حسين كوراني
ما يجري في الصومال، اليوم، من مطالبة قسمها الشمالي المعروف بـ"أرض الصومال" بالانفصال عنها، لا يمكن فصله عما يجري في المحيطين العربي والإفريقي. القضية ليست محصورة بالجغرافيا السياسية لدولة عربيّة إفريقيّة ذات سيادة، بل سيكون له تداعيات جيوسياسية خطيرة تهدد عدد من الدول، وخاصة التي تطالب بالتقسيم.
موقع استراتيجيّ مهم
يمتلك إقليم "أرض الصومال" موقع استراتيجيّ جدًا مهم، فإطلالته على خليج عدن وباب المندب وامتلاكه ميناء بربرة الكبير جعلاه ساحة جذب للاستقطاب الدوليّ والإقليميّ، في ظلّ تنافس على أمن الملاحة والطاقة وحركة التجارة العالميّة والصيد البحريّ، ولا سيما بعد مساندة الحوثيّين لغزة وعسكرتهم البحر الأحمر وخليج عدن، وقبل ذلك تنامي خطر القرصنة الصوماليّة.
الصومال ضحيّة التفتيت الاستعماريّ
تتكون دولة الصومال من خمسة أقاليم، واختارت لها علمًا لونه أزرق تتوسّطه نجمة خماسيّة ترمز إلى حلم الصوماليّين بالعودة إلى "الصومال الكبير"، والذي مزّقه الاستعمار عقب مؤتمر برلين في العام 1884 بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا.
سيطرت إيطاليا على الصومال الجنوبيّ وعاصمته مقديشو، وبريطانيا على الصومال الشماليّ "أرض الصومال" وعاصمته هرغيسا، وفرنسا على شريط جيبوتي الذي صار لاحقًا دولة مستقلّة، علاوة على إقليم أوغادين الصوماليّ الذي ابتلعته إثيوبيا، والأجزاء التي ضُمّت إلى كينيا.
مع إعلان الصومال الشماليّ استقلاله بعد خروج بريطانيا في نهاية حقبة الاستعمار، في العام 1960، نال الصومال الجنوبيّ استقلاله في العام ذاته من إيطاليا باسم "جمهورية الصومال". على الأثر، اتّفق زعماء الشطرين على الوحدة لتكوين دولة واحدة عاصمتها مقديشو. غير أنّ هذه الوحدة لم تدُم طويلًا، وعمت فوضى شاملة انتهت بحرب أهليّة أطاحت كيان الدولة، ودَفعت بإقليم "أرض الصومال" إلى الانفصال عن مقديشو في العام 1991 من دون أن يحظى بأيّ اعتراف دوليّ.
إبحثوا عن "إسرائيل" وأدواتها
بعد إعلان الإقليم الشمالي الانفصال، سارعت "إسرائيل" وحدها للاعتراف به. يعد إعلانها هذا إطلاقًا لمسار منظّم للعبث بالخرائط وكسرًا لمبدأ وحدة الأراضي وإعادة هندسة المجال الحيويّ العربيّ، من غزّة إلى ليبيا ومن السودان إلى سدّ النهضة ومن سوريا الى اليمن، وصولًا إلى باب المندب والبحر الأحمر.
منذ احتلال "إسرائيل" لمدينة أمّ الرشراش جنوب فلسطين المحتلة في العام 1949 وتحويلها إلى "إيلات"، تعمل "تل أبيب" على كسر الطوق العربيّ عليها وتوسيع مجالها الحيويّ جنوبًا عبر قواعد وتسهيلات واتّفاقات مع دول القرن الإفريقيّ، وصولًا إلى مضيق باب المندب. يأتي الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" امتدادًا طبيعيًّا لهذه العقيدة: كيان هشّ خارج الشرعيّة الدوليّة، قابل للتحوّل إلى منصّة عسكريّة واستخباريّة منخفضة الكلفة السياسيّة، مرتفعة القيمة الأمنيّة.
تزداد خطورة المشهد مع ما تسرّب عن ربط إسرائيليّ غير معلن بين الاعتراف وملفّ تهجير الفلسطينيّين من غزّة. وهذا ما يحوّل "أرض الصومال" من نقطة ارتكاز بحريّة إلى جزء من هندسة ديمغرافيّة–أمنيّة إقليميّة تعيد فتح أخطر ملفّات الصراع العربيّ–الإسرائيليّ.
كما أن الاعتراف قد يفتح الباب أمام سيناريوات أخطر، بينها الاعتراف بكيانات جديدة في غرب السودان وسوريا جنوب اليمن، الأمر الذي يجعل الدخول الإسرائيليّ إلى القرن الإفريقيّ خطوة محسوبة في استراتيجية قديمة–جديدة، هدفها تطويق مصر والعالم العربي من الجنوب، والتحكّم بالممرّات البحريّة الحيويّة وفرض وقائع أمنيّة جديدة عند باب المندب والبحر الأحمر.
في قلب هذا المشهد، يبرز الدور الإماراتيّ عاملا مكمّلا للدور الإسرائيلي. أسهمت استثمارات "موانئ دبي" في ميناء بربرة، إلى جانب الشراكة الأمنيّة والعسكريّة مع سلطات هرغيسا، في تكريس واقع انفصاليّ موازٍ للدولة الصوماليّة المركزيّة، ووفّرت بنية تحتيّة جاهزة لأيّ حضور دوليّ لاحق. على الرغم من إعلان أبو ظبي دعمها لوحدة الصومال الفدراليّ، أسهمت الوقائع على الأرض في تعميق الانقسام، وفتحت الباب أمام توظيف الميناء والمنطقة في صراعات النفوذ الإقليميّ والدوليّ، كما حصل سابقًا في سوريا واليمن وليبيا حين كانت الإمارات من أقوى اللاعبين في هذه الدول.
الانفصال بداية لمحاصرة مصر
كما أن ما يجري حول مصر لم يعد سلسلة أزمات منفصلة، هو مشروع متكامل لتطويقها: خنق مائيّ من الجنوب، ضغط بحريّ من الشرق، واستنزاف أمنيّ من الغرب. لا يكمن الخطر الحقيقيّ في حدث بعينه، إنما في تراكم الوقائع، وضوح الأهداف، تكامل أدوار اللاعبين وغياب ردع عربيّ فعليّ.
في هذا السياق، لم يكن الاتّفاق الإثيوبيّ–الصوماليّ، في مطلع العام الماضي، حدثًا معزولًا، حين استأجرت أديس أبابا شريطًا ساحليًّا في بربرة لمدّة نصف قرن. قرأت القاهرة الخطوة بدقّة ورأت فيها محاولة لكسر الجغرافيا وخلق "سدّ نهضة بحريّ" يُكمل الضغط المائيّ على مصر، ويؤسّس لنفوذ إثيوبيّ ممتدّ إلى خاصرة البحر الأحمر، بدعم إسرائيليّ غير معلن.
في النتيجة، لم يعد المطلوب بيانات قلق ولا إدانات لفظيّة، بل ملء الفراغ وموقف صريح من العرب: لا شرعيّة لأيّ وجود عسكريّ إسرائيليّ على ضفاف البحر الأحمر، ولا تسامح مع تحويل القرن الإفريقيّ إلى منصّة تهديد دائم للأمن العربيّ.
التطبيع السياسيّ، حيث وُجد، لا يمكن أن يتحوّل إلى تفويض أمنيّ يعبث بالجغرافيا، ويعيد رسم الخرائط. المعركة ليست معركة حدود، بل معركة وعي وإرادة. ومن لا يدرك خطورتها الآن، فسيدفع ثمنها حين يصبح التطويق الصهيوني واقعًا لا رجعة عنه، كما حصل في فلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر.