هل الدولة فندقٌ يُسكَن أم كيانٌ يُحمى؟

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

يصل المسافر إلى الفندق مساءً، فيتسلّم مفتاح غرفته، ويُطلب منه أن يحافظ على الأثاث ويسدّد الحساب عند المغادرة. لا أحد يسأله عمّا قدّمه للمبنى، ولا أحد ينتظر منه أن يهبّ لإطفاء الحريق إذا شبّ في الطابق الأرضي. هو نزيلٌ عابر، وللنزيل حقوقه وللمكان إدارته. فهل هذه هي الصورة التي ينبغي أن نرسمها لعلاقتنا بالدولة؟ نزلاءُ متساوون في غرفٍ متجاورة، يطلبون الخدمة والأمان وحسن الضيافة، ويتركون أمر البناء لمن يتولّى إدارته، ولا يشعر أحدهم بأن لبنةً من جدرانه تخصّه؟

غير أنّ الحياة السياسية لا تتوقف عند هذه الصورة المريحة، هي تقدّم صورة أقسى. فحين يقترب الخطر من الحدود ثم من البيوت، يتبيّن الفرق بين من يسكن الدولة ومن يحملها على كتفيه. يبقى بعضهم في الغرف ينتظر أن تنجلي العاصفة، ويخرج آخرون إلى الأسوار حاملين ما يملكون. عند هذه اللحظة بالذات يعود السؤال الذي تتحاشاه الخطب الجميلة وتلتفّ حوله البيانات الرسمية، هل الدولة فندقٌ يُسكَن، أم كيانٌ يُحمى؟ فالوطن لا يُختبر بالكلام.

يسود في الخطاب العام تصوّرٌ مريح للدولة، يراها حَكَمًا محايدًا يقف على مسافة واحدة من الجميع، وملكيةً مشتركة تُوزَّع حصصها بالتساوي على كل من يحمل أوراقها الثبوتية. بحسب هذا التصوّر يستوي من أمضى عمره في الذود عنها ومن أمضاه في مراقبتها، لأن الانتماء يُقاس بالوثيقة لا بالكلفة. ويبدو الطرح عادلًا للوهلة الأولى، بل أخلاقيًا، فمن ذا الذي يعترض على المساواة؟ وهو طرحٌ مغرٍ لأنه يعفي أصحابه من سؤال الكلفة، ويمنح الجميع مقعدًا في الصفّ الأول من غير أن يسألهم أحدٌ عمّا قدّموا.

لكنّ المساواة أمام القانون شيء، وتجاهل مصدر القوة التي تضمن هذا القانون شيءٌ آخر. النصوص لا تحمي نفسها، والدستور المكتوب بالحبر لا يصمد في وجه من يكتب بالنار، إلا إذا وُجد من يقف بين الاثنين، ولا يقوم بلدٌ على الحقوق وحدها فالحقوق نفسها تحتاج إلى حارس. الحياد المطلق، حين يُرفع إلى مرتبة المبدأ، ينتهي إلى موقفٍ غريب، دولةٌ لا تفرّق بين من يصونها ومن يتفرّج عليها، ولا بين من يدفع ثمن بقائها ومن يكتفي بقبض عائدها. هذا إعفاءٌ من المسؤولية يتزيّا بزيّ الإنصاف. أما الملكية المتساوية فتصلح لعمارة تُباع شققها بالتقسيط، والأوطان لا تُسجَّل في دوائر العقارات، بل تُثبَّت بما يُبذل من أجلها. وما لا يُدافَع عنه يخرج في النهاية من يد أصحابه، مهما كانت سنداتهم مختومة ومصدّقة.

تنطلق نظرية العقد الاجتماعي، في صيغها الكلاسيكية، من مقدّمة واحدة، الدولة لا تسبق الناس، الناس هم الذين يصنعونها. الأفراد، في الحال الطبيعية، يعيشون تحت وطأة الخوف وانعدام الأمان، فيتنازلون عن جزء من حريتهم المطلقة لسلطةٍ تحميهم من بعضهم البعض ومن الغزاة. بهذا المعنى تقوم الدولة على تبادل صريح، أمنٌ من جهة، وطاعةٌ وولاء من جهة أخرى. إذا عجزت السلطة عن توفير الأمن سقط التزام الطاعة، وإذا امتنع الناس عن تحمّل كلفة الحماية انهار الأمن نفسه. العلاقة لا هي هبة يتلقاها المواطن، ولا هي تفضّل تمنّ به السلطة، إنها التزامٌ متبادل لا يستقيم من جانب واحد.

تتفاوت مدارس العقد في تصوير السلطة التي ينتجها، فبعضها يريدها قوية حاسمة تمنع الفوضى، وبعضها يريدها مقيَّدة تخضع لمساءلة أصحابها، لكنها جميعًا تتفق على أن الحماية هي علّة قيامها. تذهب القراءة الأرسخ لهذا الإرث إلى أن الإرادة العامة لا تتكوّن من أفرادٍ يتصرّفون كأنهم زبائن، بل هم شركاء في مشروعٍ يتقاسمون أعباءه. المواطنة على هذا النحو ليست استقرارًا، هي فعل مشاركة.. فمن دخل العقد قَبِل بشروطه، ومنها استعداده لتحمّل ما يقتضيه بقاء الكيان من تضحيات حين تشتدّ الأزمات.

أما من يطلب حقوق العقد من غير أعبائه فإنه يعامل الدولة معاملة السلعة، ويحوّل الرابطة السياسية إلى صفقة تجارية. لقد تنبّه الفكر السياسي مبكرًا إلى هذا الخطر، حين يتحوّل الناس إلى مستهلكين للأمن، تضعف الإرادة التي تنتجه، ويصبح العقد حبرًا على ورق لا يلزم أحدًا. لهذا ظلّ الفلاسفة الأوائل يقرنون الحق بالواجب في عبارةٍ واحدة لا تنفصم، وليس في ذلك قسوة، بل منطق كل عقدٍ يقوم على عِوَضين.

في سؤال الشرعية يقدّم علم الاجتماع السياسي ثلاثة مفاتيح تتكامل ولا تتنافر. الأول تعريفٌ شهير يرى الدولة جهةً تحتكر استخدام العنف المشروع على إقليم محدّد. الكلمة المفصلية في هذا التعريف ليست العنف، هي المشروع. القوة المجرّدة تُنتج سيطرة، أما الاعتراف الاجتماعي فهو الذي يحوّل السيطرة إلى سلطة. كلما عجزت الدولة عن حماية جماعتها تآكل هذا الاعتراف، وفتّش الناس عن حماية في مكان آخر، وصار الاحتكار الذي تدّعيه الدولة اسمًا بلا مسمّى. هذه المسألة بالذات هي ما يفرّق بين دولةٍ تُطاع لأنها تُحترم ودولةٍ تُحتمل لأنها لا تُنازَع.

المفتاح الثاني مفهوم الهيمنة، ومفاده أن الحكم لا يستقر بالقهر وحده، بل بقدرته على صياغة رضا مجتمعي يجعل المحكومين يرون في النظام القائم إطارًا طبيعيًا لمصالحهم. الرضا لا يُكتسب بالخطابة ولا يُستورد بالإعلام. إنه يتشكّل حيث يشعر الناس بأن الدولة معهم حين يُهدَّدون، وبأن مؤسساتها تقف في صفّهم عند الشدّة... فمن حمل عبء الدفاع عن الكيان وجد في ذلك أساسًا لرضاه، ومن شعر بأنه متروك سحب رضاه تدريجيًا، وإن بقي اسمه في السجلات.

أما المفتاح الثالث فمفهوم العصبية في الفكر الاجتماعي المبكر، وخلاصته أن الملك لا يقوم إلا على جماعة متضامنة قادرة على الذود عنه، وأن الدولة تهرم حين تضعف هذه الجماعة ويتحوّل أهلها إلى متنعّمين بالأمن لا صنّاع له. العمران يُبنى بالغلبة ويُحفظ بالدفاع، وحين تسترخي القوة التي تحرسه يدبّ فيه الوهن ولو كان مزدهرًا في الظاهر. يمكن أن نستخلص من المفاتيح الثلاثة أن شرعية الدولة تأتي ممن يحمل عبء استمرارها، لا ممن يكتفي بالانتساب إليها.

من هذه الأسس تتولّد فكرة يصحّ أن نسمّيها الدولة الحارسة، وهي تسمية وظيفية قبل أن تكون استعارة أدبية. الدولة الحارسة هي التي تحفظ أبناءها وقت الخطر، وتصون كرامتهم وأرضهم من المحتل والمعتدي، فلا تتركهم لقدرهم ولا تساوم على حقهم في الأمان. .لأنها فعلت ذلك تنال من أبنائها ما لا تناله دولة بالقانون وحده، يحفظونها بالدم والنفس. فالولاء الذي يبلغ حدّ التضحية لا يُشترى بالرواتب ولا يُفرض بالأوامر، إنه ثمرة ثقةٍ بُنيت يوم كانت الدولة حاضرة، وتجدّدت كلما أثبتت أنها لا تخذل. الحارس الذي يغيب عن الحراسة لا يحقّ له أن يطالب بالمفاتيح.

في المقابل، فإن الدولة التي لا تحمي تفقد مسوّغ وجودها. قد تحتفظ بالعلم والنشيد والمقارّ والموازنات، لكنها تصير هيكلًا إداريًا يوزّع الوثائق ويجبي الرسوم، ويغدو السؤال المشروع، لماذا ندفع ثمن دولةٍ لا تدفع عنّا شيئًا؟ عندها يبتكر الناس بدائلهم، فتنشأ الحماية الأهلية والعشائرية والفئوية، وتتفكّك الدولة من الداخل قبل أن يسقط جدارٌ واحد من جدرانها. ولا يُلام الناس وحدهم في ذلك، فالفراغ الذي تتركه الدولة الغائبة لا يبقى فارغًا طويلًا.

التاريخ لا يحفظ أسماء النزلاء، بل أسماء من وقفوا على الثغور. كل شهيدٍ سقط دفاعًا عن الأرض يضيف إلى رصيد الكيان حقًا أثقل مما تضيفه آلاف الوثائق، لأن الأرض التي ارتوت بالدم لا تُعامَل كأرضٍ مستأجَرة، ولا يُسأل صاحبها عن عقد إيجاره، ولا يُطلب منه أن يُثبت انتماءه لأحد.. هنا يتّضح معنى الدولة حين تكون دولة، كيان يحمي فيُحمى، ويُعطي الأمان فيُعطى الولاء.

قد يُقال إن هذا المنطق يُنشئ مواطنين من درجات متفاوتة. الجواب أن الدرجات لا يصنعها المنطق، بل تصنعها اللحظة التي يُختبر فيها الانتماء. حين يقف الخطر على الباب لا تُعَدّ الأصوات في الصناديق، بل تُعَدّ الصدور في الميدان. الدولة التي تغفل هذه الحقيقة تظن أنها تنصف الجميع، وهي في الواقع تسوّي بين من حمل ومن اتّكل، وتكافئ التردد بما يُكافأ به الثبات، وتُعلّم الناس أن الكلفة اختيارية وأن الحصاد مضمون للجميع.!.

الدولة ليست ملكية عقارية مسجّلة للجميع بالتساوي في سجلّ الملكية. إنها عهدٌ يتجدد كل يوم بمن يبذل الأرواح والأملاك والأنفس لتبقى وتستمر. من يتحمّل هذا العبء يكتسب حق الكلمة الأولى في مصيرها، ومن يتخلّى عنه لا يملك أن يطالب بنصيب لم يسهم في صونه، فالأوطان تُورَث دائمًا لمن يصونها حقًا لا لمن يسكنها. ليس في هذا القول دعوةٌ إلى الإقصاء، بل إلى الصدق في تسمية الأشياء بأسمائها، فمن أراد أن يرث دولةً فعليه أن يشارك في حراستها.

المصادر والمراجع

ابن خلدون. (2004). المقدمة (ع. م. الدرويش، محقق). دار يعرب. (العمل الأصلي نُشر في 1377).

الأيوبي، ن. (2010). تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط (أ. حسين، مترجم؛ ف. عبد الجبار، مراجع). المنظمة العربية للترجمة. (العمل الأصلي نُشر في 1995).

الجابري، م. ع. (2001). فكر ابن خلدون: العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي (ط. 7). مركز دراسات الوحدة العربية.

روسو، ج. ج. (2011). في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي (ع. لبيب، مترجم). المنظمة العربية للترجمة. (العمل الأصلي نُشر في 1762).

طيارة، غ. (2025، 6 أيار). السلاح والدولة. ديوان،
"Malcolm H. Kerr Carnegie Middle East Center"
https://carnegieendowment.org/ar/middle-east/diwan/2025/05/arms-and-the-state

هوبز، ت. (2011). اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة (د. حرب وب. صعب، مترجمتان؛ ر. السيد، مراجع ومقدّم). هيئة أبوظبي للثقافة والتراث (كلمة). (العمل الأصلي نُشر في 1651).

Gramsci, A. (1971). Selections from the prison notebooks (Q. Hoare & G. Nowell Smith, Eds. & Trans.). International Publishers. (Original work written 1929–1935)

Janowitz, M. (1976). Military institutions and citizenship in Western societies. Armed Forces & Society, 2(2), 185–204.

Tilly, C. (1985). War making and state making as organized crime. In P. B. Evans, D. Rueschemeyer, & T. Skocpol (Eds.), Bringing the state back in (pp. 169–191). Cambridge University Press.

Weber, M. (2004). The vocation lectures (D. Owen & T. B. Strong, Eds.; R. Livingstone, Trans.). Hackett Publishing. (Original work published 1919)

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد