بالأرقام.. العقد الاجتماعي ضحية الغطرسة الأمريكية الإسرائيلية

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

 

74,389 شهيدًا و175,423 جريحًا. هذه حصيلة وزارة الصحة في غزة حتى 13 تشرين الأول 2026. لم يتوقف هذا النزف عند الهدنة، فمنذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول 2025 استشهد نحو 1,500 فلسطيني آخر، بمعدل أربعة كل يوم في ظل اتفاق قيل إنه أنهى الحرب.

في لبنان أكثر من 341 ألف نازح لم يعودوا إلى بيوتهم، وفي إيران مرضى يقفون أمام صيدليات لا تلبي ما يطلبون. ثلاث ساحات وثلاث أدوات، جوع هنا، وتهجير هناك، وحصار على الدواء في الثالثة. والنتيجة واحدة، دولة عظمى وحليفتها تقرران من يُصان ومن يُترك.

حين يصبح التجويع سلاحًا

في كانون الثاني 2024 أمرت محكمة العدل الدولية "إسرائيل" باتخاذ تدابير مؤقتة، منها تمكين وصول الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية العاجلة إلى غزة. في تشرين الثاني من العام نفسه أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهمة استخدام التجويع أسلوبًا من أساليب الحرب وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. كان القانون قد قال كلمته.

جاء الجواب من الأرض في 22 آب 2025؛ فقد أكد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي «IPC‏»، وهو المرجع العالمي لقياس الجوع، وقوع المجاعة في محافظة غزة، للمرة الأولى في تاريخ "الشرق الأوسط". قالت وكالات الأمم المتحدة يومها إن أكثر من نصف مليون شخص عالقون في المجاعة، وإن أكثر من 12 ألف طفل شُخّص لديهم سوء تغذية حاد في تموز وحده، وهو أعلى رقم شهري يُسجَّل، وإن أكثر من شخص من كل ثلاثة كان يمضي أيامًا متواصلة دون طعام، بحسب «WFP‏».

ماذا فعل العالم بهذه القرارات؟ فرضت واشنطن عقوبات على مدعي المحكمة الجنائية، ولجأت مرارًا إلى حق النقض في مجلس الأمن لتعطيل قرارات وقف إطلاق النار. هكذا يبدو القانون الدولي من الجنوب، قانون للأقوياء وقانون للضعفاء. في الخطاب الغربي السائد يصبح قتل المدنيين في أوكرانيا جريمة حرب خلال ساعات، يُسمى استشهاد عشرات الآلاف في غزة «حق الدفاع عن النفس» سنوات. هذه ازدواجية في المعايير، وهي أيضًا رسالة يفهمها الضحايا، أن لحياتهم ثمنًا أرخص.

أكثر من 1.2 مليون حكاية نزوح

أُجبر أكثر من 1.2 مليون لبناني على ترك بيوتهم منذ 2 آذار 2026، حين وسّعت إسرائيل عملياتها في لبنان بعدما أطلق وذلك مع بدء الحرب على إيران، وهي حرب اتسعت لتشمل لبنان والعراق ودول الخليج. تقول الحكومة اللبنانية إن القصف أوقع منذ ذلك اليوم أكثر من 4,386 شهيدًا، بينهم 108 من المسعفين حتى 12 أيار بحسب وزير الصحة. مع هدنة أُعلنت في نيسان، ارتفعت الحصيلة من 2,509 شهداء في 26 نيسان إلى أكثر من 4,386، وإن تباطأت الوتيرة في الأشهر الأخيرة.

لنتتبع مصير الذين نجوا. عاد نحو 864 ألفًا بحسب الأمم المتحدة، لكنّ كثيرين منهم لم يعودوا إلى بيوتهم فعلًا، ولا يزال أكثر من 341 ألفًا خارجها. قال نازح من الخيام لـ«Al Jazeera‏» إن بلدته لن تصلح للسكن قبل عشر سنوات أو خمس عشرة أو عشرين. تحتل إسرائيل شريطًا يصل عمقه إلى عشرة كيلومترات داخل الجنوب، وتواصل هدم البيوت خلف ما تسميه «الخط الأصفر»، وقد دُمّرت نحو خمسين بلدة وقرية حدودية، وسبق لوزير دفاعها أن قال إن جيشه لن ينسحب. في الجنوب نفسه يعيش نحو 150 ألف شخص بلا مياه جارية، بحسب «Action Against Hunger‏» كما نقلتها «The New Humanitarian‏».

المقصلة الاقتصادية

بعض الأدوية في إيران تضاعف سعرها أكثر من ثلاث مرات، وارتفعت أسعار أقراص غسيل الكلى نحو 350% في أشهر قليلة، بحسب تحقيق لوكالة «AP‏» نُشر في 30 أيلول 2026. وراء هذا المشهد حصار بحري أمريكي على الموانئ الإيرانية منذ حزيران، وعقوبات تزداد تشددًا، وغارات ألحقت الضرر بأكثر من أربعين مصنعًا للأدوية بحسب مسؤولين إيرانيين. والأدوية غير مشمولة بالعقوبات رسميًا، لكن بيع الدواء قد يكون مشروعًا تمامًا ثم يرفض المصرف تحويل ثمنه، فتبقى الصفقة قانونية على الورق ومستحيلة في الواقع.

وقبل أن يصل الدواء إلى الصيدلية كانت الحرب قد أودت بحياة 3,527 إيرانيًا في شهرها الأول، بينهم 1,606 مدنيين و244 طفلًا على الأقل، بحسب وكالة «HRANA‏» الحقوقية التي يقع مقرها في الولايات المتحدة، ولم يُتح التحقق المستقل من أرقامها، ووصفت «AP‏» الحرب بأنها «اختبار تحمّل اقتصادي»: هكذا يدفع المريض الثمن حين تكون القوة في يد الهيمنة غير الإنسانية.

حين ينهار العقد

جوع في غزة، وتهجير في لبنان، وحصار على الدواء في إيران. ثلاث أدوات لنتيجة واحدة، أن تتحول الدولة، أو القوة العظمى التي تغطيها، من حامية للإنسان إلى مصدر الخطر عليه. والعقد الاجتماعي الذي يقبل الناس بموجبه أن يتنازلوا عن بعض حريتهم مقابل الأمان ينهار حين يصبح الأمان نفسه امتيازًا لمن يحمل جواز السفر المناسب.

إذا جُمعت الأرقام على علّاتها، مع ما بينها من فوارق في الفترات والمنهجيات، بلغت نحو 82 ألف شهيد موثق في الساحات الثلاث، 74,389 في غزة، و4,386 في لبنان منذ آذار 2026، و3,527 في إيران في الشهر الأول للحرب. هو حدّ أدنى لا يشمل الجرحى، ولا النازحين، ولا المرضى الذين لا يجدون دواءهم.

لن يُستعاد هذا العقد ببيانات الإدانة، بل بثلاث بديهيات لا تحتاج إلى فلسفة، الحق في الحياة، والحق في الدواء، والحق في البيت. من لا يدافع عنها لمن فقدها اليوم، لا يحق له أن ينتظر من يدافع عنها له غدًا.

قائمة المراجع

المراجع العربية

«الجزيرة نت». (2026، 25 آذار). إيران ولبنان تتصدران القائمة.. آلاف القتلى في نزيف الحرب على إيران. «الجزيرة نت».

https://www.aljazeera.net/news/2026/3/25

«سبق». (2026، 3 تشرين الأول). غزة.. 7 شهداء خلال 48 ساعة يرفعون حصيلة الإبادة إلى 74 ألفًا و228. «سبق».

https://sabq.org/article/oh4k0k9

«شفق نيوز». (2026، 3 نيسان). العراق ثالث المتضررين.. حصيلة ضحايا حرب إيران في شهرها الأول. «شفق نيوز».

https://shafaq.com/ar

«النهار». (2026، 26 نيسان). مركز عمليات طوارئ الصحة: تحديث الحصيلة الإجمالية لضحايا العدوان. «النهار».

https://www.annahar.com/lebanon/304039

«النهار». (2026، 12 أيار). وزير الصحة اللبناني: 108 شهداء من المسعفين منذ آذار و163 اعتداءً على الأطقم الإسعافية. «النهار».

https://www.annahar.com/lebanon/309354

المراجع الأجنبية

Associated Press. (2026, September 30). Iranians face soaring medicine prices as US blockade, sanctions hit hard. Business Standard. https://www.business-standard.com/world-news/iranians-face-soaring-medicine-prices-as-us-blockade-sanctions-hit-hard-126093000220_1.html

Awwad, R. (2026, September 29). Six months after supposed ceasefire, Lebanon’s displaced face an uncertain future. The New Humanitarian. https://www.thenewhumanitarian.org/news-feature/2026/09/29/six-months-after-supposed-ceasefire-lebanons-displaced-face-uncertain

Bernama-WAFA. (2026, October 13). Death toll from the aggression on Gaza rises to 74,389 fatalities, 175,423 injured. Bernama. https://bernama.com/en/world/news.php?id=2619824

Salhani, J. (2026, October 14). How Israel’s ‘Yellow Line’ is reshaping southern Lebanon. Al Jazeera. https://www.aljazeera.com/news/2026/10/14/how-israels-yellow-line-is-reshaping-southern-lebanon

World Food Programme. (2025, August 22). Famine confirmed for first time in Gaza [News release]. https://www.wfp.org/news/famine-confirmed-first-time-gaza

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد