ليس هناك، بعد الفلسطينيين، من هم أعلم بـ"الإرهاب اليهودي" من البريطانيين. إرهاب يوصف بوصفه يهوديًا (jewish terrorist activity) في وثائق رسمية بعضها كان سريًا وقد اطلعت عليها "العربي الجديد". الأحداث التي شهدتها فلسطين بعد سنوات قليلة من بداية فترة الانتداب البريطاني الفعلي في 29 سبتمبر/أيلول 1923، أذاقت بريطانيا بعض مرارات الوجه العنيف للصهاينة الذين سعوا إلى إجبار الإمبراطورية البريطانية، بالإرهاب، على تنفيذ ما رأوه وعدًا قاطعًا بإنشاء دولة لهم في فلسطين. ولأن الوثيقة هي بداية الطريق إلى معرفة الحقيقة، بحثت "العربي الجديد" عمّا سجلته بريطانيا عن الفترة التي سبقت إعلان الدولة الإسرائيلية على أرض الفلسطينيين. وأجرت قراءة تفصيلية في الكثير من الملفات، في مكتب السجلات العامة (دار الوثائق البريطانية) التي تشكّل ذاكرة بريطانيا عن "الإرهاب اليهودي".
العصابات الصهيونية و"تطهير" فلسطين
تكشف وثائق العام 1948 عن عمليات إرهابية فريدة استهدفت، بالدرجة الأولى، المدنيين العرب (الفلسطينيين). كانت مذبحة دير ياسين أبشعها، لكنها لم تكن الوحيدة التي سجلتها المراسلات السرية بين المفوضية البريطانية والحكومة في لندن، ما أكد للبريطانيين أن العصابات اليهودية الصهيونية المسلحة كانت تنوي تطهير فلسطين من شعبها لإقامة إسرائيل الكبرى. ولقي تفجير الوكالة اليهودية الشهير في القدس في 11 مارس/ آذار 1948 اهتمامًا خاصًا كشف عن أسرار جديدة تثير علامات استفهام بشأن مدبريه. وعددت المراسلات شبه اليومية بين السير ألن غوردن كانينغهام؛ المندوب السامي والقائد العسكري في فلسطين إلى وزارة المستعمرات، ما وصفتها بـ"عمليات تفجير مروعة" من جانب المسلحين اليهود. كما عقدت مقارنة بين طريقة تعامل العصابات اليهودية والمقاومين العرب المدنيين خلال الصراع. ووفق رواية كانينغهام، الواردة في تقرير بالغ السرية إلى وزير المستعمرات: كشفت التحقيقات أن سيارة تابعة للقنصلية الأميركية العامة دخلت إلى مجمع الوكالة. وأوقف سائق السيارة قرب المبنى الرئيسي وترجل منها وركب سيارة أجرة. بعدها وقع انفجار في المبنى.
بعد سؤال الشاهدين الرئيسيين توصل البريطانيون إلى التالي: حارس الوكالة وهو يهودي أكد أنه فحص السيارة على الباب وتأكد من كونها تابعة للقنصلية الأميركية. وكان يعرف السائق جيدًا وهو أنطون كاميلو داود. وأكد أن السائق ركن السيارة، ثم استقل سيارة أجرة، وبعد دقائق وقع الانفجار. أما خلاصة شهادة سائق سيارة الأجرة، فقد جاء فيها أنه: طُلب منه يوم التفجير أن يأخذ يهوديًا إلى الوكالة اليهودية. وخلال توقفه بسيارته داخل مجمع الوكالة، لاحظ سيارة القنصلية تدخل المبنى، واقترب منه سائقها وهو داود وطلب منه أن يقله إلى مبنى القنصلية الأميركية. وأكد أنه يعرف داود جيدًا وأنه التقى به مرارًا في الوكالة اليهودية والقنصلية الأميركية.
لما سأله عن سبب عدم عودته إلى القنصلية في السيارة التي جاء بها قال له إنه "تلقى الأوامر بأن يترك السيارة بمبنى الوكالة في وقت محدد"، ثم عبّر عن رغبته في العودة إلى القنصلية كي يأخذ شيئًا ما نسيه فيها. أضاف سائق سيارة الأجرة أنه في الطريق إلى القنصلية "لاحظ أن الراكب (أنطون) بدا قلقًا ومتوترًا ونظر في ساعته مرارًا"، ثم طلب أن ينزل من السيارة بعيدًا عن القنصلية، لأنه يريد أن يكمل طريقه إليها سيرًا. وأكد السائق أيضًا أن داود طلب منه أن ينتظره كي يقله إلى الوكالة.
وفق التحقيقات أيضًا، فإن ويلز ستابلر، نائب القنصل الأميركي، أقرّ أن القنصلية وظفت داود لمدة عام سائقًا. وفي يوم الحادث، وصل إلى القنصلية الساعة السابعة صباحًا، في حين أن موعد عمله يبدأ الساعة 8.30 صباحًا. وأكد ستابلر أن داود أقلّ عددًا من الموظفين اليهود والعرب إلى عملهم بالقنصلية. وفي الساعة التاسعة صباحًا، قال إنه يريد الذهاب إلى متجر "سبينيز" بسيارة القنصلية، التي استخدمت في التفجير، بغرض استلام نسخ من صحيفة "بالستاين بوست". ومنذ ذلك الوقت، لم يُر لا هو ولا السيارة. غير أن التحقيق مع موظفي المتجر أكد أن داود لم يزر المتجر في هذا اليوم. وصدر أمر بالقبض على داود من محكمة القدس، غير أن الوكالة اليهودية رفضت بشدة ليس التعاون مع محققي الشرطة البريطانيين فقط، بل اليهود أيضًا، حسب ما جاء في تقرير بريطاني رسمي مفصل لاحق.
في هذا التقرير، الذي أرسله فليتشي كوك، الممثل البريطاني بلجنة الأمم المتحدة في فلسطين إلى مسؤولي اللجنة في نيويورك، عُرضت المعلومات التالية: التفجير أسفر عن قتل 13 يهوديًا (ليس بينهم أي من كبار مسؤولي الوكالة) وإصابة 33 بإصابات بالغة، و51 بإصابات طفيفة. سائق السيارة المستخدمة في التفجير عربي مسيحي. وبسبب عدم تعاون الوكالة، كان من الصعب الحصول على رواية موثوقة لما حدث، بل إن الوكالة عرقلت تحقيق الشرطة. نائب رئيس الشرطة حاول بنفسه دخول مبنى الوكالة اليهودية، لكن أربعة من أعضاء الهاغاناه أوقفوه، وقال أحدهم: "ارجع إلى الوراء أيها الخنزير البريطاني".
تكشف الوثائق البريطانية أن العام 1946 شهد أسوأ موجة إرهابية شنها المتطرفون اليهود في فلسطين منذ بدء الانتداب البريطاني في 29 سبتمبر/أيلول 1923 وحتى انتهائه في 14 مايو/أيار العام 1948، يوم إعلان قيام إسرائيل على الأراضي الفلسطينية. ونظرًا لفداحة عملية تفجير فندق داود في يوليو/تموز 1946 وتداعياتها السياسية على العلاقة بين بريطانيا والحركة الصهيونية، فإن هذه العملية ذاعت أخبارها حتى طغت على الكثير من الأنشطة الإرهابية المدمرة الأخرى. وبلغت فداحة هذه الأنشطة حدًّا دفع كانينغهام إلى وصف سلوك الإرهابيين اليهود بأنه "انحطاط أخلاقي". وفي النصف الثاني من العام 1946، اجتاحت فلسطين هجمات وعمليات تفجير بالألغام، شاركت فيها نساء يهوديات، على خطوط السكة الحديد، التي يستخدمها المدنيون، وقطارات نقل النفط، وجسور حيوية، ومراكز شرطة ومؤسسات خدمية ومصارف.
دأب كانينغهام على أن يرسل تقريرًا شبه يومي إلى وزارة المستعمرات بالعمليات اليومية يتضمن تقديراته، خصوصًا لمواقف قادة المجتمع اليهودي في فلسطين منها. في 10 يونيو/حزيران 1946 اجتاحت سلسلة هجمات منسقة شنتها مجموعات من اليهود المسلحين مساء على ثلاثة قطارات ركاب في نقاط بين اللد والقدس وحيفا ويافا. في قطار القدس، أجبرت مجموعة مكونة من 30 يهوديًا مسلحًا، بينهم 5 نساء، الركاب وطاقم القطار على النزول، ثم نُسف القطار، وأُشعلت فيه النيران، ودُمّر تمامًا. أطلق الرصاص على رجل شرطة عربي كان على متن القطار مرافقًا أمنيًا، وأصيب. وفي قطار حيفا، أجبر 9 يهود مسلحين، بينهم 3 نساء، الركاب والطاقم على مغادرة القطار، ونُسفت القاطرة الأولى التي فيها محرك القطار والعربة التالية لها. تعرض قطار يافا لهجوم مشابه في تفاصيله. في اليوم التالي، نُسف خط السكة الحديد في الخضيرة بالمتفجرات بعد منتصف الليل. وفي الصباح، أحبط موظف عربي بالسكة الحديد محاولة لنسف الخط الرئيسي جنوب اللد، بعد أن عثر على شحنة متفجرة ونزع فتيلها قبل وصول قطار الركاب القادم من القنطرة.
في 17 يونيو 1946، نفذ مسلحون يهود عملية أثارت أزمة مع الحكومة السورية، وفجروا جسرًا تمر عليه السيارات فوق خط سكة حديد الحجاز الذي يربط سورية بالمناطق المجاورة. وقع التفجير في منطقة تقع داخل الأراضي الفلسطينية. غير أن القسم المدمر من الخط يتبع الإدارة السورية. في 3 سبتمبر 1946، طلبت حكومة أراضي شرق الأردن، من المفوضيتين البريطانيتين لديها وفي فلسطين، تعويضات عن "إضرار في ممتلكات وغيرها تسبب فيها إرهابيون يهود" بعد الهجمات على خطة سكة حديد الحجاز.
في 21 أغسطس/آب 1946، وقعت محاولة لتفجير سفينة "إمباير رايفل" التي كانت البحرية البريطانية تستخدمها لتوقيف السفن التي تحمل مهاجرين غير شرعيين يهود من أوروبا إلى فلسطين، وإعادة المهاجرين الذين ينجحون في الوصول إلى الأراضي الفلسطيني إلى مراكز تجميعهم في قبرص. في 13 سبتمبر 1946، نفّذ "إرهابيون يهود هجمات منسقة على مصارف عثمانية وعربية في يافا، وعلى المصرف العثماني في تل أبيب"، وفق وثائق كانينغهام. واقتحمت "مجموعة من اليهود محطة القطارات الشرقية، في حيفا، بسيارة نقل كبيرة مسروقة وأنزلوا منها برميلًا فيه 50 غالونًا، كتب عليه كلمة (خطر) بالإنكليزية والعبرية والعربية". وحسب تقرير المفوضية في 20 سبتمبر 1946، وضعت المجموعة البرميل في قاعة حجز التذاكر الرئيسية، ثم غادرت المبنى. وقد أُبلغت الشرطة، وأخلي المبنى وجرى تطويق المنطقة. وبعد قليل من ذلك، انفجر البرميل، ما سبب ضررًا بالغًا غير أنه لم يؤدّ إلى وقوع ضحايا.
بعد ثلاثة أيام، وقعت انفجارات في نقطة شمال خضيرة تحت قطار يحمل نفطًا كان متجهًا من خضيرة إلى اللد على خط حيفا - قنطرة الرئيسي. خرجت ثلاثة قطار عن السكة. لم يقع ضحايا. ثم أطلقت نيران من أسلحة آلية على القطار. في الوقت نفسه، لُغِّم طريق يؤدي مبنى الحكومة في منطقة القدس خلال المساء، وقد أُزيلت الألغام من دون وقوع ضحايا أو إضرار. زُرعت أيضًا ثلاثة ألغام أرضية في حي الشيخ جراح على طريق جبل المشارف، وانفجر أحدها، فأصاب مدنيًا عربيًا. في اليوم نفسه، زُرعت ألغام على الطريق بين يافا وبيت دجن. وأصيبت سيارة مدنية بأضرار كان عربي يقودها. وعُثر كذلك على ألغام أخرى بين بتاح تكفا وويلهيلما، وبين تل أبيب وبتاح تكفا.
في 24 سبتمبر 1946، أرسل كانينغهام برقيةً لوزير المستعمرات، أكد فيها وقوع انفجارات في ثلاثة أماكن، وفي كل واحد منها، سقط ضحايا بين الجنود. وأسفرت هذه العمليات الفظيعة، بحسب وصف المفوض، عن مصابين بلغ عددهم 11، توفي واحد منهم لاحقًا. وفي 30 أكتوبر/تشرين الأول 1946، توقفت سيارة أجرة خارج محطة القطارات في القدس، ونزلت منها فتاة ودخلت المحطة، ووضعت ثلاث حقائب سفر. ثم عادت لتستقل سيارة أجرة أخرى، أقلت ركابًا فتحوا في الوقت نفسه نيران أسلحتهم على المحطة. ورد حارس شرطة عليهم. لاحقًا، أزال شرطي بريطاني واحدة من الحقائب التي تم لاحقًا تفجيرها من دون وقوع أي أضرار، لكن الحقيبتين الأخريين انفجرتا وسقط قتيل بريطاني.
إرهاب متنقل
في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1946 عُثر على قنبلة مزروعة على خط أنبوب لنقل النفط بالقرب من جسر كيشون في حيفا. انفجرت القنبلة لاحقًا من دون إحداث أضرار. في اليوم التالي، سُمع انفجار وأصوات صفارات، تبعها هجوم على مقر إقامة شرطة المصطفى، بدأ بانفجار هائل مصحوب بنيران كثيفة من أسلحة آلية من كل جانب، وإلقاء قنابل. وكان عدد المهاجمين هائلًا، قُدر بـ100 ربما. استمرّ الهجوم 30 دقيقة. تسلل المهاجمون إلى الدور الأرضي من المقر وحاولوا الدخول إلى مخزن المتفجرات، ولكنهم طُردوا. وأبلغت المفوضية لندن بالقبض على يهودي للاشتباه فيه. وفي 5 نوفمبر 1946، انفجر لغمان على سكة القطارات التي تحمل النفط بالخط الرئيسي بين حيفا - القنطرة. وبمجرد توقف القطار، أطلقت مجموعة من المسلحين، قيل إنهم يهود، النار على عربات القطار، فاشتعلت النيران في اثنتين منها. ولم يسقط ضحايا. في الوقت نفسه، أُطلقت نيران على مبنى للسكة الحديد قرب مسرح الحادث، وعُثر على قنبلة لم تنفجر على السكة. بعد خمسة أيام دخل ثلاثة يهود محطة القطارات في رأس العين حاملين حقائب سفر وضعوها داخل المحطة. وكتب يهودي رابع على الحقائب عبارة (ألغام - خطرة) بالإنكليزية والعبرية والعربية، ثم ضبط صواعق التفجير. حاول الجيش إزالة الحقائب، إلا أنها انفجرت، محدثة أضرارًا كبيرة. وقد أُصيب ثلاثة بإصابات طفيفة، وأصيب رجل شرطة عربي بإصابات مميتة.
استمرت تلك العمليات، وسقط ضحايا من المدنيين والجيش والشرطة البريطانيين، ما دفع كانينغهام إلى أن يرجو، في برقية عاجلة من لندن، في 19 نوفمبر 1946، بأن "يُذكر في أي تصريح ربما يصدر بشأن الأعمال الانتقامية (اليهودية)، عدد الضحايا الثقيل الذي تكبدته الشرطة والجيش على أيدي الإرهابيين اليهود، والضغط الهائل للغاية الذي يعانيانه بسبب ضحاياهم". وقالت البرقية إن الضحايا الإجمالي منذ صدور إعلان المجلس الصهيوني الداخلي، الذي كان دائمًا يقول إنه يناهض الإرهاب، في 29 أكتوبر 1946، هم 10 قتلى من الشرطة البريطانية، 5 من الشرطة الفلسطينية، 7 من رجال الجيش البريطاني. المصابون: 14 من الشرطة البريطانية، 1 من الشرطة الفلسطينية، 38 من رجال الجيش البريطاني.