اوراق خاصة

شهر رمضان المبارك.. شهر الصبر والجهاد..لا اللهو والترفيه

post-img

د. زينب الطحان/ خاص موقع أوراق

مؤسف ممّا نراه، في كل عام حين يحلّ علينا شهر رمضان المبارك، إذ تتحوّل أمسياته إلى برامج للترفيه واللهو والرقص، واستقبال فنانين لإحياء لياليه، هذا فضلًا عن المسلسلات الدرامية التي تهبط علينا من كل حدب وصوب. ولو كان فيها ذكر قرآني، ومفاهيم قرآنية أو تسرد العبر والحكم، أو تروي قصصًا من واقع الحال بقوالب فنية محترمة وعميقة المعالجة والطرح، لكان ذلك أمرًا مستحسنًا؛ غير أن المعروض جلّه من المسائل التافهة، وأغلبه يغرق في الفسق والفجور وشرب الخمر.. وكأنّ من عادات المسلمين، على اختلاف مجتمعاتهم ومذاهبهم، شرب الخمر والرقص والتعري.. فما بالك بشهر الصوم وهذه العبادة المقدسة؟..

إنّ شهر الصوم، لعظم آثار الصيام ورفعة منزلته بين العبادات لما فيه من تأديب للنفوس، تولّى الله تعالى جزاءه بنفسه، وإذا تولَّى شيئا بنفسه دلّ على عظمته؛ فعن النبي صلى الله عليه وآله قال: قال الله تبارك وتعالى: كل عمل ابن آدم هو له غير الصيام هو لي وأنا أجزى به، والصيام جنة العبد المؤمن يوم القيامة..".

خصائص شهر الله

يقول الشهيد الأسمى السيد حسن نصرالله إن شهر رمضان المبارك هو شهر العمل الدؤوب والتفرغ لعبادة الله وقراءة القرآن الكريم والتدبر بأياته، وهو ليس دعوة للراحة والكسل والترفيه. نعم؛ وهذه المعاني أكدها الرسول الأعظم في خطبته الفريدة في استقبال الشهر الفضيل، ومنها نستخرج أهم خصائصه:

  1. تفتح فيه الجنة، وتغلق فيه النار
  2. شهر التوبة والمغفرة وتكفير الذنوب
  3. شهر الصبر
  4. شهر الدعاء
  5. عمرة في رمضان تعدل حجّة
  6. الإكثار من الإنفاق والبذل في رمضان
  7. فيه ليلة خير من ألف شهر
  8. يكبح جماح النفس ويهذبها
  9. الصوم سبيل من سبل الجنة وباب من أبوابها
  10. يشفع للصائم يوم القيامة
  11. ثواب الصيام مطلق غير مقيد
  12. سبب السعادة في الدارين.

كما أنّ شهر رمضان المبارك قد سنّ لنا عادات اجتماعية، تسهم في شدّ الأواصر العائلية والاجتماعية، ومن أهم هذه العادات هي دعوات الإفطار مع القدرة عليها، ولو بشقة تمرة كما يقول الرسول الأعظم (ص). أضف إلى ذلك ليالي إحياء القدر حين يجتمع المؤمنون معًا لأداء مناسكها وأدعيتها وصلواتها، ولا يمكن أن ننسى روح التسامح والمودة، والحضّ على إطعام الفقراء والتحنّن عليهم.

كما نسأل لماذا شهر رمضان شهر الجهاد والقتال؟ أليس هو شهر العبادة والتقرّب إلى الله ونيل غفرانه وحسب؟

في السيرة النبوية الشريفة، نعرف أنّ أعظم معركتين في حياة الرسول (ص) وقعتا في هذا الشهر الفضيل. الأولى هي معركة بدر الكبرى، والتي كانت فرقانًا فرَّق الله به بين الحق والباطل، وأصبح للمسلمين بعدها العزّة والمنعة. والثانية هي فتح مكة، وبها زالت غربة الإسلام الأولى، وسقطت رايات الوثنية في البلد الحرام، وأصبح الإسلام عزيزًا في أرجاء الجزيرة العربية كلّها.

ما أشبه الأمس باليوم؛ فأي ذلّ يعيشه المسلمون؟ بيت المقدس محتلّ، وجزء من الأراضي العربية محتلة، ومن من؟ من العدو التاريخي للأمة الإسلامية وهم اليهود الصهاينة، والإمبريالية الأميركية الاستكبار الحديث يتحكّم في مقادير هذه الأمة ويذلها كل يوم، ويقتلون أبناءنا وشبانا ونساءنا وأطفالنا.. ومع ذلك؛ المسلمون اليوم، هجروا الجهاد والقتال في سبيل الله.. الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وبه تنال العزة في الدنيا والآخرة، وهو من أفضل الأعمال وأجلِّ القربات، وما ذلَّ المسلمون إلا عندما تركوا الجهاد، وركنوا إلى الدنيا، فتكالب عليهم الأعداء، وتداعت عليهم الأمم، كما تداعى "الأكلة إلى قصعتها"، والتذكير بالجهاد في هذا الشهر المبارك، تذكير بماض مشرق، نحن أحوج ما نكون إلى الاسترشاد به، لنخرج من أزمة طال أمدها، وبعد زمنها، حتى صرنا في مؤخرة الأمم، وأصبحنا مع كثرتنا غثاءً كغثاء السيل، فنـزع الله المهابة من قلوب أعدائنا لنا، وقذف في قلوبنا الوهن - حب الدنيا وكراهية الموت- فالتذكير بالماضي ينبغي أن يساق للعبرة، وللإفادة منه في صنع حاضرنا، ورسم صورة مشرقة لمستقبلنا.

مع كلّ شهر رمضان، من كلّ عام، يتحول- مع الأسف- إلى شهر تُنشر فيه الرذائل بحجة إمتاع الصائمين والترويح عنهم ثقل الصيام، وإلهاء المسلمين ببرنامج أقل ما يقال فيها هي مرتع لشياطين البشرية التي تفسد الناس وتبعدهم عن قيم الدين والأخلاق الحقة والسامية، والأنكى من ذلك كله تحوّل إلى شهر للتسول عند أبواب برامج تسوق للناس الحصول على المال عن طريق الإذلال والتسفيه محاطًا بأجواء الغناء والطرب !..

فوق هذا كله؛ تشويه حقيقة قيمنا الإسلامية وفي مقدمتها الجهاد؛ حين يصوّر أنه ثقافة الموت والقتل والدمار والفناء..في حين لم يُصنع الإسلام قيامته ومجده إلّا بالجهاد والتضحية في سبيل إقامة حكم الله على الأرض، فالجهاد هو ثقافة الحياة، كما يقول شهيدنا الأسمى :" الشهادة عندنا بقاء، الشهادة عندنا نصر، وأمير المؤمنين صاحب الذكر في هذه الليلة – ليلة الحادي والعشرين وهي ليلة القدر الثانية - معلّمنا الذي يقول "ألف ضربة بالسيف أحبّ إليّ من ميتةٍ على فراش". نحن رجالنا ونساؤنا يخافون الموت على الفراش، يعشقون الشهادة، ليس من أجل الموت، بل لأنّ الشهادة تصنع الحياة"...

الجهاد إن قام في شهر رمضان المبارك؛ يعطينا الله فوق العزّ عزًا أكبر وأجلّ؛ ففيه الصبر على الحرمان من الطعام والشراب وجهاد النفس الأكبر، والذي يوصلنا إلى الجهاد الأصغر، أي الجهاد في سبيل الله.. والعودة إلى هذه السّنة النبوية الشريفة ولتعاليم الشريعة الإسلامية هي من يصنع لنا العزة والكرامة والنصر.

إن عادت الأمة الإسلامية إلى تحقيق مفهوم الجهاد؛ عادت إلى هويتها الأصلية، وأحيت مجدها الغابر، ومعه تصنع مستقبلًا زاهرًا لأجيالها تمهيدًا لظهور خليفة الله على الأرض الإمام الحجة المنتظر (عج)؛ وما دمنا نتكاسل عن القيام بهذا الواجب سنبقى مجرد شعوب ذليلة يتحكمّ بها أنجس شعوب الأرض..

شهر رمضان المبارك؛ هو شهر الله رب العالمين؛ والذي خلق لنا فيه الأسباب لنتبعها، حيث نحقق المراد من خلقنا والجدوى من حياتنا في هذه الدنيا.. فإمّا حياة عزّ وكرامة وجنة في الآخرة، وإمّا خزي وعار وإلى جنهم وبئس المصير في اليوم الآخر.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد