وعد بلفور من جيل النكبة إلى أجيال التحرير

post-img

حمزة البشتاوي/ كاتب وإعلامي

توجد عدة قراءات تاريخية وسياسية حول وعد بلفور وأسبابه ونتائجه التي تركت آثاراً سلبية عميقة، بعد أن نجحت الحركة الصهيونية بالحصول على دعم الغرب لها على حساب الشعب الفلسطيني الذي ما زال يعيش ما بين أرض فلسطين والشتات والمخيم.

لقد كان وعد بلفور بمثابة ضوء أخضر وأمر عمليات للعصابات الصهيونية باغتصاب الأرض وارتكاب المجازر والتهجير ومن ثم حدوث النكبة كنتيجة لهذا الوعد الذي أصدره وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور في الثاني من تشرين الثاني عام 1917، وأعتبر هذا الوعد إعلاناً من قبل الحكومة البريطانية بمنح الحركة الصهيونية الحق بإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، لتبدأ بعده مرحلة جديدة في تاريخ فلسطين التي تحولت إلى ساحة لتنفيذ مشروع سياسي إستعماري في فلسطين والمنطقة.

كان من المستحيل حدوث النكبة لولا هذا الوعد المشؤوم الذي مهد الطريق لأحداث وسياسات أسفرت بسبب الدعم الغربي عن إقتلاع معظم الشعب الفلسطيني من مدنه وقراه وتهجيره قسراً في المخيمات والمنافي البعيدة والشتات، ولم يكن وعد بلفور مجرد وسيلة سياسية أو وعد ممن لا يملك إلى من لا يستحق بل شكل بداية الدعم العلني لواضح والمباشر للحركة الصهيونية لتنفيذ مشروعها الإستيطاني على أرض فلسطين في المرحلة الممتدة ما بين صدور الوعد والنكبة والتحولات التي تسببت في زيادة الهجرة اليهودية ودور وتحركات العصابات الصهيونية.

وفي مقابل ذلك كان الشعب الفلسطيني يخوض نضالاً متواصلاً دفاعاً عن بلاده بمواجهة الإستيطان والمشاريع الإستعمارية الخارجية عبر الإحتجاجات والثورات والإنتفاضات وصولاً إلى ما عرف بالثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و 1936.

ومنذ صدور وعد بلفور 1917 والإنتداب البريطاني على فلسطين 1922 وقرار التقسيم 1974 وصولاً إلى إعلان إنشاء إسرائيل في العام 1947، كان لهذه التواريخ ترابط وثيق أدى لحدوث تغيير جذري على أرض فلسطين وأنتجت أكثر المحطات ماساوية في التاريخ الفلسطيني الحديث من حيث خسارة الأرض وإقتلاع الإنسان وفقدان البيوت والحقول وتحويل الفلسطيني من صاحب أرض ووطن إلى لاجئ يعيش أقسى وأصعب الظروف التي لم تمنعه من الإحتفاظ بمفاتيح بيته على أمل العودة إليه.

أسس وعد بلفور للنكبة ووفر الدعم والغطاء للمشروع الصهيوني، ومن هنا فإن استحضاره ليس مجرد إستعادة لحدث مضى بل هو العنوان الأساسي لفهم مقدمات النكبة وقضية فلسطين التي هي قضية شعب له تاريخ وجذور وحقوق وطنية وأرض لم يفقد الإرتباط بها رغم التهجير والشتات، وإذا كان وعد بلفور قد كتب بالحبر فإن الشعب الفلسطيني يكتب بالدم حكاية صموده ومقاومته السمتمرة حتى إبطال مفاعيل هذا الوعد المشؤوم ومحو كل آثار النكبة من خلال الكفاح والنضال المستمر من داخل الوطن ومن مخيمات اللجوء ودول الشتات.

- دور اللاجئين

لم يجلس اللاجئون الفلسطينيون خاصة منذ إنطلاقة الثورة الفلسطينية عام 1965 وحرب الإبادة والحصار والإستيطان والتهجير في مقاعد المتفرجين، بل كانوا جزء من جبهات الإسناد، ولم يكتفوا بإصدار البيانات والفعاليات الموسمية، وقدموا وما زالوا مستعدين على تقديم المزيد من التضحيات، ولن تستطيع أي خطة أو مشروع إضعاف دورهم من أجل العودة والتحرير، وهم يشاركون بالمعركة في ساحة الوعي والثقافة والإعلام وكافة أشكال المقاومة في أكثر من ساحة وميدان.

- دور الشتات

يعمل الفلسطينيون في الشتات على تحويل المنفى من جغرافيا للغياب إلى مساحة تحضر فيها فلسطين الأرض والإنسان كقضية إنسانية وحقوقية واخلاقية وإمتحان للضمير الإنساني أمام حرب الإبادة على قطاع غزة والعدوان على الضفة الغربية، وهم يقومون بدور هام على صعيد حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيقها ونقلها للأجيال وتعريف المجتمعات الأخرى بما حل بالشعب الفلسطيني منذ وعد بلفور وصولاً للإبادة، وتقديم فلسطين بوصفها وطناً حياً لا مجرد قضية إنسانية طارئة فحسب، فاللاجئون الفلسطينيون ليسوا بقايا نكبة والشتات ليس مرادفاً للغياب، إنهم امتداد طبيعي للحكاية الفلسطينية، وهم أهل فلسطين وأجيال العودة والتحرير.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد