أزمة الهيمنة الأمريكية.. حين يرتدّ انحطاط الإمبراطورية على مؤسساتها

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

ما يجري داخل الولايات المتحدة يتجاوز حسابات الخسارة والمكسب في انتخابات التجديد النصفي، ويتجاوز أيضًا مستقبل دونالد ترامب السياسي. نحن أمام مؤشرات على تصدع أعمق في العلاقة بين المجتمع الأمريكي والمؤسسات التي احتكرت تمثيله عقودًا، وفي شرعية النموذج الذي قدمته واشنطن للعالم بكونه النموذج الديمقراطي الأجدر بالاتباع.

الشعبوية اليمينية التي صعدت مع ترامب لم تهبط على المجتمع الأمريكي من خارج تاريخه، ولم تكن مجرد استجابة عاطفية لغضب الناخبين. لقد وجدت أرضيتها في نظام سياسي واقتصادي راكم التفاوت، وضيّق فرص قطاعات واسعة من المجتمع، وسمح للمال ومراكز النفوذ بتحديد مساحة الاختيار السياسي، ثم ترك الغضب الاجتماعي يتراكم حتى أصبح قابلًا للاستثمار في خطاب قومي وعنصري وعدائي.

ترامب لم يصنع هذه التناقضات، لكنه عرف كيف يوظفها، ويحول نفسه إلى ممثل للناس في مواجهة المؤسسات، بينما كان يعيد تركيز السلطة حول شخصه، ويعامل الدستور والقانون والمؤسسات بصفتها قيودًا ينبغي التخلص منها كلما تعارضت مع إرادة الحاكم. هنا؛ تكمن خطورة المرحلة، فالمؤسسات التي يفترض أن تقيد السلطة وتحمي المجتمع من تغولها أصبحت ساحة للصراع على السيطرة، وتحول احترام الدستور وإنفاذ القانون واستقلال القضاء إلى موضوع للمناورة السياسية.

لكن المفارقة الأكثر دلالة أن الولايات المتحدة، وهي تخوض هذا الصراع الداخلي، أسهمت بسياساتها في كشف التناقض الأخلاقي الذي قامت عليه صورتها الدولية. كانت فلسطين، وغزة تحديدًا، واحدة من أكثر اللحظات التي انكشف فيها هذا التناقض فجاجة. دولة تتحدث عن حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون، ثم توفر للكيان الإسرائيلي الغطاء السياسي والعسكري والدبلوماسي لمواصلة حرب الإبادة، وتستخدم نفوذها الدولي لحماية المعتدي من المحاسبة.

المسألة لم تعد مجرد إخفاق أمريكي في تسويق الرواية الإسرائيلية، وإنما تحولت إلى أزمة داخل المجتمع الأمريكي نفسه. قطاعات متزايدة من الشباب لم تعد تتعامل مع السياسة الخارجية بكونها ملفًا منفصلًا عن قيمها ومصالحها، ولم تعد مستعدة بالضرورة لقبول أن تكون أموال دافعي الضرائب وقودًا لحروب وجرائم تتعارض والخطاب الذي تتلقاه عن الحرية والعدالة.

الأهم أن فلسطين أعادت فتح ملفات أمريكية قديمة لم تغلق أصلًا. تاريخ العبودية والتمييز العنصري والحروب الخارجية والتدخل في شؤون الشعوب ودعم الأنظمة الاستبدادية، كلها عادت إلى النقاش من بوابة التناقض بين ما تقوله الولايات المتحدة عن نفسها وما تفعله خارج حدودها. بهذا المعنى، لم تعد فلسطين مجرد قضية في السياسة الخارجية الأمريكية، لقد أصبحت جزءًا من صراع داخلي حيال هوية المجتمع، والجهة التي تملك حق تعريف المصالح والقيم الأمريكية.

من تلك الزاوية؛ يمكن قراءة صعود مرشحين تقدميين وفوز شخصيات من خلفيات عرقية ومهاجرة مختلفة، وتنامي حضور أسماء مثل ممداني وإلهان عمر وأوكاسيو كورتيز وغيرهم. الدلالة لا تتوقف عند دخول وجوه جديدة إلى المؤسسات المنتخبة، إنما تمتد إلى طبيعة الخطاب الذي يمنحها التأييد، وإلى اتساع المساحة التي تتحرك فيها مطالب العدالة الاجتماعية ومناهضة العنصرية ومراجعة العلاقة مع "إسرائيل" ورفض الحروب الخارجية.

لكن الاختبار الحقيقي لهؤلاء ليس الفوز بمقاعد انتخابية، هو في قدرتهم على نقل الصراع من مستوى الخطاب إلى مستوى التأثير في القرار. الحزب الديمقراطي نفسه ليس خارج الأزمة، ومؤسسته التقليدية ليست حليفًا طبيعيًا لهذا التحول. داخله مصالح اقتصادية وشبكات تمويل ونفوذ ولوبيات سياسية، كما أن مواقفه التقليدية من "إسرائيل" والسياسة الخارجية الأمريكية لا تتغير بمجرد صعود عدد من المرشحين الأكثر جرأة.

نحن أمام صراع داخل الحزب على تعريف الديمقراطية وحدود التغيير الممكن، بين مؤسسة تريد استعادة موقعها من دون المساس بالترتيبات الأساسية التي حكمت السياسة الأمريكية، وتيار تقدمي يحاول إعادة القيمة للقضايا الاجتماعية والاقتصادية، وتوسيع قاعدة التمثيل السياسي.

في هذا السياق؛ لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد. الشعبوية تستطيع تعبئة الغضب، لكنها لا تستطيع بالضرورة تحويله إلى سياسات ناجحة. تستطيع تقديم المهاجرين والأقليات والخصوم السياسيين بصفتهم سببًا للأزمات، لكنها لا تستطيع بهذه الطريقة معالجة أزمة المعيشة والسكن والديون وتراجع القدرة الشرائية، ولا إخفاء مسؤولية مراكز الثروة والاحتكار عن اختلال توزيع المكاسب داخل المجتمع.

حين تتراجع قدرة الخطاب الشعبوي على تقديم حلول ملموسة، يصبح الغضب الذي أوصل أصحابه إلى السلطة قابلًا للانقلاب عليهم. هذا ما يجعل التقاء الدوافع الاقتصادية والاجتماعية مع الاعتراض على الحروب والتمييز العنصري تطورًا مهمًا، لأنه قد ينتج قاعدة سياسية أوسع من القاعدة التقليدية لليسار الأمريكي.

لكن تراجع ترامب لا يعني تلقائيًا انتصار الديمقراطية؛ فالأسباب التي أنتجت صعوده لا تزال قائمة، والمؤسسة الديمقراطية التقليدية قد تستعيد مواقعها، من دون أن تعالج تلك الأسباب. قد تنتهي المواجهة إلى استبدال وجوه بأخرى، في حين تبقى مراكز القوة الاقتصادية والسياسية على حالها.

المسألة أعمق من هزيمة تيار انتخابي. إنها تتعلق بقدرة المجتمع الأمريكي على فرض إعادة توزيع حقيقية للنفوذ السياسي واستعادة المؤسسات من هيمنة المصالح الخاصة وتحويل الاعتراض على الظلم إلى مشروع سياسي واجتماعي يتجاوز حدود الاحتجاج.

إذا حدث ذلك، فلن تبقى ارتداداته داخل الولايات المتحدة. الهيمنة الأمريكية لم تعتمد على القوة العسكرية والاقتصادية وحدهما، إنما أفادت طويلًا من قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها حاملة لنموذج سياسي وأخلاقي. حين يتآكل هذا النموذج، في نظر مواطنيها قبل خصومها، تتعرض إحدى ركائز النفوذ الأمريكي الدولي للاهتزاز.

قد تجد أنظمة اعتادت الاحتماء بالغطاء الأمريكي نفسها أمام بيئة دولية أقل قابلية لتسويق سياساتها باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان. كما قد تجد حركات اجتماعية وسياسية، في بلدان أخرى، مساحة أوسع لمراجعة علاقات التبعية والارتهان للمركز الأمريكي.

لكن التاريخ لا يقدم ضمانات أخلاقية؛ فتراجع قوة أو نموذج لا يعني بالضرورة صعود بديل أكثر عدالة. ما يحدد اتجاه التحول هو القوى التي تستطيع استثمار لحظة التراجع، وطبيعة المصالح التي ستفرض نفسها على المرحلة التالية.

قد نكون أمام بداية موجة جديدة من التحولات الديمقراطية، وربما نكون أمام جولة أخرى في صراع أطول على شكل الدولة والسلطة وتوزيع الثروة والنفوذ. لكن ما يستحق الانتباه أن الشعبوية اليمينية التي استثمرت انهيار الثقة في المؤسسات، بدأت تواجه ارتدادًا من قطاعات اجتماعية لم تعد ترى في خطابها إجابة عن أزماتها.

الأهم أن ما يحدث لا يمكن فصله عن فلسطين. المجتمع الأمريكي الذي شاهد حكومته تمنح الغطاء للعدوان الإسرائيلي، وبدأ قطاع من شبابه يراجع موقع بلاده ودورها في العالم، قد يكون بصدد مراجعة أوسع لتاريخ القوة الأمريكية وسياساتها ومصالحها.

قد لا تكون غزة هي من غيّرت وحدها اتجاه السياسة الأمريكية، لكنها أسهمت في تغيير الأسئلة التي يطرحها جيل كامل على دولته، وهذه بداية سياسية لا ينبغي الاستهانة بها.

الإمبراطوريات لا تبدأ خسارة نفوذها بالضرورة عندما تعجز عن استخدام القوة، إنما قد تبدأ الخسارة عندما يتآكل المعنى الذي تسوّغ به هذه القوة، وعندما يصبح مواطنوها أنفسهم أقل اقتناعًا بالرواية التي تبيعها لهم عن العالم وعن دور بلادهم فيه.. هنا، تحديدًا تستحق التحولات الأمريكية المتابعة، لا لكونها شأنًا انتخابيًا داخليًا، وإنما لكونها احتمالًا لبدء مرحلة جديدة في الصراع على مستقبل النظام الدولي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد