اليمن يكشف حدود القوة وأوهام الحماية الأمريكية

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

 

لا تريد الولايات المتحدة مغادرة منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط)، ونما تريد الاحتفاظ بنفوذها فيه بأقل كلفة ممكنة، بدفع حلفائها إلى تحمل النصيب الأكبر من أعباء الصراعات، من دون أن يعني ذلك تخليها عن قدرتها على التأثير في مساراتها. المسألة ليست انسحابًا أمريكيًا بقدر ما هي إعادة توزيع للأدوار داخل علاقة غير متكافئة، تحتفظ فيها واشنطن بأدوات التأثير، في حين تتحمل القوى الإقليمية جانبًا كبيرًا من ثمن الخيارات العسكرية. التجربة السعودية في اليمن تكشف جوهر هذه المعادلة: قد ينفق الحليف ثروته، ويخوض الحرب بترسانة متفوقة، ويحصل على دعم القوة الكبرى، ثم يكتشف أن هذ كله لا يضمن له تحقيق أهدافه، ولا يعفيه من تبعات الفشل.

الدعوة الأمريكية إلى تحمل دول الخليج مسؤولية أكبر عن أمنها تبدو في ظاهرها مطالبة بالاعتماد على الذات. لكن الاستقلال الأمني لا يتحقق بمجرد شراء السلاح أو زيادة الإنفاق العسكري، خصوصًا عندما يظل التسليح والتحديث والصيانة والاستخبارات مرتبطًا بالخارج. إذ إن امتلاك أدوات القتال شيء، والقدرة على تحديد العدو وأهداف المواجهة وتوقيتها وشروط إنهائها شيء آخر. قد تجد الدولة نفسها تدفع أكثر مقابل أمن لا تملك تحديد قواعده كاملة، وتتحمل مسؤوليات أكبر من دون أن تتحرر من القيود التي صنعت اعتمادها على الحليف.

تستفيد واشنطن من هذه العلاقة في شبكة واسعة من المصالح العسكرية والسياسية والاقتصادية. هي تبيع السلاح، وتوفر الدعم والخبرات والمعلومات، وتحافظ على حضورها في الحسابات الأمنية لحلفائها، فيما تقع على الدول المنخرطة ميدانيًا كلفة الحرب وتداعياتها المباشرة. لا يتطلب استمرار هذا النفوذ أن تتحكم الولايات المتحدة في كل قرار أو أن تضمن كل نتيجة؛ يكفي أن تظل خيارات حلفائها مرتبطة بدرجة كبيرة بالأدوات التي تحتفظ بها. مع ذلك، فإن هذه العلاقة لا تعفي الحكومات الإقليمية من مسؤولية قراراتها، ولا تجعلها مجرد أدوات بلا مصالح أو إرادة خاصة.

الحرب السعودية على اليمن هي الاختبار الأوضح لهذه المعادلة. دخلت الرياض المواجهة بتفوق مالي وعسكري كبير، مستندة إلى دعم أمريكي في مجالات أساسية، ومعلنة أهدافًا تتعلق بإعادة تشكيل السلطة في اليمن وإزالة ما رأته تهديدًا لأمنها. لكن سنوات الحرب لم تنتج الحسم الذي استهدفته تلك الأهداف؛ فقد أثبتت التجربة أن التفوق في الطائرات والتسليح والموارد المالية لا يكفي لفرض إرادة سياسية على مجتمع يقاتل دفاعًا عن موقعه وقراره، وأن القدرة على تدمير البنية المادية وإيقاع الخسائر لا تعني امتلاك القدرة على تقرير النتيجة النهائية.

لقد احتفظت أنصار الله بقدرتها على التأثير في مسار الحرب، وأصبحت طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية. هذا ليس تفصيلًا عسكريًأ عابرًأ، هو نتيجة سياسية تمس جوهر المشروع الذي دخلت الرياض الحرب من أجله. إذ إن السلطة التي استهدفت إزاحتها بالقوة بقيت لاعبًا رئيسًا، في حين اضطرت السعودية إلى التعامل مع واقع لم تستطع إلغاءه على الرغم مما حشدته من إمكانات.وحين تصبح العودة إلى التفاوض ضرورة بعد سنوات من القتال، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما جرى في الميدان، إنما بالفجوة بين الأهداف التي أُعلنت والنتائج التي أمكن تحقيقها.

دفع اليمنيون ثمنًا بشريًا واقتصاديًا هائلًا، ولا يصح تحويل صمودهم إلى صورة رومانسية تتجاهل حجم المعاناة. لكن هذه الخسائر لا تمحو حقيقة سياسية أساسية: التفوق العسكري السعودي، بما رافقه من دعم أمريكي، لم يتحول إلى انتصار سياسي يفرض الشروط التي بدأت الحرب من أجلها. هناك فرق بين القدرة على مواصلة القتال والقدرة على حسمه، وبين إيلام الخصم وإجباره على التخلي عن إرادته. قد تكون القوة العسكرية قادرة على إطالة الحرب ورفع كلفتها، من دون أن تمنح صاحبها مخرجًا سياسيًا يوازي حجم ما أنفقه وخسره.

أما واشنطن، فقد احتفظت بأدوات دعم مؤثرة، لكنها لم تستطع أن تضمن للرياض النتيجة التي أرادتها. هذه حدود مهمة في فهم النفوذ الأمريكي: تستطيع القوة الكبرى أن ترجح كفة حليف، وأن توفر له ما يحتاج إليه لمواصلة المواجهة، لكنها لا تستطيع بالضرورة تحويل التفوق العسكري إلى واقع سياسي مستقر. مع ذلك، يبقى وضعها مختلفًا عن وضع الدولة التي تخوض الحرب مباشرة؛ فواشنطن تملك مساحة لتعديل مستوى مشاركتها وفقًا لحساباتها، في حين تتحمّل السعودية آثار المواجهة على أمنها واقتصادها وموقعها الإقليمي.

تكمن المفارقة في أن الحرب التي خاضتها الرياض تحت عنوان حماية أمنها أظهرت أن الاعتماد على المظلة الأمريكية لا يضمن تحقيق الأهداف التي تحددها هي لنفسها. قد يستمر هذا الاعتماد حتى بعد انكشاف حدوده، لأن الخروج منه يحتاج إلى بناء قدرة مستقلة على اتخاذ القرار، لا إلى شراء المزيد من الأسلحة. الحليف الذي يظل مضطرًا إلى طلب الدعم من الخارج، حتى عندما تتعثر أهدافه، قد يجد نفسه يدفع كلفة العلاقة مرتين: مرة في تمويل الحرب، ومرة في استمرار الاعتماد الذي يجعل خياراته المقبلة مرتبطة بالحليف نفسه.

يكتسب هذا التناقض أهمية إضافية في ظل احتمالات التصعيد مع إيران ومخاطر إغلاق مضيق هرمز أو اضطراب الملاحة فيه. الدول الخليجية ليست مجرد مواقع عسكرية يمكن استخدامها في مواجهة إقليمية، هي تمثل اقتصاديات ومجتمعات ومصالح وطنية معرضة لتداعيات أي حرب واسعة. إن اضطراب الممرات البحرية لا يتوقف أثره عند أسعار الطاقة، يمتد أيضًا إلى التجارة والاستثمار والاستقرار الاقتصادي. لذلك؛ فإن السؤال الحاسم: ليس ما إذا كانت هذه الدول تمتلك أسلحة متطورة؟ إنما هو: ما إذا كانت تملك حرية تحديد طبيعة الحرب التي قد تجد نفسها طرفًا فيها، والقدرة على منع تحول أراضيها ومصالحها إلى جزء من صراع لا تتحكم في نتائجه؟

في سوريا، يقدم الجولان المحتل مثالًا آخر على الفارق بين إدارة الصراع وحلّه.فالاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية عليه، في العام 2019 لم ينه الاحتلال، كما أن ترتيبات التهدئة لا تعني استعادة الحقوق أو معالجة أصل النزاع. قد تنجح الترتيبات الأمنية في ضبط الاحتكاك، لكنها قد تكرس واقعًا قائمًا إذا تحولت إلى بديل دائم عن معالجة أسبابه. المعيار ليس عدد الاتفاقيات أو انخفاض مستوى التصعيد وحده، إنما ما إذا كانت هذه الترتيبات تغير موازين القوة التي أنتجت النزاع، أم تكتفي بإدارته وفقًا اشروط الطرف الأقوى؟

تكشف هذه الملفات أن واشنطن تستطيع تخفيف بعض أعبائها من دون أن تتخلى عن نفوذها، لكن الدول الإقليمية ليست معفاة من المسؤولية عن اختياراتها. الحكومات التي تدخل الحروب وفقًا لحسابات خاصة، أو تتصور أن التفوق العسكري كافٍ لفرض إرادتها، لا تستطيع تعليق نتائج قراراتها على الدعم الخارجي وحده. المشكلة تبدأ عندما يُختزل الأمن الوطني في العلاقة مع قوة كبرى، ويصبح الحفاظ على التحالف غاية في ذاته، حتى عندما لا يضمن تحقيق الأهداف التي يُفترض أنه أُنشئ من أجلها.

استقلال القرار لا يُقاس بحجم الترسانة أو مقدار الإنفاق الدفاعي،وإنما بقدرة الدولة على تعريف مصالحها وتحديد التهديدات وفقًا لها، ورفض الحرب التي لا تخدم تلك المصالح والاحتفاظ بحرية التفاوض والخروج من المواجهة. الدولة التي تستطيع شراء السلاح، لكنها لا تستطيع مراجعة أهداف الحرب أو تحديد شروط إنهائها، قد تكون قد راكمت أدوات عسكرية كبيرة من دون أن تبني استقلالًا استراتيجيًا حقيقيًا.

ما تكشفه تصريحات توم برّاك، عند قراءتها في ضوء التجربة اليمنية، هو أن إعادة توزيع الأعباء الأمريكية لا تعني انتقال السيادة إلى الحلفاء. قد تتحمل دول المنطقة كلفة أكبر، في حين تظل واشنطن محتفظة بأدوات التأثير في خياراتها. اليمن يقدم الدليل الأوضح على أن المال والسلاح والدعم الخارجي لا تضمن الحسم، وأن الحماية التي لا تمنح صاحبها حرية القرار قد تتحول إلى علاقة مكلفة يصعب الفكاك منها.

إن الهيمنة لا تحتاج دائمًا إلى أن تخوض القوة الكبرى كل حروبها بنفسها. يكفي أن تظل قادرة على التأثير في قواعد المواجهة، في حين يتحمل الحلفاء جانبًا كبيرًا من أثمانها. أما الاختبار الحقيقي لأمن الدول، فليس مقدار ما تنفقه في الحرب، إنما قدرتها على منع تحويل مواردها إلى وقود لصراعات لا تملك قرارًا لنهاياتها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد