أوراق ثقافية

«معاوية»: تسييس الحدث التأريخي وأدلجته بقلب الحقائق

post-img

علاء اللامي/جريدة الأخبار

مع تناول أحداث غزوة حُنين، يبلغ مسلسل «معاوية» ذروة التجهيل والتزوير المقصود في محاولة لأدلجة وتسييس الحدث التأريخي الفني لأغراض معاصرة قد لا تخلو من البواعث والميول الطائفية أو التكفيرية.

تزوير الحقائق في غزوة حُنين

لنقل هذا الحدث الضخم في السردية الإسلامية دراميًا، يرينا مسلسل «معاوية» مشاهد مضطربة لجيشين يلتحمان في الصحراء. يستمرّ القتال في لقطات سريعة لبضع ثوان، ثم يفر جيش الوثنيين المشركين، وينتصر المسلمون، فيما تكون عدسة الكاميرة مسلطة غالبًا وفي لقطات قصيرة متلاحقة على معاوية وهو يقتل الأعداء واحدًا بعد آخر على طريقة الكاوبوي الهوليودي الخارق، وهو يجندل السكان الأصليين. وأخيرًا، يرفع معاوية يديه متهللًا مكبرًا مع هزيمة جيش العدو. يصلح هذا المقطع ليكون مثالًا بالغ السوء على القراءة الفنية التلفيقية والمزيِّفة لوقائع تاريخية ثابتة فَصَّل فيها المؤرخون المسلمون القدماء أيما تفصيل.

أولًا، لم تجرِ وقائع غزوة حُنين في صحراء، بل في واد منحدر كثير الشِّعاب والشجر من أودية تهامة ويدعى «حنين»، فهو أقرب إلى الغابة منه إلى الصحراء المفتوحة كما تقول كتب المغازي كلها. وقد كمن المقاتلون، والقبيلتان الوثنيتان هوازن وثقيف بقيادة مالك بن عوف النصري لجيش المسلمين بناء على نصيحة الشاعر المُسن المرافق لهم دريد بن الصمة. وبلغ تعداد جيش المسلمين اثني عشر ألف مقاتل بينهم ألفان من الطلقاء الذين أسلموا كرهًا بعد فتح مكة كأبي سفيان وأولاده.

قسَّم النبي جيش المسلمين إلى كتائب؛ فكانت الأولى من بني سُليم بقيادة خالد بن الوليد في المقدمة، والثانية للمهاجرين بقيادة علي بن أبي طالب، والثالثة بقيادة الزبير بن العوام. وهناك تقسيم آخر أكثر تعقيدًا وفروعًا للمهاجرين والأنصار وللعرب المسلمين من أبناء القبائل والطلقاء.

كانت كتيبة خالد بن الوليد في المقدمة، وهي التي وقعت في الكمين المعادي، إذُ باغتها المقاتلون القبليون بالهجوم من مكامنهم وأمطروها بالنبال والحجارة، فتشتت شمل الكتيبة وقتل بعض مقاتليها وأصيب خالد بجروح بالغة وفرَّ كثيرون من الميدان نحو مكة.

م يبق مع النبي إلا نفرٌ قليل، اختلف الرواة في تحديد عددهم، فأبو حجر العسقلاني يقدرهم تارةً بأربعة أنفر: ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم، وكان علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب يقاتلان بين يدي النبي، وتارة يقدرهم بعشرة بينهم إضافة الى الأربعة سالفي الذكر أبو بكر وعمر بن الخطاب، وصعد رواة آخرون بالعدد إلى أربعين صحابيًا لم يكن بينهم أحدٌ من آل سفيان!

في تلك اللحظات العصيبة، ارتجز النبي أرجوزته الشهيرة: «أنا النبي لا كَذِب ...أنا ابن عبد المطلب »، واستمر يقاتل بسيفه هو ومن معه. ثم طلب من عمه العباس، الذي عرف بصوته الجهور القوي، أن ينادي على «أصحاب بدر» أن اقبلوا ولا تفروا! فحضر ممن شاركوا في معركة بدر العشرات وكأنهم الحرس الاستشهادي الخاص بالإسلام في ساعة الشدة.

بدأوا يتصدون للمقاتلين القبليين ويكشفونهم عن مواقعهم فمالت الكفة لمصلحة المحمديين. وبدأ مسلمون آخرون يعودون إلى الميدان، وانقلبت المعركة لمصلحة المسلمين وهُزمت قبيلتا هوازن وثقيف في النهاية تاركين خلفهم غنائم ضخمة!

كانت حُنين معركة هائلة ومعقدة من عدة أجزاء، كاد يباد فيها جيش المسلمين، وهرب معظم مقاتليه في جزئها الأول. ثم، وبسبب ثبات آل بيت النبي والمسلمين الأوائل البدريين، لا الطلقاء، انتصر المسلمون انتصارًا حاسما وصعبًا. لقد تحولت هذه الأحداث التي فصَّل فيها المؤرخون وكتاب السِّير القدماء إلى مشاهد تلفزيونية ركيكة كالتي التي عُرضت، فهل هذا معقول ويمكن تبريره؟

ترى، ألم يقرأ المؤلف والمخرج شيئًا عن تفاصيل هذه الغزوة في أمهات الكتب الإخبارية وموسوعات التراث؟ ألم يقراآ ما ورد بخصوصها في القرآن الذي تحدث عن هذه المعركة بتفصيل كافٍ، وعلل سبب هزيمة المسلمين في بدايتها، تقول الآية {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ/ التوبة 25}، أم إنَّ همهما كان مُنصبًا على إظهار آل سفيان أبطالًا!

ثم أين نضع روايات وأحاديث معاكسة لرواية المسلسل وردت في أهم المصادر السُّنية وقالت إنَّ «أبا سفيان وبعض أهله اعتزلوا النبي (فارقوه وابتعدوا عنه) قبل بداية معركة حُنين وشمتوا بهزيمة المسلمين »، ففي «شرح مشكل الآثار » (6 / 412) للإمام الطحاوي المولود في القرن الثالث الهجري بصعيد مصر، نقرأ بعد سلسلة العنعنة: «لَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ يَوْمَ حُنَيْنٍ جَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَقُولُ: لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ، وَصَرَخَ كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ وَهُوَ مَعَ أَخِيهِ لِأُمِّهِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ: أَلَا بَطَلَ السِّحْرُ الْيَوْمَ" يقصد السحر الذي رموا به نبي الإسلام ». ونجد هذه الرواية بنصها هذا في «تاريخ الطبري» (224 هـ - 310 هـ ــــ ص 347 مج2 - دار مؤسسة الأعلمي).

نقرأ في ص 197 من «سير أعلام النبلاء » للذهبي وهو من أهل القرن السابع الهجري ما ورد من وصف للأحداث صباح يوم غزوة حنين حيث كتب: «فلما أصبح القوم، اعتزل أبو سفيان، وابنه معاوية، وصفوان بن أمية، وحكيم بن حزام، وراء تل، ينظرون لمن ستكون الدَّبرة (الهزيمة) ». كما ورد هذا الحديث في مغازي التابعي عروة بن الزبير بن العوام (ت 94 هـ/713) ولم يُعرف عنه أنه كان مناوئًا لبني أمية بل كان مقربًا منهم!

نقدُ بعض نقدِ المسلسل

نال مسلسل معاوية الكثير من النقد في أيامه الأولى، وكاد يتحول إلى قضية رأي عام وفضيحة فنية (بجلاجل)، وخرج النقاد والصحافيون غالبًا بأحكام سلبية قاسية عليه وعلى القائمين عليه، ودعا بعضهم لمقاطعته ثم انحسر اهتمام النخبة وعامة الناس به وكاد يتوارى تمامًا بين المسلسلات الرمضانية.

مما كُتب من نقد عن هذا المسلسل أتوقف عند مثالين. الأول كتبه د. عبد الله معروف، أستاذ السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي في «جامعة 29 مايو» في إسطنبول، وهو ممن يترضَّون على معاوية، فسجل على لغة المسلسل ركاكتها وبعدها عن جزالة لغة ذلك العصر، وضرب لذلك مثالًا في ما قالته هند بنت عتبه مُناغيةً وليدها معاوية: «أنتَ إنجازي الأعظم »!

إذا كنا نتفق مع د. معروف على أن هذه العبارة المستحدثة المعاصرة ناشزة وركيكة، فليس من السهل الاتفاق معه على وجوب كتابة حوار المسلسلات التاريخية في عصرنا بلغة عصر صدر الإسلام. فعلى صعوبة ذلك تنفيذيًا، من المرجح أنَّ كُثرًا من المشاهدين اليوم لن يفهموها بسهولة. والحل كما أعتقد يكون في استعمال لغة وسيطة لا تجنح إلى الجزالة والتقعر اللفظي القديمين ولا تسقط في المباشرة والركاكة الفظة كلغة «أنت إنجازي الأكبر»!

يتساءل الناقد وهو هنا على حق: «متى كان العرب في مكة يلبسون القفطان العثماني وملابس العصر المملوكي؟!». أما من الناحية التاريخية، فيجد د. معروف فرقًا بخمس سنوات بين عمر معاوية في المسلسل وعمره في المصادر التأريخية. والحقيقة، فلا يوجد عمر متفق عليه في المصادر القديمة لمعاوية. إذْ أنَّ هناك أكثر من تقدير لعمره بين من قال، ولد مُعاوية قبل البعثة بخمس سنين، وقيل بسبع، وقيل: بثلاث عشرة، أي أن الفرق في المصادر القديمة يصل إلى ثماني سنوات.

نقد يوسف زيدان للمسلسل

كما انتقد الكاتب المصري يوسف زيدان، الذي يُعرِّف نفسه بـ «الباحث المتخصص في التراث العربي المخطوط وعلومه » مسلسل «معاوية». ومما قاله في هذا الصدد: إنَّ المسلسل «أظهر مكة قبل وبعد الإسلام كروما القديمة، ومعاوية كسقراط ». وهذا كلام مرسل وغير صحيح البتة؛ فالبنايات والبيوت كلها طينية وبسيطة وذات طابق واحد. والأدوات الحياتية والملابس والإكسسوارات بسيطة جدا بما فيها بيوت الخلفاء كبيت عثمان وهو أغاناهم، وهذا ما شاهده المشاهدون على الشاشات.

لقد سجلنا في مقالة سابقة أن المخرج أظهر بلاط كسرى وكأنه حمام تركي مهجور خالٍ من مظاهر الأبهة الرومانية. ولكني أضيف الآن، أنَّ الحلقات اللاحقة، وبدءًا من الحلقة العاشرة، تحسنت فيها الديكورات كثيرًا، وخصوصًا قصر معاوية بدمشق الشام. ولا أدري عن أي روما يتكلم يوسف زيدان، خصوصًا وهو يعلق على الحلقة الأولى وشيئا من الثانية من المسلسل فقد اعترف بأنه لم يتمكن من مشاهدة أكثر من حلقة وثلث!

يعترض يوسف زيدان على أن معاوية لم يكن كاتبًا للوحي لأن عمره حين توفي النبي كان أحد عشر عامًا.

وهذا تخريج غير صحيح في أي حساب حسبناه. وإذا كنا نتفق مع زيدان على أن معاوية لم يكن من كتاب الوحي، ولكن لسبب آخر غير صغر سنه، بل لأنه لم يكن كاتبا للوحي بل كاتبًا للنبي يملي عليه مراسلاته مع الأمراء وزعماء القبائل العرب. أما لناحية عمره، فما يقوله زيدان ليس صحيحًا؛ فقد توفي النبي في ربيع الأول سنة 11 هـ / حزيران - يونيو 632 م. أما معاوية، فقد ولد على أرجح الروايات وأقواها في 15 ق. هـ / 608 م. وهذا يعني أن عمر معاوية حين توفي النبي كان لا يقل عن 25 عامًا. وإذا افترضنا أنه أصبح واحدًا من كتاب النبي بعد فتح مكة، فيكون عمر معاوية عندها ليس أقل 22 عامًا. فكيف خرج علينا زيدان بهذه الحسبة؟

معاوية كاتب الوحي أم القبائل؟

يحتفل المسلسل في الحلقة الثانية بكون معاوية صار أحد كتاب الوحي النبوي، ويعطي لهذا الأمر أهمية استثنائية خارقة ويخصص له العديد من المشاهد الطويلة، والهدف هو دائمًا تنزيه بطل المسلسل ومنحه صفات إيجابية شتى حقًا أو باطلًا. والحال فإنَّ كتابة الوحي ليس شيئًا يُقدِس أو يعصِم فاعله.

ينكشف لنا الحجم الحقيقي وغير المهم لهذه الحيثية حين نعلم أن معاوية كان واحدًا من عدد كبير من الكتاب في خدمة النبي. فقد قال بعض المؤرخين إنهم ثلاثة عشر، وصعد بهم ابن كثير في «البداية والنهاية » إلى ثلاثة وعشرين كاتبًا، وبالغ آخرون فقالوا بل هم أربعون كاتبًا. ويمكن القول إنَّ هؤلاء هم غالبية إنْ لم يكونوا جميع من كانوا يجيدون الكتابة في مجتمع مكة الصغير الجاهلي، والذي لم يعرف الكتابة كثيرًا من قبل.

لقد أورد الإمام عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن صاحب «تخريج الأحياء» أنّ ثلاثة من كتاب الوحي ارتدوا عن الإسلام وهم ابن خطل وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، أخو عثمان بن عفان في الرضاعة، وثالث لم يذكره اسمه.

بمراجعة كتب التراث والمصادر الوثيقة لم يثبت أصلًا أنّ معاوية كان كاتبًا للوحي؛ ففي «سير أعلام النبلاء » للذهبي، نقرأ أن زيد بن ثابت كان كاتب الوحي، وكان معاوية كاتبًا لما بين النبي وبين العرب.

ورد في «الإصابة في تمييز الصحابة » للحافظ ابن حجر الهيثمي هذا الخبر تكرارًا. قال: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي وكان معاوية يكتب للنبي فيما بينه وبين العرب.

«ولم يُصَرَح بكتابة معاوية للوحي إلا في حديث لأبي عوانة الإسفراييني النيسابوري وهو حديث موضوع لا يصح » كما كتب الباحث الإسلامي عدنان إبراهيم في مقالة له على مدونته بعنوان «هل كتب معاوية الوحي » (21 شباط/ فبراير 2011).

لقد جاءت الضربة الأخيرة والقاضية لهذا الزعم من الفقيه الحنبلي المتشدد صاحب كتاب «تلبيس إبليس » الذي لا يمكن اتهامه بممالأة العلويين وشيعتهم، ابن الجوزي القرشي البغدادي (510هـ - 597 هـ) في كتابه «دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ». هنا ردَّ على ابن كثير الذي وصف معاوية بأنّه «كاتب وحي رب العالمين وخال المؤمنين »، فخاطبه قائلًا: «وأما قولك (ومعاوية كاتب وحي رب العالمين) فليس بصحيح، وذلك لأنَّ معاوية أسلم عام الفتح، وهو وأبوه من الطلقاء، وقد أسلم في أوقات قد فرغ فيها نزول الوحي ووصل عند قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا - سورة المائدة آية 3 ﴾ فماذا سيكتب معاوية بعد هذا؟ » (دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ص242" - طبعة دار الإمام النووي ـــ حققه وقدم له حسن السقاف). ويضيف ابن الجوزي في كتابه هذا، أن معاوية حتى حين كتب رسائل النبي إلى زعماء القبائل العرب فهو لم يكتب إلا ثلاث رسائل، فيقول: «وليكن معلومًا أنه -معاوية - أيضًا ما كتب للنبي (ص) إلا ثلاث رسائل – م.س ».

من طريف ردود ابن الجوزي على ابن كثير، رده بخصوص وصف معاوية بـ «خال المؤمنين »، كتب: «فأما قولك «خال المؤمنين »، فليس بصحيح البتة، لأنه لم يرد في سنة صحيحة أو أثر. وعلى قولك هذا في الخؤولة، فإن حُيي بن أخطب اليهودي يكون جد المؤمنين لأنه والد السيدة صفية زوجة النبي "ص"- م.س.

إن مشكلة أهل مسلسل «معاوية » والمسلسلات التأريخية التجارية المماثِلة المؤدلجة بالفكر السلفي التكفيري ذي الدوافع الطائفية المعاصرة، ومهما بُذِلَ عليها من ملايين الدولارات، إنها باتت تُصنع في زمن صار من السهل فيه حتى على المسلم البسيط وقارئ العربية غير المتخصص الوصول إلى أمهات المصادر التراثية بسهولة تامة، ليتبن له الحقُّ من الباطل والغثُّ من الثمين والصحيح من السقيم والحقيقي من المزور والمُدَلَس. وفي ما أثاره هذا المسلسل من ردود أفعال درسٌ قاسٍ ولكن مفيد لمن يتعظون من أخطائهم وأخطاء غيرهم!

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد