلى جانب ذلك، عمدت الإدارة إلى إقصائه من قسم اللّغويات في المعهد ومنحه لقباً غامضاً هو «عضو هيئة التدريس العام». أمر يدرجه ديغراف في توقيع بريده الإلكتروني داخل علامتي اقتباس ساخرتين.

كشف الأستاذ المولود في البلد الكاريبي هاييتي، أنّه حُرم من زيادة راتبه المقرّرة ومن فرصة الإشراف على طلاب جدد، مضيفاً أنّه يتقاضى راتبه من دون أن يُدرّس أي مادة للفصل الدراسي الخريفي الثالث على التوالي.

يأتي هذا التضييق الأكاديمي والشخصي على ديغراف بسبب آرائه الصريحة التي يشير فيها إلى أوجه تشابه بين النضال الهاييتي من أجل الاستقلال ونضال الشعب الفلسطيني. كما سبق له الانضمام إلى الحراك الطلابي الذي شهدته الولايات المتحدة خلال الأعوام الماضية رفضاً لحرب الإبادة.

الجدير بالذكر أنّ هذه الحالة تعدّ واحدة من بين عدد كبير من الأساتذة الذين أُدخلوا في نزاعات مع جامعاتهم بشأن «حريّة التعبير» في ظلّ السياسات الصارمة التي تطبّقها المؤسسات التربوية خوفاً من الاستهداف المباشر من قبل إدارة ترامب عبر خفض الدّعم والتمويل الفيدرالي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد