يجني مستخدمون لمنصة إكس (تويتر سابقًا)، آلاف الدولارات من مشاركة محتوى يتضمن معلومات مضللة عن الانتخابات الرئاسية الأميركية 2024 وصورًا فبركها الذكاء الاصطناعي ونظريات مؤامرة لا أساس لها من الصحة. ورصدت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، شبكات تضم عشرات الحسابات التي تعيد مشاركة محتوى بعضها بعضًا مرات عدة في اليوم، ويشمل هذا المحتوى أخبارًا حقيقية وأخرى مفبركة، وذلك من أجل انتشار أكبر، وبالتالي أرباح أكثر.
مال سهل على "إكس"
يقول بعض هؤلاء المستخدمين إن الأرباح من حساباتهم الخاصة وحسابات أخرى تراوح بين بضع مئات وآلاف الدولارات. قارنت هيئة الإذاعة البريطانية الأرباح التقريبية التي أبلغ عنها بعض مستخدمي "إكس" هؤلاء بالمبلغ المتوقع أن يكسبوه بناءً على عدد المشاهدات والمتابعين والتفاعلات، ووجدت أنها موثوقة. ونقلت عنهم قولهم إنهم ينسقون جهودهم لمشاركة منشوراتهم عبر المنتديات والدردشات الجماعية. وصرّح أحد هؤلاء لـ"بي بي سي"، الأسبوع الماضي: "إنها طريقة لمحاولة مساعدة بعضهم بعضًا".
تابعت "بي بي سي" حساب "فريدوم آنكات"، صانع المحتوى الذي لا يشارك اسمه الحقيقي ومعلوماته، ويصنع ويبث المحتوى مزينًا بأضواء العلم أميركي. يدعي أنه مستقل، لكنه يفضل أن يصبح الجمهوري دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية، لا الديمقراطية كامالا هاريس. وتحدثت للمؤسسة البريطانية ما يصل إلى 16 ساعة يوميًا في مخبئه ينشر على "إكس"، ويتفاعل مع شبكة من عشرات صنّاع المحتوى، ويشارك صورًا فبركها الذكاء الاصطناعي. وأفاد بحصوله على 11 مليون مشاهدة على مدار الأشهر القليلة الماضية منذ أن بدأ النشر بانتظام حول الانتخابات الأميركية، وكشف أنه يجني آلاف الدولارات شهريًا من "إكس"، مشيرًا إلى أنه "أصبح من الأسهل كثيرًا على الناس جني الأموال" من هذه المنصة.
تضليل وفبركة
تدعم بعض هذه الشبكات دونالد ترامب، وبعضها الآخر كامالا هاريس، وبعضها مستقل. وقد تواصل سياسيون أميركيون، بما في ذلك مرشحو الكونغرس، مع حسابات عدة منها، والتي تقول إنها غير مرتبطة بحملات رسمية، بحثًا عن دعمٍ بالمنشورات. ومن بين المنشورات المضللة التي نشرتها بعض الحسابات في "إكس"، المملوكة للملياردير إيلون ماسك الداعم لترامب، ادعاءات حول تزوير الانتخابات دحضتها السلطات الأميركية، وادعاءات متطرفة لا أساس لها من الصحة حول الاعتداء الجنسي، بما في ذلك على الأطفال، تتهم المرشحين الرئاسيين ونائب الرئيس.
كما انتقلت بعض هذه المنشورات المضللة والكاذبة من "إكس" إلى مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى ذات الجمهور الأكبر، مثل "فيسبوك" و"تيك توك". ومن الأمثلة على ذلك صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي لكامالا هاريس وهي تعمل في ماكدونالدز عندما كانت أصغر سنًا، ونظريات مؤامرة حول محاولة اغتيال دونالد ترامب في يوليو/ تموز.
قوانين "إكس" تسمح بالتضليل
تسمح منصات تواصل اجتماعي عدة للمستخدمين بكسب المال من منشوراتهم أو مشاركة المحتوى المدعوم. ولكن غالبًا ما تكون لدى هذه المنصات قواعد تسمح لها بإلغاء الربح أو تعليق الحسابات التي تنشر معلومات مضللة. لا توجد لدى "إكس" قواعد مماثلة ضد المعلومات المضللة.
ويتماشى هذا مع نظرة مالك المنصة، رجل الأعمال المثير للجدل إيلون ماسك، الذي يروّج للحرية المطلقة من دون قيود، وهي نظرة تثير قلق الخبراء والمشرّعين والحقوقيين، الذين يتهمونه بالسماح بالترويج للتضليل والكراهية وأشكال المحتوى المسموم. وقد تسبّبت قراراته في انهيار قيمة "إكس" بـ80%، وفي نزوح واسع للمستخدمين من المنصة التي كانت في وقت ما منتدى عالميًا لنقاش القضايا الهامة.
أستراليا تتجه لحظر مواقع التواصل الاجتماعي على المراهقين
تعتزم الحكومة الأسترالية اتخاذ خطوات نحو تقييد وصول الأطفال والمراهقين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث لا يسمح بذلك إلا لمن يبلغون 16 عامًا أو أكثر. وقال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز للصحافيين في كانبيرا: "لقد تحدثت إلى الآلاف من الآباء والأمهات والأجداد والعمات والأعمام. وهم مثلي يشعرون بالقلق الشديد على سلامة أطفالنا على الإنترنت". وأضاف: "أريد أن يعرف الآباء والأمهات والعائلات الأسترالية أن الحكومة تساندكم".
من المقرر أن تتم مناقشة التشريع المقترح في هذا الشأن في اجتماع مجلس الوزراء غدًا الجمعة، ومن ثم سيتم عرضه على البرلمان في وقت لاحق من هذا الشهر. ومع ذلك، قد يستغرق الأمر حوالي عام قبل أن تدخل القواعد الجديدة حيز التنفيذ، حسبما أفادت هيئة الإذاعة الأسترالية.
آليات التنفيذ
وخلال الفترة الماضية، كان هناك نقاش بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي حول القرار وتأثيراته. ووجد بعض الخبراء أن القرار قد تكون له تأثيرات إيجابية على الصحة عامة، والصحة العقلية خاصة، في حين اعتبر آخرون أن فصل المراهقين عن وسائل التواصل الاجتماعي ليس بالأمر الصحيح.
يتحدث الخبراء عن جملة من التحديات، منها ما يتعلق بالتحقق من الأعمار وكيفية تنفيذ القرار. ويرى هؤلاء أن حظر العمر على وسائل التواصل الاجتماعي (تدعم الحكومة الفيدرالية موقف مفوض السلامة الإلكترونية وقيام طرف ثالث بالتحقق من عمر المستخدم على المنصات من دون الكشف عن التفاصيل الشخصية)، هو أحد التحديات.
توجيه الأهل
للأهل في أستراليا دورهم في توجيه الأطفال ومراقبة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وبحسب تقرير صدر في العام 2022، يزور 22% من الأطفال الذين تراوح أعمارهم ما بين ثماني وعشر سنوات، ونحو 46% من الأطفال الذين تراوح أعمارهم ما بين 11 و13 عامًا، مواقع التواصل الاجتماعي. وأظهر التقرير أن هذه المشاركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، غالبًا ما تأتي بتوجيه من الأهل.
بحسب صحيفة "ذي كونفرزيشين"، يرى الآباء أن وسائل التواصل الاجتماعي تشكل جزءًا من العالم الذي نعيش فيه، في وقت يسعى البعض إلى تقييد استخدام وسائل التواصل.
تأثيرات سلبية لوسائل التواصل الاجتماعي
يرى المتخصص في علم النفس التربوي أحمد عويني أن القرار الذي تسعى الحكومة إلى اتخاذه له تأثيرات إيجابية وأخرى سلبية، ويقول إن "فكرة التعميم والشمولية، وتقييد هذه الوسائل، قد لا يكون لها أثر اجتماعي ونفسي وصحي كالذي تتوقعه الحكومة"، ويقول لـ"العربي الجديد": "لا شك أن القرار يأتي في إطار الحفاظ على الصحة العقلية والنفسية للأطفال والمراهقين. إلا أن فكرة التقييد والمنع في حد ذاتها قد يكون لها تأثير سلبي على المراهقين، إذ لا يمكن عزلهم عما يجري حول العالم بطريقة فجائية". يضيف: "قد يرى البعض أن إيجابيات الحظر أكثر من سلبياته، لكن في الحقيقة هو سيف ذو حدين".
يضيف: "تُعَد وسائل التواصل الاجتماعي مهمة لناحية التواصل وتثقيف الأبناء، إذ تتيح لهم تعلم مهارات جديدة ولغات، وغيرها من الأمور الإيجابية. كما أنها وسيلة لمساعدة الأبناء على الاتصال بذويهم". في المقابل، "فإن سلبياتها قد تتعلق بإمكانية مشاهدة برامج لا تناسب أعمارهم أو الانخراط في شبكات إجرامية. هنا، يأتي دور الأهل في التوعية والإرشاد، بالإضافة إلى دور المدارس، في تثقيف الأبناء حول مخاطر انتشار الجرائم، أو نشر محتويات متطرفة".
في هذا الإطار، يعتقد عويني أن خير الأمور أوسطها. من ثم، من المهم تقييد أو حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ضمن شروط معينة ومعايير محددة، كتحديد وقت استخدام هذه المواقع بدلًا من المنع. من جهة أخرى، يشير إلى أن لوسائل التوعية والثقيف دورًا من خلال خلق ما يسمى بالهوية الرقمية والمواطنة الرقمية، ويقول: "تعد المواطنة الرقمية نوعًا من أنواع التوعية الحديثة، التي لا بد للمدارس من استخدامها في المناهج التربوية، وتعني أن يعرف الأطفال حقوقهم الرقمية من جهة، وواجباتهم وكيفية استخدام هذه الوسائل بما له من منافع على صحتهم العقلية والجسدية من جهة أخرى".
بحسب دراسة لجامعة "أوكسفورد"، تعتبر المواطنة الرقمية بمثابة فرصة للحفاظ على الخصوصية الشخصية من جهة، وتوعية الأفراد حول كيفية الاستخدام الآمن للتكنولوجيا من جهة أخرى.
آراء مختلفة
سلطت صحيفة "ذي غارديان" البريطانية الضوء على حيثيات القرار وكيفية استجابة المراهقين له، من خلال استطلاع آراء بعض المراهقين، ومدى تقبلهم للقرار في حال اتخاذه. ووصفت إحدى الفتيات من ملبورن - فكتوريا، التي تبلغ من العمر 14 عامًا، القرار بالرائع، وترى أن وسائل التواصل الاجتماعي مفيدة لخلق مساحات للنقاش بين الأصدقاء، لكن لها تأثيرات سلبية على الحياة الاجتماعية في الوقت نفسه.
في حين أن روزا (13 عامًا)، من منطقة برونتي، نيو ساوث ويلز، ترى أن الحظر لن يكون مريحًا، خصوصًا أنها تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للدردشة مع أصدقائها والبقاء على تواصل مع المقربين لها. ووجدت بيتا (11 عامًا)، أن الحظر مبالغ فيه، وأن المراهقين حتى سن الخامسة عشرة، قادرون على التمييز بين المعلومات المضللة وبين الحقائق.
يأتي الإعلان الذي أصدرته الحكومة بفرض حظر على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على أساس السن، جزءًا من اتجاه عالمي أوسع. ففي الولايات المتحدة، سنت العديد من الولايات أو اقترحت تدابير مماثلة، تهدف إلى تقييد وصول القصّر أو الصغار إلى وسائل التواصل الاجتماعي. ويحظر قانون حماية القصّر عبر الإنترنت في فلوريدا منذ شهر يناير/ كانون الثاني 2024 على مواقع التواصل الاجتماعي، السماح للمراهقين دون سن 14 عامًا بإنشاء حسابات.