في الجنوب اللبناني، من الأرض المحتلة، ما يكفي ليبقى السؤال عن حق اللبنانيين في مقاومة الاحتلال سؤالًا قانونيًا قبل أن يكون خلافًا سياسيًا. بعد حرب العام 2024؛ احتفظت سلطة الاحتلال الإسرائيلي بخمس نقاط مرتفعة على الحدود، وتجاوزت المهل التي حُددت لانسحابها، ثم عادت الحرب في آذار 2026 فتحولت تلك النقاط إلى شريط محتل يمتد عشرة كيلومترات أو أكثر، تحميه المواقع العسكرية والغارات وأوامر التهجير.
في الحرب الأخيرة وحدها؛ ارتفع أكثر من أربعة آلاف شهيد، ونزح أكثر من مليون إنسان في أشهر قليلة، ولا يزال كثيرون منهم عاجزين عن العودة إلى قرى سُوّيت بيوتها بالأرض. خلف كل رقم أسرة فقدت بيتها وحقلها ومدرسة أطفالها.
هذا الواقع يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: ماذا يبقى لشعب احتُل جزء من أرضه حين تعجز الصيغ الدولية عن استرداده؟ الجواب لا يبدأ من بيانات الأحزاب ولا من خطب المنابر، بل من نصوص يعرفها أهل القانون، بعضها لبناني خالص وبعضها دولي، تلتقي كلها عند فكرة بسيطة وهي أن السيادة لا تكتمل ما دام جزء من الإقليم تحت سلطة أجنبية. لعل أبلغ ما في هذه النصوص أنها لم تُكتب لتناسب حربًا بعينها، بل صيغت لتحكم علاقة الشعوب بأرضها حين تختل موازين القوى.
في الشق المحلي؛ لا يحتاج اللبنانيون إلى استعارة حججهم من خارج بيتهم. وثيقة الوفاق الوطني التي أقرها النواب، في مدينة الطائف في العام 1989، وبُنيت عليها التعديلات الدستورية اللاحقة، أفردت بندًا كاملًا لتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، ونصت على "اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها". يلفت النظر أن النص يجمع التحرير والسيادة في جملة واحدة، فلا يجعل أحدهما بديلًا من الآخر، بل يعدّهما وجهين لمسار واحد. من هنا؛ يصعب فهم المقاومة اللبنانية بوصفها حقًا مجتمعيًا نقيضًا للدولة؛ فالدولة التي لم تستعد كامل ترابها لم تُنجز سيادتها بعد، وكل جهد يقرّب البلاد من التحرير يدخل في صلب بسط سلطتها لا في الخروج عليها.
لفهم هذا الربط ينبغي استحضار الظرف الذي وُلدت فيه الوثيقة. لقد جاءت لتُنهي حربًا أهلية دامت خمسة عشر عامًا، وكان جزء كبير من الجنوب يومها تحت الاحتلال، ومعه شريط حدودي تديره ميليشيا موالية له. لم يكن في وسع واضعيها أن يتصوروا دولة موحدة تُبسط سلطتها على بعض الأرض وتتخلى عن بعضها الآخر؛ لذلك جعلوا استعادة الأرض المحتلة شرطًا لاكتمال الدولة نفسها، وتركوا للدولة اختيار الوسائل، ولم يحصروها في الطريق الدبلوماسي.
غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الوثيقة نفسها دعت إلى حل الميليشيات وتعزيز المؤسسات الرسمية، وهو ما يستند إليه المعترضون على وجود سلاح خارج الجيش اللبناني. كما قرر مجلس الوزراء في آب 2025 المضي في سحب السلاح من الجماعات المسلحة. هذه حجة جدية لا تُرد بالشعارات. لكن الرد عليها كامن في النص ذاته، إذا كان التحرير التزامًا على الدولة، فإن عجزها عن الوفاء به لا يلغي الالتزام، بل يجعل الاستعداد المجتمعي له، ما دام منضبطًا بإطار وطني، تعويضًا مشروعًا عن نقص مؤقت في قدرتها، لا منافسًا لها.
أما في القانون الدولي؛ فجذور الحق أعمق وأوضح. إذ إن ميثاق الأمم المتحدة يجعل حق الشعوب في تقرير مصيرها أحد مقاصده الأولى، ويكفل للدول حق الدفاع عن النفس إذا وقع عليها اعتداء مسلح. لقد ذهب البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف في العام 1977 أبعد من ذلك حين عدّ الحروب التي تخوضها الشعوب ضد الاحتلال الأجنبي دفاعًا عن تقرير مصيرها نزاعًا مسلحًا دوليًا تسري عليه قواعد القانون الإنساني كاملة. قبل البروتوكول بثلاث سنوات؛ عرّفت الجمعية العامة للأمم المتحدة العدوان بأنه يشمل الغزو والاحتلال العسكري، وحرصت على القول إن هذا التعريف لا يمس حق الشعوب المحرومة من تقرير مصيرها في النضال من أجله وفي طلب العون.
مع ذلك؛ فالنصوص لا تحل كل شيء. سلطة الاحتلال الإسرائيلي ليست طرفًا في ذلك البروتوكول، وتفسير القانون لا يزال منقسمًا في تطابق أحكامه على الجماعات غير الحكومية. كما أن الحق في مقاومة الاحتلال لا يعني إباحة كل وسيلة؛ فمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين ومبدأ التناسب في استخدام القوة يلزمان من يقاوم بقدر ما يلزمان من يحتل. هذه القيود ليست انتقاصًا من الحق، هي ما يميزه عن العنف المنفلت، ويحفظ له سنده الأخلاقي والقانوني.
تكشف تجربة لبنان مع قرارات مجلس الأمن حدود الاكتفاء بالنصوص الدولية. القرار الذي صدر في العام 1978 طالب سلطة الاحتلال الإسرائيلي بالانسحاب واحترام سيادة لبنان، وأنشأ قوة دولية لمراقبة ذلك، لكنه بقي بلا تنفيذ اثنين وعشرين عامًا، ولا يستطيع مؤرخ نزيه أن يتجاهل أثر الكلفة الميدانية في إنهاء الاحتلال في العام 2000. أما القرار الذي أنهى حرب تموز 2006 فدعا إلى وقف الأعمال العدائية وانسحاب القوات الأجنبية وحصر السلاح جنوب نهر الليطاني بيد الدولة، لكنه لم يقترن بآلية إلزامية فعالة، فظلت الخروق الجوية والبرية تتكرر عامًا بعد عام من دون مساءلة تُذكر. هكذا تحول القرار الأول إلى وعد مؤجل، والثاني إلى إطار هش، وعجز الاثنان معًا عن إجابة مواطن يسأل متى سيعود إلى بيته؟ القرارات تصف الحق إذًا ولا تحميه.
لذلك؛ ينتقل السؤال من القانون إلى المجتمع. في أدبيات علم الاجتماع السياسي؛ تقوم الدولة على عقد غير مكتوب، يتنازل الناس عن حقهم الفردي في حمل القوة، وتتعهد الدولة بحمايتهم وحفظ إقليمهم. إذا عجزت بوسائلها الدبلوماسية وبإمكاناتها العسكرية الرسمية عن الوفاء بهذا الشق، عاد إلى المجتمع حقه في الدفاع عن وجوده، لا بديلًا دائمًا عن الدولة بل ضمانة أخيرة. الاستعداد والتجهيز هنا ليسا عملًا عسكريًا فحسب؛ إنهما فعل اجتماعي واسع يشمل الذاكرة التي تحفظ الأرض من النسيان، والتكافل الذي يحمل النازحين، والإصرار الجماعي على أن الكرامة لا تؤجل إلى أن تسمح بها موازين القوى. ليست هذه فكرة طارئة على المجتمعات الخارجة من الاحتلال؛ فقد أظهرت تجارب تاريخية كثيرة أن المجتمع الذي يُترك وحيدًا أمام قوة أجنبية يبتكر أشكال دفاعه عن نفسه، من التنظيم الأهلي إلى الاقتصاد البديل، وأن الدولة التي تتجاهل هذه الطاقة تخسرها، والتي تستوعبها تكسب شرعية إضافية.
في الوقائع الراهنة؛ تمنح هذا المنطق وزنًا إضافيًا. لقد أوقفت هدن متتالية واتفاق إطاري في حزيران 2026 رعته الولايات المتحدة الأميركية جزءًا من القتال، لكنها لم توقف الغارات على القرى الجنوبية ولا هدم البيوت داخل المنطقة المحتلة، ولا يزال أكثر من ثلاثمئة ألف نازح خارج بيوتهم، في حين يربط الطرف الراعي أي انسحاب بنزع السلاح، ويلمح مسؤولون في سلطة الاحتلال الإسرائيلي إلى أن البقاء قد يكون مفتوحًا بلا أجل. حين يصبح الانسحاب مشروطًا، وتُتجاوز المهل، وينتظر النازحون على أبواب قرى لا يُسمح لهم بدخولها، يغدو السؤال عن جدوى الحلول الدولية وحدها سؤال الناس العاديين قبل أن يكون سؤال السياسيين. إذ لا يمكن فصل ذلك عن الكلفة الإنسانية التي تتراكم يومًا بعد يوم، مستشفيات خرجت من الخدمة داخل المنطقة المحتلة، وأسر فقدت مصادر رزقها مع بيوتها.
ليس في هذا دعوة إلى الفوضى ولا إلى مصادرة قرار الدولة. المطلوب أن يُنقل حق اللبنانيين في مقاومة الاحتلال من ساحة الاشتباك السياسي إلى إطار وطني جامع، تحدد الدولة فيه الأهداف وحدود الفعل وشروط التهدئة، وتُسخّر طاقة المجتمع لخدمة استراتيجية دفاعية معلنة. إذ إن نزع السلاح والاحتلال قائم لا يخدم السيادة، وبقاء السلاح بلا مرجعية وطنية لا يخدمها كذلك. يقتضي ذلك صراحة مع النفس، أن تُسمّى الأمور بأسمائها، وأن يُعترف بأن الدولة وحدها لا تملك القدرة على ردع الاحتلال، وأن المجتمع وحده لا يملك أن يحل محل الدولة في التفاوض والتمثيل والحماية القانونية.
لعل في التاريخ ما يضيء المعنى. المجتمعات التي أجمعت على نصرة المظلوم لم تفعل ذلك انتقامًا، بل لأنها أدركت أن الظلم الذي يُترك بلا ردع يتكرر. تلك هي الصلة بين النصرة القديمة والحق القانوني المستمر، كلاهما يرفض أن يكون الضعف سببًا لإسقاط الحق.
المقاومة اللبنانية بوصفها حقًا مجتمعيًا، حين تُضبط بالقانون وتُسند إلى الدولة، ليست ثأرًا مؤجلًا، بل ضمانة بأن ما جرى للجنوب وأهله لن يُترك ليتكرر. العدالة التي تنتظر موافقة القوي لا تكون عدالة، والحق الذي يُسقطه التعب لا يبقى حقًا. إلى أن يعود آخر شبر، سيبقى هذا الحق قائمًا، لأن الأرض المحتلة لا تسقط بالتقادم، ولأن كرامة الناس لا تُختصر في بنود اتفاق.