في نقد ماجد كيالي: أزمة البرجوازيات الفلسطينية أم أزمة البرجوازيات العربية؟

post-img

صدقي عاصور/جريدة الأخبار

«لو كانت القيادة الفلسطينية مكونة من نيلسون مانديلا، المهاتما غاندي، مارتن لوثر كينج، والأم تيريزا، لو كان هؤلاء الأربعة قادة فلسطين اليوم، لكانت النتيجة نفسها» - إيلان بابيه

«القضية الفلسطينية… في حاجة إلى قيادة تاريخية تحدث في القضية ما أحدثه بشير الجميّل في المشهد اللبناني» - أحمد عدنان، «العرب» اللندنية

ماجد كيالي يذكرني بالنقد الذاتي، ليس على طريقة نقد الذات العربية أو المشرقية المحبة لثقافة القوة والسلاح (وهي من الأسس المنهجية لديه)، بل أقصد بالنقد الذاتي هنا نقد ممارستي للنقد. لا يمكن المزايدة على كيالي وأن أقول له، أنت مجرد منظّر، تمارس الوعظ من بعيد، لأنني أنا كذلك (وأنا رغم هذه المساواة بيننا في الاعتراف بمحدودية ما نفعل، أضع نفسي بمواجهة مع كاتب وأستاذ موسوعي وكبير، وأتفهم سخط التغييريين على نقدي له).

لكن مشكلة كيالي هي أنه ربما لن يصدق، كيف جاءت فكرة نقده، ذلك بعدما نسبت له قولًا بمسودة سابقة في موضوع آخر، فنبهني محرر «الأخبار» للتأكد مما نسبته، فعدت لوسائل التواصل الاجتماعي ولم أجد مقولته لسبب تقني أو لخطأ مني، لذلك قررنا معًا حذف ما نسبت إليه. أجزم أن كيالي لن يصدق أن «الإعلام الأيدولوجي والشمولي» قادر على إنصافه، ذلك لأنه مثل كثيرين، في مخياله صورة ثابتة وأبدية وجامدة عن «الآخر الممانع».

لا أصنف نفسي كـ«ممانع» لكنني أرفض منهجية نقد مفاهيم «الممانعة»، «البعث»، «القوميين»، «المحورجيين»، «السلاح»، «إيران»، «الذيول»، لأنها كلها تسهم في تطبيع عنف وقوة النظام العربي «المعتدل»، واستبعاد أولويات الغالبية العربية؛ الاستبداد، المَلكية المطلقة؛ انعدام المساواة داخل الإقليم ككل، انعدام المساواة داخل الدولة الواحدة والتهامها من قبل الأوليغارشيات المحلية، التبعية والتطبيع، وغياب الوحدة العربية.

إحدى أسوأ إسهامات النظام الأسدي كانت خفض سقف الحرية العامة بالعالم العربي بجعله دول عرب «الاعتدال» تبدو وكأنها خيار «أفضل»، «وحيد»، و«ما تبقى»، بطريقة صنعت ما يشبه الـ«نيو- مزايدة» ليس في ثنائية النصر والهزيمة، بل في ثنائية «الدولة القائمة» و«الدولة الفاشلة»، أي أن المثقفين عندما يهاجمون مفهوم «النصر» عبر جلد الذات المشرقية هم بشكل لا واعٍ يحتفون بانتصار الدول «البراغماتية» بالخليج وانقراض الدول «العقائدية» في المشرق.

قبل عشر سنوات كان نقد «الإخوان المسلمين» و«داعش» ذريعة لتجميل النظام الإقليمي العربي، الآن أصبح نقد «المحور والأذرع» يقوم بذات الوظيفة. لا أقول إن ماجد كيالي يسهم بذلك قصدًا، ولا أقول إنه غير صادق بشأن صفته كمفكر مستقل «بعيد عن المحاور»، بل أقول إن الاستقلالية مستحيلة في العالم العربي لأن الحرية مستحيلة في العالم العربي، لذا، من الصعب أن تتفوق منهجية كيالي على منهجية الماركسي المصري محمد نعيم (الناقد للنظام الإيراني)، والذي قال إننا في مصير عربي واحد في مواجهة احتلال واحد.

إذا كان نقد «الآخر الممانع» يجمل البرجوازيات العربية «من فوق» فإن النقد «الذاتي» للتنظيمات الفلسطينية يجمّل هذه الأنظمة والنخب من «تحت».

النقد الذاتي والمراجعة بشكل عام في أنحاء العالم قد فشلا، ليس لأن أطفالًا في سوق الخليل وجدّات في مخيم عين الحلوة يعرفون ويعرفن ماهية التنظيمات والأحزاب الفلسطينية وليسوا بحاجة إلى «المثقف المستقل» لشرح مصيبتها (خاصة بمواسم صراعات القوائم الانتخابية)، ولا لأن نقد هذه التنظيمات في «إدارة القضية» لا يجب فصله عن أزمة الإدارة الفيبرية (Crisis of Managerialism) في حل مشاكل عالم ينهار، بل لأنه في حقبة سياسات الهوية، نقد «الذات» بات سلاحًا «للآخر»، ونقد التنظيمات والأخطاء الفلسطينية يبدو متوائمًا، بطريقة مثالية، مع سردية جريدة «النهار» اللبنانية -ما بعد الحرب الأهلية- حيث ينشر مقالاته.

الفرق الوحيد لدى كيالي هو بالرشاقة الأخلاقية في نقد ليس «حماس» فقط بل «فتح» كذلك. هذا يذكرني بحازم صاغية عندما انتقد في «الحياة» اللندنية «إسلاميي غزة» و«فاسدي الضفة». لكن هل هذه منهجية «نادرة» بالفعل وتدل على «نبل» الناقد؟

أتفهم ألق نقد السلطة قبل عشرين عامًا، عندما كانت «الجزيرة» تصدر تقارير «نارية» ضدها، وكان منتسبو القطب الطلابي (الجبهة الشعبية) يدخلون في عراك بالأيدي بجامعة بيرزيت مع الشبيبة الفتحاوية، لكن هذا النقد فقد بريقه عندما بات له مقبولية بالإعلام الإبراهيمي السائد، وأصبح الناشطون والمفكرون العرب ينتقدون عقلية الأجهزة الأمنية الفلسطينية بينما يتوافقون معها في خطاب مواجهة «الأذرع الإيرانية»، والمستوطنون بالضفة الغربية يعلقون بجانب الطرق لافتات تخبرنا أن حل مشكلة الحواجز العسكرية وأزمات السير «سهل» لكن «السلطة لا تكترث بكم»، ومشروع «ايستر» الذي صاغته مؤسسة «Heritage» اليمينية لمحاربة الداعمين لفلسطين بالولايات المتحدة، يدّعي أن حركة التضامن لا تريد من النهر إلى البحر «تحرير» الفلسطينيين من «حماس» أو «السلطة الفاسدة» بل يريدون «إبادة اليهود».

ماجد كيالي يقدم موسوعة رصينة في نقد النخب الفلسطينية عبر جهده البحثي الجاد في كتب مثل «نقاش السلاح» و«الثورة المجهضة»، ولا أريد تبسيط ما قدمه من مخرجات علمية دقيقة لمحض انحيازات سياسية مبسطة، لكن عندما يصبح نقد البرجوازيات الفلسطينية بديلًا -ليس مكملًا- لنقد البرجوازيات العربية (ودور الدوحة وأبو ظبي والرياض في شرذمة القيادات الفلسطينية) فهذا يسهم في الهوس الزائد بالهوية الفلسطينية وفصلها عن محيطها، لكن من منظور معكوس قائم ليس على الفوقية الأخلاقية تجاه الآخر غير الفلسطيني كما انتقد غالب الهلسا (والتي كانت عاملًا وراء الحروب الأهلية بالأردن ولبنان)، بل قائم على جلد الذات الفلسطينية التي لم توقّع على حل نهائي بالوقت المناسب، ففاتها -يا حرام- قطار «الاعتدال» العربي.

نعم، قد أجازف عند رفضي النقد الذاتي وإصراري على نقد الآخر بتقديم سردية مريحة للفلسطينيين وغيرهم، لكن هل النقد الفلسطيني الذاتي لماجد كيالي، ذاتي بالفعل؟ لا، هو في الواقع نقد «الآخر» النقيض لعرب «الاعتدال»، الذي يقدم سردية مريحة لجمهور لبناني وسوري وأردني وخليجي يعاني من متلازمة «القلب لسوريا والعقل لفلسطين»، ويعتريه «رهاب القرن العشرين»، ويريد من يغني له أهزوجة «نهاية الأيديولوجيا».

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد