قبل أن تسقط الدول.. من يملك طرق الثروة يملك مفاتيح القوة

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

ليست طرق التجارة مجرد مسارات تعبرها السفن محملة بالبضائع، ولا الثروة مجرد أموال تتراكم في خزائن الدول. وراء كل طريق شبكة من المصالح، ووراء كل حركة تجارية قوى تتنافس على الأرباح وشروط العبور، ومن يملك القدرة على التحكم في هذه الشروط يملك نفوذًا يتجاوز حدود الجغرافيا.

قد تبدأ خسارة الدول من تلك المساحة تحديدًا، قبل أن تظهر في ساحات القتال أو تتجسد في سقوط العواصم. كانت دولة المماليك واحدة من الدول التي واجهت هذا التحول؛ فقد ظلت مصر تحتفظ بموقعها بين الشرق والغرب، في حين كانت القوى الصاعدة تعمل على تغيير الطرق التي منحت ذلك الموقع قيمته، وتعيد رسم خريطة الثروة والنفوذ.

كانت دولة المماليك تحتل موقعًا محوريًا في التجارة بين الشرق والغرب. عبر مصر والبحر الأحمر، انتقلت سلع الهند وجنوب شرق آسيا إلى موانئ البحر المتوسط والأسواق الأوروبية، فغدت هذه الحركة التجارية مصدرًا للثروة والضرائب والنفوذ السياسي. لم تكن قيمة الموقع في الجغرافيا وحدها، إنما في قدرة السلطة على تحويله إلى مورد اقتصادي وأداة تأثير في حركة التجارة. غير أن هذه المكانة ظلت مشروطة ببقاء الطرق التي تمر عبرها ضرورية للتبادل التجاري، وبقدرة الدولة على حماية مصالحها عندما تتغير موازين القوة.

جاءت الرحلات البرتغالية لتختبر هذه المعادلة. بعد أن دار بارتولوميو دياز حول طرف أفريقيا الجنوبي في العام 1488، وصل فاسكو دي جاما إلى الهند في العام 1498 عبر الطريق البحري المحيط بالقارة الإفريقية. لم يكن ذلك مجرد اكتشاف جغرافي يضاف إلى خرائط الملاحة، لقد كان فتحًا لمسار تجاري جديد تستطيع البرتغال من خلاله الوصول إلى مصادر التوابل والسلع الآسيوية مباشرة وتقليص اعتمادها على الوسطاء والاستحواذ على نصيب أكبر من الأرباح التي كانت تتوزع عبر شبكات تجارية ممتدة من المحيط الهندي إلى الموانئ الأوروبية.

كانت المسألة تتجاوز البحث عن طريق بديل؛ فقد أرادت البرتغال تغيير الشروط التي تحكم التجارة نفسها. حين لم تكن المنافسة التجارية كافية لفرض تلك الشروط، لجأت إلى القوة البحرية واستهداف الموانئ والسفن، وسعت إلى إخضاع حركة الملاحة لموازين عسكرية جديدة. لم يعد الصراع مقتصرًا على نقل السلع من سوق إلى أخرى، إنما امتد إلى السيطرة على طرق انتقالها، تحديد الجهات التي تجني أرباحها وامتلاك القدرة على تعطيل الحركة التجارية أو تأمينها. إذ إن الطريق الذي يختاره التجار ليس دائمًا هو الطريق الذي تفرضه الجغرافيا، إذ قد يصبح الطريق الذي تسمح به القوة المسيطرة.

جاءت معركة ديو، في العام 1509، في قلب هذا الصراع. إذ واجه البرتغاليون تحالفًا ضم قوى إقليمية، بينها المماليك، وانتهت المعركة بتعزيز النفوذ البرتغالي في المحيط الهندي. كشفت الهزيمة فجوة بين قوة بحرية صاعدة تسعى إلى فرض سيطرتها على الممرات التجارية، وبين قوى إقليمية استمدت جانبًا كبيرًا من نفوذها من شبكات التجارة القائمة، لكنها لم تمتلك بالضرورة الأدوات البحرية الكافية لحمايتها في مواجهة خصم مستعد لاستخدام القوة لتغيير قواعد المنافسة.

مع ذلك، فإن اختزال تراجع المماليك عن الطريق البرتغالي أو في معركة ديو وحدهما يختزل التاريخ في سبب واحد لا يفسر تعقيد الأحداث. لم تتوقف التجارة عبر البحر الأحمر، ولم تفقد مصر مكانتها الاقتصادية دفعة واحدة، كما لم يكن الصعود البرتغالي كافيا بذاته لإسقاط السلطنة. كانت دولة المماليك تواجه مشكلات داخلية وعسكرية ومالية، في حين كانت موازين القوة تتغير من حولها. لقد زادت التحولات التجارية الضغوط على مواردها، لكنها تفاعلت مع اختلالات الدولة وتحدياتها العسكرية والسياسية، ولم تعمل بوصفها سببًا منفردًا يقود حتما إلى السقوط.

في العام 1516؛ هزم العثمانيون المماليك في معركة "مرج دابق"، ثم دخلوا القاهرة في العام 1517، لتنتهي دولتهم المستقلة. كان التوسع العثماني هو الحسم العسكري المباشر، أما التحولات التجارية السابقة فكانت جزءًا من بيئة أوسع أعادت توزيع الموارد والنفوذ. تكمن أهمية التمييز بين الأمرين في أن الدول لا تسقط لمجرد ظهور طريق جديد أو خسارة معركة بحرية؛ إنما تتعرض للخطر حين تتراكم الضغوط الخارجية مع مواطن الضعف الداخلية، وتعجز السلطة عن التكيف وشروط القوة المتغيرة.

تظل هذه التجربة كاشفة لعلاقة الجغرافيا بالسيادة. قد يقع الممر التجاري داخل حدود دولة ما، في حين تتحكّم قوى أخرى في أمنه أو في شروط استخدامه أو في البدائل التي تنافسه. قد تملك الدولة ميناء استراتيجيًا أو تشرف على ممر بالغ الأهمية، لكنها لا تستطيع تحويل موقعها إلى قوة سياسية واقتصادية مستقلة؛ إذا افتقرت إلى أدوات الحماية والقدرة على تطوير مواردها والاستقلال في اتخاذ القرار. إذ إن امتلاك الموقع يمنح فرصة، لكنه لا يضمن وحده امتلاك مفاتيح القوة المرتبطة به.

تعود هذه المسألة اليوم بقوة في البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس. هذه الممرات شرايين لحركة التجارة العالمية، تتقاطع عندها مصالح الدول المطلة مع حسابات القوى الكبرى، وتتداخل فيها معايير الأمن والطاقة والنقل والتنافس العسكري. لقد أظهرت اضطرابات الملاحة، في البحر الأحمر، مدى سرعة انتقال أثر المواجهات الإقليمية إلى الاقتصاد المصري، من خلال تراجع حركة العبور وإيرادات قناة السويس. ما يتعرض له هذا المورد من ضغوط يكشف أن أهمية الممر لا تحميه تلقائيًا من تداعيات الصراعات المحيطة به، وأن الاقتصاد المرتبط بطرق التجارة العالمية يظل معرضًا لتكاليف قرارات تتجاوز حدوده الوطنية.

قناة السويس ليست مجرد مصدر للإيرادات المصرية، إنما هي أحد أهم عناصر موقع مصر الاستراتيجي وورقة مؤثرة في علاقتها بالتجارة العالمية والقوى الدولية. لكن قيمة هذا الموقع تظل مرتبطة بما تستطيع الدولة فعله لحمايته، وبمدى قدرتها على التأثير في البيئة الإقليمية التي تتحرك ضمنها السفن العابرة له. إذ إن أمن القناة لا يبدأ عند مدخلها الشمالي أو الجنوبي، إنما يرتبط بما يجري في البحر الأحمر وباب المندب وبطبيعة الصراعات التي تتحكّم في حركة السفن وخيارات شركات النقل والتأمين. عندما تتعرض الملاحة للتهديد، تستطيع الشركات تحويل مساراتها بعيدًا عن القناة، فتتحمّل مصر خسائر اقتصادية حتى إن لم يقع التهديد داخل مياهها الإقليمية.

لا يمكن فصل الموقف المصري من التصعيد في البحر الأحمر عن مصالح مصر الاستراتيجية المباشرة؛ فالقاهرة معنية بحرية الملاحة واستقرار إيرادات القناة ومنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة للمواجهات العسكرية والتنافس الدولي. غير أن حماية هذه المصالح تطرح سؤالاً يتجاوز البيانات الدبلوماسية والدعوات العامة إلى التهدئة: كيف يمكن لمصر أن تحمي ممرها الاستراتيجي من دون أن تتحول مقاربتها للأزمة إلى مجرد استجابة للضغوط الخارجية أو إلى تبنٍّ تلقائي للتعريفات الأمنية التي تضعها القوى الكبرى؟

تزداد أهمية هذا السؤال عندما تقدم حماية الملاحة بصفتها عملية عسكرية منفصلة عن أسباب التصعيد في المنطقة. إذ إن الملاحة لا تتحرك في فراغ سياسي، والبحر الأحمر ليس ممرًا تجاريًا محايدًا عن الصراع على فلسطين أو عن العمليات العسكرية التي تهدد أمن المنطقة. كما أن أمن الكيان الصهيوني حاضر في حسابات القوى التي تتحرك عسكريًا في هذا المجال، وهو ما يستدعي التمييز بين حماية حرية التجارة بوصفها مصلحة مشتركة، وبين توظيف هذه الحماية لخدمة أهداف استراتيجية أوسع قد لا تتطابق ومصالح مصر وشعوب المنطقة.

هذا؛ وتواجه مصر معادلة دقيقة: فهي تحتاج إلى استعادة حركة الملاحة عبر قناة السويس، لكنها تحتاج أيضًا إلى معالجة البيئة السياسية التي تجعل هذا الممر عرضة للاضطراب. لا يعني ذلك أن القاهرة تملك وحدها القدرة على إنهاء الصراع أو التحكم في قرارات أطرافه، بل يعني أن وزنها الجغرافي ومصالحها الاقتصادية يفرضان عليها صياغة موقف يربط أمن البحر الأحمر بتسوية أسباب التوتر، ويمنح الأولوية لوقف الحرب على غزة وحماية المدنيين ورفض توسيع المواجهة، بدلاً من اختزال الأزمة في مسألة عبور السفن وحدها.

الفارق بين موقف يحمي المصلحة المصرية وموقف يكتفي بإدارة الخسائر هو أن الأول ينظر إلى قناة السويس بصفتها جزءًا من معادلة سيادة أوسع، تشمل استقلال القرار المصري وأمن البحر الأحمر والعلاقات مع الدول المطلة عليه ورفض تحويل المنطقة إلى مجال تتحكم فيه القوى الخارجية وفقًأ لأولوياتها. إذ إن استقرار الملاحة لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، كما أن استعادة الإيرادات لا تنفصل عن مستقبل الصراع، والذي يعيد تشكيل حسابات الأمن والاقتصاد في المنطقة.

لا يعني ذلك أن قناة السويس تواجه مصيرًا مماثلاً لما جرى في عصر المماليك. الفوارق بين المرحلتين كبيرة، والطرق البديلة لا تلغي بالضرورة أهمية القناة. لكن التجربة التاريخية تذكّر بأن الموقع الاستراتيجي قد يفقد جزءًا من قيمته عندما تتغير شروط استخدامه، أو تصبح سلامته رهنًا بقرارات قوى أخرى. والمصلحة المصرية تقتضي أن يكون التعامل مع البحر الأحمر جزءًا من رؤية سياسية مستقلة، لا مجرد إدارة لتداعيات الأزمات بعد وقوعها.

لم يكن درس المماليك أن البرتغاليين اكتشفوا طريقًا جديدًا فحسب، أيضًا لأن طرق الثروة ترتبط دائمًا بمن يمتلك القدرة على حمايتها والتأثير في شروطها. واليوم، لا تقاس أهمية قناة السويس بما يعبرها من سفن وحده، وإنما أيضا بقدرة مصر على الدفاع عن مصالحها في المجال البحري المحيط بها، وعلى اتخاذ موقف سياسي يوازن بين أمن الملاحة وأسباب الصراع، وبين متطلبات الاقتصاد واستقلال القرار.

إن الدولة التي تمتلك موقعًا استراتيجيا، ولا تؤثر بما يكفي في الشروط السياسية المحيطة به، تظل معرضة إلى أن تتحول ميزة جغرافيتها إلى مصدر ضغط عليها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد