يارا جمعة (جريدة الأخبار)
هل سبق أن لاحظت أغطية كوكاكولا الصفراء؟ قد تبدو مجرد تفصيل صغير، ولكنها في الواقع تحمل قصة تسويقية وسياسية أعمق مما تتخيل. في كل عام، خلال عيد الفصح اليهودي، تطرح كوكاكولا نسخة خاصة من مشروبها، تحمل علامة «Kosher for Passover» وغطاءً أصفر بدلًا من الأحمر المعتاد.
ما يبدو وكأنه مجرد تكيّف مع متطلبات دينية، يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول سياسات الشركات الكبرى، ومدى استعدادها لبذل جهود استثنائية لضمان ولاء بعض المستهلكين. فيتحول الغطاء الأصفر من مجرد علامة تجارية إلى رمز لأبعاد أكبر، تتجاوز حدود التسويق التقليدي إلى قضايا الولاء والتأثير الاقتصادي، بل وحتى الأخلاقي.
متى تأسست شركة كوكاكولا؟
يعود تاريخ شركة كوكاكولا إلى 8 أيار عام 1886 على يد الصيدلي جون ستيث بمبرتون في أتلانتا، جورجيا. وبعد ذلك بعامين، التقى الكيميائي آسا جريجز كاندلر المخترعَ الأصلي للمشروب، حيث قام لاحقًا بشراء حقوقه وتطويره. في البداية، سُوّق المنتج كمنشط طبي يُعتقد أنه يساعد في تخفيف بعض الأمراض، ولكنه سرعان ما تحول إلى أحد أشهر المشروبات الغازية عالميًا.
على مدار العقود، توسعت شركة كوكاكولا لتصبح واحدة من أكبر شركات المشروبات في العالم، معروفة بشعارها المميز وحملاتها التسويقية الناجحة. ومع ذلك، واجهت الشركة انتقادات بسبب سياساتها، لا سيما علاقتها بالاحتلال الإسرائيلي، ما جعلها هدفًا لحملات المقاطعة في عدد من الدول.
ما علاقة منتجات شركة كوكاكولا بنظام «كشروت» الغذائي؟
يُعد عيد الفصح اليهودي من أهم المناسبات الدينية، حيث يلتزم اليهود بنظام غذائي يُعرف بـ"كشروت". يرتبط التعبير في اللغة العبرية بالنظام العام الذي يحدد ما يحل وما يحرم أكله من أنواع الطعام المختلفة. من بين القواعد الأساسية لهذا النظام الامتناع عن استهلاك أي أطعمة تحتوي على «الخمير»، وهو أي منتج خضع لعملية التخمير، مثل القمح أو الشعير أو الذرة.
تأثير قوانين كشروت الغذائي على سياسة شركة كوكاكولا
في كل عام خلال عيد الفصح اليهودي، تطلق كوكاكولا نسخة خاصة من مشروبها الشهير، ولكن القصة وراء هذا المنتج تعود إلى الثلاثينيات. آنذاك، لاحظ أحد الحاخامات في أتلانتا، حيث يقع مقر الشركة، أن المنتج العادي يحتوي على شراب الذرة عالي الفركتوز، وهو مكون غير ملائم للاستهلاك خلال العيد وفقًا لقوانين «كشروت». طلب الحاخام إصدار تركيبة من منتجات شركة كوكاكولا تتماشى مع هذه القواعد الغذائية.
لم تتردد الشركة في الاستجابة. استبدلت شراب الذرة بالسكر الطبيعي، ما جعل المشروب متاحًا للجميع خلال هذه المدة الخاصة. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا التقليد جزءًا من سياسة شركة كوكاكولا، حيث تُميز هذه النسخة بعبارة "Kosher for Passover" وغطاء أصفر مميز، ليتحول إلى رمز معروف بين المستهلكين الذين يترقبونه كل عام.
من يُظهر الولاء للآخر: كوكاكولا أم المستهلك؟
قد يبدو الأمر بسيطًا، ولكنه في الواقع عملية مكلفة ومعقدة. كوكاكولا لا تغيّر وصفتها بسهولة؛ فتعديل خط الإنتاج واستبدال المكونات يكلّف الشركة مبالغ كبيرة سنويًا. ورغم ذلك، لا يتم رفع سعر المنتج، ما يعني أنه لا يوجد أي ربح مباشر من هذه الخطوة. هذا يطرح تساؤلًا جوهريًا: لماذا تستثمر الشركة هذا المبلغ الضخم في إنتاج مشروب مخصص لمدة قصيرة من السنة دون أي عائد مالي؟
الإجابة تكمن في الولاء الاستهلاكي. فالغطاء الأصفر، الذي يُنظر إليه على أنه مجرد تعديل موسمي، يعكس في الواقع سياسة طويلة الأمد لكوكاكولا في استرضاء المستهلك اليهودي، حتى لو كان ذلك على حساب فئات أخرى من المستهلكين حول العالم. فبينما تضمن ولاء فئة محددة، تخسر في المقابل احترام ودعم الملايين من المستهلكين الذين باتوا أكثر وعيًا بدورها في دعم الاحتلال الإسرائيلي.
حملات المقاطعة: هل آن الأوان لإعادة النظر في استهلاك كوكاكولا؟
عادةً، يُقال إن العلامات التجارية الناجحة هي تلك التي تبني قاعدة وفية من المستهلكين، ولكن في حالة كوكاكولا، يبدو أن المعادلة معكوسة. ما بدأ كمجرد تغيير في لون الغطاء أصبح اليوم نموذجًا يُدرّس في التسويق العالمي. الشركة لم تترك مجالًا للمصادفة، بل بنت علاقة طويلة الأمد مع فئات استهلاكية محددة، حتى لو كان الثمن مدفوعًا من أرباحها المباشرة.
لم يعد الغطاء الأصفر مجرد تفصيل في تصميم شعار كوكاكولا، بل أصبح رمزًا يعكس سياسات أعمق تتجاوز حدود التسويق. فعبر استجابتها الدقيقة لمتطلبات فئة معينة من المستهلكين، تؤكد الشركة استعدادها لتغيير تركيبتها وإعادة ضبط خطوط إنتاجها، بينما تتجاهل بالمقابل حملات المقاطعة المتصاعدة ضدها في الدول الداعمة للقضية الفلسطينية.
إن المقاطعة ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل هي إستراتيجية اقتصادية تهدف إلى التأثير على الشركات التي تستفيد من الأسواق الداعمة للاحتلال أو توفر له أي شكل من أشكال الدعم. في هذا السياق، تصبح قرارات مثل إنتاج نسخة "Kosher for Passover" أكثر من مجرد تلبية لحاجات دينية، بل تتحول إلى مؤشر على مدى التزام العلامة التجارية بمصالح فئة معينة من المستهلكين. ولكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: هل كانت هذه الفئة من المستهلكين وفية لكوكاكولا طوال الوقت، أم إن الشركة هي التي أظهرت ولاءً غير مشروط لهم؟