حين تضيق الحرية بغطاء رأس..!

post-img

د. ليلى شمس الدين/ باحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام

كم يؤلمني أن تقف فتاة عند باب مدرستها، ويصبح عليها أن تختار بين مقعدها وما ترتديه على رأسها.. أن تحمل كتبها، وتستعدّ ليومها، ثم تكتشف أنّ الطريق إلى الصفّ يمرّ عبر التخلّي عن شيء تؤمن به.. يؤلمني أكثر أن يُقدَّم هذا الاختيار القاسي بوصفه دفاعًا عن الحرية، أو حمايةً لمؤسّسة يفترض أن تعلّمها كيف تفكّر وتترك لها حرّية الاختيار.

لقد استوقفتني قضية الحجاب في أذربيجان، فكيف لقطعة قماش على الرأس أن تستدعي كلّ هذا الاستنفار؟ وما الذي تخشى الدولة أن يدخل معها إلى المدرسة؟ وأيّ درس تتلقّاه فتاة تُمنع من دخول صفّها بسبب حجابها؟ هل تتعلّم أنّ المدرسة تتّسع للاختلاف؟ أم تفهم أن قبولها مشروط بأن تبدو كما تريدها السلطة؟

قد يقول قائل، خلف هذا الإجراء، تظهر حاجة المدرسة إلى قواعد مشتركة، وأهمية حمايتها من الإكراه الديني والدعاية السياسية والتمييز بين التلاميذ.. وقد أفهم كذلك القلق على حقّ الفتيات الصغيرات في تكوين قناعاتهن بعيدًا عن الضغوط العائلية والاجتماعية.. غير أنّ هذا القلق يقتضي الإصغاء إليهن، وحمايتهن، وتوفير مساحة آمنة للتعلّم، والسؤال يصبح عندها: كيف يتحقّق ذلك بإخراجهن من المدرسة؟

ومن منظور اجتماعي، يحمل اللباس معاني تتجاوز مادّته.. قد يكون الحجاب إيمانًا، أو انتماءً، أو عادةً مألوفة، أو اختيارًا تشكّل عبر مسار شخصي معقّد. وقد تتداخل هذه المعاني لدى المرأة نفسها وتتغيّر مع الزمن. لذلك، فإن اختزاله في علامة تهديد يمنح السلطة راحة التصنيف، لكنّه يحرم النساء حقّ التعبير عن تجاربهن بكلماتهن.

لماذا تصبح المرأة، في هذه الحال، واجهة لمعركة يحدّد الآخرون شروطها. يتحدثون عن إنقاذها، وعن حمايتها، وعن تحريرها، فيما يتضاءل حضور سؤال بسيط: ماذا تقول هي؟ وما الذي تحتاج إليه كي يكون لاختيارها معنى؟

ما أعرفه، إنّ حرّية المعتقد تُختبر حين يظهر المعتقد في الحياة اليومية، وحين تستطيع إنسانة أن تحمل قناعتها إلى المدرسة والعمل، وأن تلتقي من تختلف معها، وتتعلّم وتشارك من دون أن تُختزل في مظهرها.  وأمام كل ما حصل ويحصل من تجاذبات وافتراضات، تبقى أمام عينيّ فتاة تحمل كتبها عند باب مدرسة.. وتذرف دموعها لقرار اتخذ بحق معتقدها.. مع أنّي لا أعرف كلّ تفاصيل حياتها، ولا أملك أن أتحدث باسم قناعتها.. لكنني أعرف أنّ مكانها في الداخل، حيث تستطيع أن تتعلّم، وتسأل، ويُسمع صوتها.. فكيف نعلّمها أنّ الحرية حقّ، ثم نجعلها تدفع من قناعتها ثمنًا للدخول؟

باسم "البيئة الموحّدة": مَن يحقّ له أن يكون مختلفًا؟

أعلنت إدارة التعليم في باكو تكثيف التفتيش للتحقّق من الالتزام بقواعد اللباس، وقدّمت الهدف بوصفه ضمان بيئة تعليمية منظّمة وموحّدة، بحسب تقرير دويتشه فيله المنشور في 16 تشرين الأول. هنا، تبدو العبارة مطمئنة. مَن يعترض على مدرسة منظّمة؟ لكن كلمة "موحّدة" تستحقّ أن نتوقّف عندها: إلى أيّ حدّ ينبغي أن يتشابه التلاميذ كي يتعلّموا معًا؟

للمدرسة قواعد ضرورية، وللزيّ المشترك أغراض يمكن مناقشتها.. غير أن الانتقال من تنظيم اللباس إلى استبعاد صاحبته يحتاج إلى تبرير يتجاوز الرغبة في التشابه.. ما الضرر المحدّد الذي يُحدثه غطاء الرأس؟ وكيف يصبح حرمان فتاة من الصفّ إجراءً مناسبًا لمعالجته؟

المساواة التي أرجوها للمدرسة تُقاس بما تتيحه للتلاميذ من فرص واحترام وحماية، وإذا احتاجت إلى محو اختلافاتهم كي تستوعبهم، فإنّها تدرّبهم مبكرًا على أنّ الانتماء مشروط بإخفاء بعض ذواتهم. فثمّة فرق عميق بين أن يتعلّم الأطفال العيش معًا، وأن يتعلّم بعضهم كيف يختفي كي يُسمح له بالبقاء.

معلّمة تتمسّك بعملها: لماذا يصل الحجاب قبل صاحبته؟

قالت المعلّمة غولشان علييفا إنها تريد مواصلة التدريس من دون أن تصبح قناعاتها الدينية عائقًا أمام عملها. في هذا الموقف مطلب مهني واضح. تريد امرأة أن تؤدّي عملها، وأن تُناقَش كفاءتها ومسؤوليتها على أساس ما تفعله في الصفّ.

لكنّ يبدو أنّ الحجاب يصل أحيانًا قبل صاحبته،يسبق اسمها وخبرتها، ويستحوذ على تعريفها، كأنّ غطاء الرأس يقدّم عن عقلها وسلوكها معرفةً مكتملة، فتصبح مطالبة بأن تثبت أنّ مظهرها لا يمنعها من التفكير أو التعليم أو احترام الآخرين.

وهنا يظهر شكل من العنف الرمزي، أن تُختزل إنسانة في علامة، ثم تُحمَّل هذه العلامة كلّ المعاني التي يخشاها الآخرون. من حقّ المدرسة أن تحاسب المعلّمة على التمييز، أو فرض المعتقد، أو الإخلال بواجباتها. أما افتراض هذه الأفعال انطلاقًا من لباسها، فيحوّل الاحتمال إلى إدانة مسبقة، ويصبح السؤال عن الحجاب وسيلةً لتأجيل السؤال الذي يخصّ التعليم فعلًا: ماذا تقدّم هذه المعلّمة لتلاميذها؟

العفو الدولية تعترض: حين يتصادم حقّان في حياة فتاة واحدة

في بيانها الصادر في 16 تشرين الأول، اعتبرت منظمة العفو الدولية أنّ حرمان الفتيات من الصفوف بسبب الحجاب تمييز يمسّ حقّهن في التعليم وحرية الدين والتعبير، وأنّ الطابع العلماني للتعليم لا يبرّر فرض قيود شاملة على اللباس الديني.

وتكمن قسوة المسألة في وضع فتاة أمام حقّين تحتاج إليهما معًا، ثم مطالبتها بالتنازل عن أحدهما: أن تتعلّم، أو أن تبقى وفيّة لما تؤمن به. قد يقول قائل إنّها تستطيع خلع الحجاب لدخول المدرسة، لكن هذه العبارة تتعامل مع القناعة كما لو كانت غرضًا يمكن إيداعه عند الحارس واستعادته بعد انتهاء الدوام. وتتجاهل ما قد يعنيه الخلع المفروض لصاحبته.. انكشافًا لا تريده، أو تنازلًا قسريًا عن معتقدها،  أو شعورًا بأنّ المؤسّسة التي تعدها بالمستقبل لا تقبلها كما هي.

لا يلزم أن نشارك المرأة اعتقادها كي نفهم ثقل إكراهها على مخالفته، وهذا تحديدًا ما يمنح حرية المعتقد معناها: أن تحمي قناعةً لا نعتنقها نحن، وأن تضع حدًّا لرغبتنا في ترتيب حياة الآخرين وفق ما نراه مناسبًا. لا يستقيم هذا الموقف إلا باتّساقه،فللمرأة حقّ في ارتداء الحجاب، وحقّ في عدم ارتدائه، وحقّ في مراجعة اختيارها.. ويقع على الأسرة، والمجتمع، والدولة واجب احترام هذه المساحة، وكلّ ادّعاء بحمايتها يستحق أن يُسأل عمّا يتركه لها من قدرة فعلية على القول والقرار.

لهذا تستوقفني ردود الفعل أمام تفصيل صغير يتبدّى بـ "قطعة قماش"، لكن الفتاة التي ترتديها لها حياة كاملة، وكرامة، ومستقبل.. وحين تغلق المدرسة بابها في وجهها، فإنّ أثر القرار يتجاوز الغطاء إلى إحساسها بمكانها ومكانتها في المجتمع.

الحقّ في التعليم لا يحتاج إلى شهادة براءة من المؤامرة

مع افتراض أنّ لكلّ فتاة وفتى حقّ في التعليم، إضافة إلى احترام معتقداتهم وحفظ كرامتهم، وحمايتهم من الإكراه والتمييز. حقّ لا ينبغي أن يُعلَّق على غطاء رأس، أو انتماء ديني، أو استعداد للتخلّي عن قناعة كي يُفتح باب المدرسة.

وحين يُواجَه الاعتراض على الإقصاء بالحديث عن "أجندات خارجية" و"مؤامرات"، يصبح واجبًا أن نعيد النقاش إلى الإنسان الذي تطاله القرارات: ما الذي فعله هذا الطالب ليستحقّ الحرمان؟ وما الضرر الذي أحدثته هذه الطالبة كي تُمنع من دخول صفّها؟ وأيّ عدالة تجعل مستقبل الأطفال وسيلةً لتسوية مخاوف الدولة؟

من حقّ السلطات أن تحقق في أيّ تدخّل أو تحريض أو عنف، وأن تحاسب المسؤولين عنه بالأدلّة والقانون. لكن لا يجوز أن تتحوّل الشبهة إلى عقوبة جماعية، أو أن يُستخدم سيناريو المؤامرة لحجب أثر قرارات مجحفة بحقّ الإنسان. فحتى حين تثبت محاولة استثمار سياسي لقضية عادلة، تبقى القضية عادلة، ويبقى أصحابها مستحقّين لحقوقهم.

إنّ نقل النقاش من حقّ التلاميذ في التعليم إلى الشكّ في ولاءاتهم يضعهم أمام امتحان لا شأن لهم به: إثبات البراءة من صراعات الدول قبل السماح لهم بالتعلّم.. وهكذا تضيع مساءلة القرار خلف مساءلة المتضرّرين منه، ويصبح صوت المطالب بحقّه موضع اتّهام، فيما يتوارى السؤال عمّن حرمه هذا الحقّ.

مسؤولية المدرسة أن تتّسع لأبنائها وبناتها، وأن تعلّمهم احترام الاختلاف، وتتيح لهم بناء قناعاتهم ومراجعتها بحرية وأمان. ومسؤولية الدولة أن تحمي هذا المسار، وأن تراجع قراراتها حين تُنتج الإقصاء، مهما كانت العناوين التي تُقدَّم بها. وبالتالي، لا ينبغي لأيّ فتاة أو فتى أن يحمل، إلى جانب كتبه، عبء إثبات ولائه كي يستحقّ مقعدًا دراسيًا.

التربية الدينية ليست تهمة: مَن يحمي حقّ الأسرة في التوجيه؟

لا يولد الأطفال بقناعات مكتملة، ولا تنشأ حرّيتهم في فراغ. إنهم يكبرون داخل أسر تنقل إليهم اللغة والقيم والعادات، وتعلّمهم معنى المسؤولية والانتماء. والتربية، بطبيعتها، تتضمّن توجيهًا وقواعد والتزامات لا يختارها الطفل ابتداءً؛ فنحن نلزمه بالتعلّم لأنّنا نرى فيه حمايةً لمستقبله، ونرشده إلى سلوكيات نعدّها ضروريةً لبناء شخصيته. لذلك، لا يكفي وجود إلزام أو توجيه كي نحكم بأنّنا أمام إكراه مؤذٍ؛ بل ينبغي أن نسأل عن غايته ووسائله وأثره في الطفل.

من هذا المنطلق، لماذا يُشتبه في توجيه الأسرة الديني فور ظهوره في حجاب فتاة؟ ولماذا يُفترض أن تربيتها على ممارسة تؤمن بها أسرتها دليلٌ على إسكاتها، قبل الإصغاء إليها ومعرفة تجربتها؟ إنّ مسؤولية الأهل عن الرعاية تشمل التربية الأخلاقية والقيمية، واتفاقية حقوق الطفل نفسها تعترف بدورهم في توجيهه في ممارسة حرية الفكر والوجدان والدين، بما ينسجم مع قدراته المتطوّرة.

ولا تعني هذه المسؤولية سلطةً مطلقة على الأبناء، إنّها تقتضي شرحًا وقدوةً وحوارًا، وإصغاءً يتّسع كلّما نما فهمهم وقدرتهم على التعبير والاختيار. وبين تعليم فتاة معنى الحجاب وتشجيعها عليه، وبين إخضاعها بالعنف أو الإهانة أو التهديد، فرقٌ لا يجوز محوه. كما لا يجوز اختزال كلّ تربية دينية في الصورة الأشدّ قسوةً منها، ثم اتخاذ تلك الصورة ذريعةً للتدخّل في حياة جميع الأسر.

إذا خشيت الدولة أن تكون فتاة تحت ضغط، فعليها أن تتيح لها الكلام بأمان، وأن تحميها عند ثبوت الأذى. أما إجبارها على خلع حجابها أو حرمانها من الصفّ، فلا يثبت احترام إرادتها؛ وقد يناقض رغبتها وقناعة أسرتها معًا، إذ لا تُحمى حرية الفتاة بافتراض ما تريده، ثم معاقبتها حين لا يطابق مظهرها ذلك الافتراض.

ما نحتاجه بالفعل، هو مدرسة تحترم دور الأسرة، وتحمي كرامة الطفل، وتمنحه المعرفة والمساحة الآمنة للسؤال.. مدرسة تستطيع أن تسمع فتاة تقول "هذا ما أؤمن به"، وأن تسمع أخرى تعبّر عن تردّدها أو اعتراضها، فتمنحهما معًا الاحترام والحماية والتعليم.

فهل ترون أن تُتَّهم الأسرة بالإكراه لمجرّد أنّها توجّه ابنتها نحو الحجاب؟ وتُعفى الدولة من السؤال وهي تجعل خلعه شرطًا لدخول المدرسة؟

مدرسة تتّسع لحجاب: هذا هو الامتحان

يستوقفني  أن تخيف قطعة قماش دولًا وأممًا.. أطرح هذه الفكرة وأنا أوقن تمامًا أنّ القماش يحمل، في نظر أصحابه وخصومه، معاني أكبر من مادّته. لكن تحميله كلّ هذه القدرة على تهديد الدولة، يمنح الرمز قوّةً استثنائية، ويسلب صاحبته حقّ أن تكون إنسانةً عادية: تدرس، وتعمل، وتخطئ، وتنجح..

ولا شك أنّنا نعرف أن دور المدرسة ينمحور في أن تعلّم التفكير النقدي، وأن تحمي تلاميذها من الإكراه، وأن تحاسب أيّ محاولة لفرض المعتقد عليهم.. ونريدها قادرةً على فعل ذلك، فيما تجلس محجّبة إلى جانب غير محجّبة، وتتعلّمان معًا أنّ الاختلاف لا يلغي الزمالة، وأنّ القناعة لا تمنح صاحبتها سلطةً على قناعة الأخرى.

هكذا تصبح حرّية المعتقد خبرةً يومية، لها مقعد واسم ووجه، ويصبح احترامها شيئًا يراه التلاميذ في سلوك مؤسّستهم. أما الفتاة عند الباب، فلا تحتاج إلى أن تنتصر في مناظرة عن الدين والدولة، قبل أن تبدأ حصّتها.. تحتاج أن يُفتح لها الباب.. فالدرس الأوّل في الحرية هو ألّا تُترك خارجه.

  • المراجع
  • الحجاب يشعل الجدل في أذربيجان.. من الاحتجاجات إلى التوتر مع تركيا!، رضوان مهدوي، 16\10\2026، https://amp.dw.com/
  • بين العلمانية والحرية.. ماذا قالت الصحافة الأذربيجانية عن أزمة الحجاب؟،     الصوراني، فهيم، 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026، الجزيرة نت.

 

 

 

 

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد