من الخطأ أن نتصور أن مصير العالم يتوقف على ما إذا كان دونالد ترامب قد استيقظ بمزاج جيد أو سيئ، أو على تصريح أطلقه في لحظة غضب، أو صفقة أعلنها انتصارًا شخصيًا..! فالدولة التي تقود النظام الرأسمالي العالمي، وتمتلك أوسع شبكة انتشار عسكري خارج حدودها، وتتحكم بواحد من أهم مفاتيح الاقتصاد الدولي، لا يمكن اختزالها في شخصية رئيس، مهما بلغ نفوذه أو تضخمت أوهامه عن سلطته.
ترامب يحكم الولايات المتحدة الآن في ولايته الثانية، ويحاول إعادة تشكيل الدولة الأمريكية وفقًا لتصوراته، لكنه يتحرك داخل بنية قوة سبقته وستبقى بعده. أما السؤال الذي يستحق البحث ليس من يختار الرئيس الأمريكي، وإنما من يحدد المصالح التي ينبغي حمايتها، ومن يمتلك أدوات فرضها، ولماذا تتواصل السياسات الكبرى على الرغم من التغيرات الحادة في الوجوه والخطابات والأحزاب.
نحن أمام دولة لم تبنِ قوتها لتكون مجرد قوة اقتصادية أو عسكرية، إنما لتكون مركزًا لنظام عالمي يضمن لها امتيازات استثنائية في المال والتجارة والطاقة والأمن والتكنولوجيا، ويمنحها القدرة على التدخل في شؤون الدول وإعادة ترتيب علاقاتها وموازينها متى تعارضت خياراتها مع المصالح الأمريكية. هذه هي نقطة البداية التي ينبغي أن نفهم منها مراكز النفوذ داخل الولايات المتحدة.
في قلب هذه المنظومة يقف المجمع الصناعي العسكري، والذي وإن مثّل مجرد مجموعة شركات تنتج الأسلحة، هو شبكة مصالح تجمع وزارة الدفاع والكونغرس وشركات السلاح ومراكز الأبحاث والمؤسسات التكنولوجية ومئات الشركات المرتبطة بعقود التسليح. شركات مثل لوكهيد مارتن ورايثيون وغيرها ليست مستفيدة من الإنفاق العسكري فقط، لقد أصبحت جزءًا من البنية التي تقوم عليها القوة الأمريكية.
الحرب، في هذا السياق، ليست مجرد قرار سياسي أو مواجهة عسكرية، هي أيضًا سوق ضخمة وعقود بالمليارات واختبارات للأسلحة وفرص لتوسيع النفوذ وفتح أسواق جديدة. وحين تصبح القوة العسكرية قطاعًا اقتصاديًا بهذه الضخامة، يصبح تقليص استخدامها أو إعادة تعريف وظيفتها أمرًا يصطدم بمصالح لا تختفي بمجرد وصول رئيس جديد.
لا يعني ذلك أن شركات السلاح تقرر وحدها إشعال الحروب، إنما استمرار اقتصاد الحرب يوفر لها مصالح مباشرة، وهذه المصالح تمتلك أدوات التأثير في المؤسسات التي تصنع السياسة الدفاعية والخارجية. من يدفع الثمن في النهاية ليس المساهمون في تلك الشركات، إنما هي الشعوب التي تتحول بلدانها إلى ساحات للمواجهة، والمجتمعات التي تتحمل أعباء الحروب والإنفاق العسكري.
على الجبهة المالية، تقف وول ستريت وعملاقة إدارة الأصول والمؤسسات المصرفية التي تدير تريليونات الدولارات وتملك نفوذًا واسعًا في الاقتصاد العالمي. بلاك روك وفانغارد ليستا مجرد شركتين كبيرتين، بل نموذج لتركيز القوة المالية داخل مؤسسات تستطيع التأثير في اتجاهات الاستثمار وحوكمة الشركات والأسواق.
لكن النفوذ الأمريكي يتجاوز هذه المؤسسات إلى مركز الدولار في النظام المالي الدولي. إذ إن العملة الأمريكية تمنح واشنطن قدرة استثنائية على استخدام العقوبات والتحويلات والتمويل والأسواق أدوات للضغط السياسي والاقتصادي. الدول التي تحاول الخروج من دائرة الاعتماد على هذا النظام لا تواجه مجرد تحديات نقدية وتجارية، بل تدخل في صراع مع بنية نفوذ ترى في استمرار امتيازاتها شرطًا لاستمرار تفوقها.
لهذا لا يمكن فصل الصراع على الدولار عن الصراع على استقلال القرار الوطني للدول، ولا فصل العقوبات الاقتصادية عن أدوات الإخضاع السياسي. واشنطن، والتي تتحدث عن حرية الأسواق، لا تتردد في استخدام موقعها داخل النظام المالي لمعاقبة الدول التي تخرج عن حساباتها، أو تحاول بناء علاقات اقتصادية واستراتيجية خارج نطاق نفوذها.
أما المؤسسات الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، فهي طبقة أخرى من طبقات استمرارية الدولة الأمريكية. تتغير الإدارات والقيادات، لكن الأجهزة تمتلك خبرات متراكمة ومعلومات وشبكات علاقات وتصورات استراتيجية تتجاوز عمر أي إدارة. وهذه المؤسسات ليست تنظيمًا واحدًا ولا تتحرك دائمًا في اتجاه موحد، لكنها تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في القرار وتحديد التهديدات وصياغة البدائل والتحكّم في أدوات التنفيذ.
الأهم أن هذه المؤسسات لا تعمل خارج المشروع الأمريكي، هي تمثل أحد أهم أدواته في إدارة النفوذ العالمي، من القواعد العسكرية والانتشار البحري إلى العمليات الاستخباراتية والتحالفات الأمنية. إنها البنية التي تجعل القوة الأمريكية حاضرة حتى في المناطق التي لا توجد فيها قوات أمريكية مباشرة.
تكتمل شبكة النفوذ بجماعات الضغط ومراكز التمويل السياسي، حيث تتحول المصالح الاقتصادية والاستراتيجية إلى نفوذ داخل الكونغرس ومؤسسات صنع القرار. وتظل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية النموذج الأكثر وضوحًا لدراسة هذه الآلية.
الكيان الصهيوني ليس مجرد حليف عادي في السياسة الأمريكية، ولا يمكن تفسير الحماية الأمريكية غير المحدودة له بأنها نتيجة نفوذ اللوبي الإسرائيلي وحده. إنه جزء من معادلة الهيمنة الأمريكية في المنطقة، وقاعدة متقدمة للتفوق العسكري والاستخباراتي، وأداة لحماية ترتيبات إقليمية لا تريد واشنطن خروجها عن السيطرة.
تأتي جماعات الضغط المؤيدة لـــ"إسرائيل" لتضيف إلى هذه العلاقة نفوذًا انتخابيًا وسياسيًا يجعل الاعتراض على الدعم الأمريكي للكيان مكلفًا داخل قطاعات واسعة من المؤسسة السياسية. لكن المسألة أعمق من أيباك أو التمويل الانتخابي؛ فهناك توافق استراتيجي بين مصالح المؤسسة الأمريكية وموقع "إسرائيل" في مشروع السيطرة على المنطقة، حتى وإن ظهرت خلافات بين الطرفين في بعض الملفات والتكتيكات.
لذلك؛ نفهم لماذا لا تتغير السياسة الأمريكية إزاء فلسطين بتغير الحزب الحاكم، ولماذا يستمر التسليح والحماية السياسية والدبلوماسية للكيان، حتى عندما تتسع الاعتراضات الشعبية الأمريكية على جرائمه. إذ إن الانتخابات قد تغير الخطاب، لكنها لا تلغي تلقائيًا المصالح التي أنتجت هذا التحالف وحولته إلى أحد ثوابت السياسة الأمريكية.
في المقابل، تمثل المقاومات الفلسطينية واللبنانية واليمنية تحديًا يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لأنها ترفض تحويل المنطقة إلى مجال نفوذ مفتوح أمام واشنطن والكيان، وتكشف أن السيطرة على الأرض والقرار لا تتحقق بمجرد امتلاك التفوق العسكري أو فرض التحالفات. لهذا؛ لا تنظر الولايات المتحدة إلى أشكال المقاومة في المنطفة بأنها مشكلة أمنية محلية، إنما تراها قوةً تعطل ترتيبات إقليمية تسعى إلى تثبيتها، وتفرض كلفة على مشروع الهيمنة الذي يستند إلى التفوق الإسرائيلي.
أما ترامب، فهو ليس دمية تحركها هذه المؤسسات، كما أنه ليس سيدًا مطلقًا عليها. إنه يحاول إعادة ترتيب مراكز القوة الأمريكية وتغيير طريقة توزيع الأعباء وفرض شروط أكثر مباشرة على الحلفاء واستخدام الرسوم الجمركية والعقوبات والتهديد العسكري كونهاا أدوات لإدارة النفوذ. قد يصطدم بمؤسسات تقليدية، ويهدد مصالح قطاعات اقتصادية، لكنه في الوقت نفسه يتحرك داخل مشروع أمريكي أوسع، غايته الحفاظ على التفوق ومنع انتقال مركز القوة العالمي إلى منافسين آخرين.
ذلك ما يجعل الصراع مع الصين وروسيا ومحاولات احتواء القوى، والتي تسعى إلى استقلال قرارها الاقتصادي والسياسي، جزءًا من معركة أكبر على مستقبل النظام الدولي. الولايات المتحدة تدرك أن احتكارها للقرار العالمي يتعرض لتحديات متزايدة، وأن أدوات الهيمنة القديمة لم تعد تضمن النتائج نفسها. لهذا تحاول إعادة ترتيب تحالفاتها وتحميل الآخرين كلفة أكبر لحماية مصالحها، واستخدام القوة الاقتصادية والعسكرية لمنع تشكل توازنات دولية جديدة.
المفارقة أن واشنطن تتحدث عن النظام الدولي القائم على القواعد، لكنها تحتفظ لنفسها بحق تفسير هذه القواعد وتجاوزها متى تعارضت ومصالحها. كما تدافع عن سيادة الدول عندما تخدم مواقفها، وتتعامل معها على أنها تفصيل قابل للتجاوز عندما تقف السيادة عائقًا أمام مشروعها. وما يجري في فلسطين يقدم أحد أكثر الشواهد وضوحًا على هذه الازدواجية.
لذلك؛ فإن السؤال عن الذين يحكمون أمريكا لا ينبغي أن ينتهي عند أسماء المليارديرات أو مديري شركات السلاح أو مسؤولي الاستخبارات. الأهم هو فهم شبكة المصالح التي تجمع المال والسلاح والسياسة، وتوظف مؤسسات الدولة لحماية موقع الولايات المتحدة في النظام العالمي.
قد ينجح ترامب في تغيير أدوات إدارة هذه المنظومة، وقد يصطدم ببعض مراكزها أو يعيد توزيع النفوذ داخلها، لكن المعيار الحقيقي ليس عدد المسؤولين الذين يغيّرهم ولا حجم الضجيج الذي يثيره، إنما ما إذا كان يغير الأسس التي تقوم عليها الهيمنة الأمريكية، أم يعيد إنتاجها بأسلوب أكثر فجاجة ومباشرة.
أمريكا لا يحكمها ساكن البيت الأبيض وحده، وإنما تحكمها شبكة مصالح ترى في استمرار التفوق الأمريكي ضرورة لحماية ثروتها ونفوذها وموقعها في العالم. من يريد فهم ما يجري، فعليه أن ينظر إلى ما وراء صراع الرؤساء، إلى المصالح التي تخوض الحروب، وتفرض العقوبات، وتحمي الكيان، وتحاول إخضاع الشعوب. فهناك، لا تكمن حقيقة الصراع في خطابات البيت الأبيض وحدها..!