اوراق خاصة

موقف الخُولي الآرسطي من مراد وهبة في القضية الفلسطينية وأزمة النسبية الفلسفية

post-img

آيات عبد المنعم/ كاتبة مصرية

توفي مراد وهبة جبران([1]) الأكاديمي والفيلسوف المصري، مساء الأربعاء 7 يناير/كانون الثاني 2026، عن عمرٍ يناهز 100 عام، بعد تعرضه لوعكة صحية، وشُيعت جنازته من كنيسة مارمرقس كليوباترا، في مصر الجديدة في القاهرة. نعته شخصيات رسمية وأكاديمية بارزة، إلاّ أنَّ عزاء الدكتورة يمنى طريف الخولي([2]) تصدر المشهد الثقافي بكلماتهِا الفصل، فحصدَ تفاعلًا واسعًا على "الفيسبوك". ممّا جاء فيه: "مات مراد وهبة.. خالص عزائي للصهيونية العالمية. فقد آمن بالصهيونية كما لم يؤمن بها مخلوق من قبل، ولا من بعد. يصعب أن نقول: الله يرحمه، لأنه لم يرحم مئات الألوف من ضحايا غزة، فلم يُغير موقفه قيد أنملة، ظلت إسرائيل في ناظريه فوق الحساب، مثلا أعلى يحتذى في يسارها. وفي يمينها." لكن لفتت، في الآن نفسه، تقديرها لدوره العلمي، وأنّه من منحنها درجة أستاذ مساعد، وأعطاها الدرجات العليا في أبحاثها كلها.

انقسمت الآراء بين مؤيدٍ ومعارض، ومنهم من اتهمها بالسلفية الدينيّة، فقد أشارت جريدة القدس العربي في مقالٍ لأحد كتّابها: "بأنَّ تعليق الخولي لا يندرج تحت النقد الفكري، بل يمثل شكلًا من الإقصاء الأخلاقي، وأكدوا أنَّ الاختلاف السياسي أو الفكري مع مراد وهبة حق مشروع، لكن تحويل هذا الاختلاف إلى حرمان من الرحمة الإلهية هو تجاوز خطير"([3]).

حقيقةً؛ ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو الخروج من سجال الاتهامات وعدم شَخصنةِ القضية وحصرِها بينَ أسماء تتصارع, إذ لا حاجة للأستاذين بحجم وهبة والخولي لمن يدافع عنهما، ولن يعكر صفو تاريخهما من ينتقدهما نقدًا غير موضوعي. برأيي؛ أنّنا أمام مشروعين فكريين يقدم كل واحد منهما رؤية مغايرة إزاء القضية الفلسطينية، وعلينا بصفتنا طلاب معرفة، دراسة هذين الموقفين بين مراد وهبة، حيًّا وميتًا، وبين يُمنى الخولي؛ لأنَّ الأفكار لا ترحل برحيل الأسماء. وجدير بالذكر، إنصافًا للحقيقة، أنَّ الخولي لم تسجل موقفها الفكري من وهبة بعد وفاته، بل صرحت بذلك مرارًا في حياتهِ أيضًا.

فلسفة الرأي والرأي الآخر

موقفا الخولي ووهبة من القضية الفلسطينية المتباين ليس غريبًا عن الفكر الفلسفي، نجدهُ كذلك عند الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي نصير القضية الفلسطينية، بخلاف الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس الذي أعلن تضامنه مع الكيان الإسرائيلي وأدان الضحية. كل من انتقد موقف الخولي يتغافل عن دور الفلسفة النقدي الموضوعي، فتاريخ الفلسفة قائمٌ على سلسلة غير متناهية من الرؤى النقدية وتباين طرائق التفكير بينَ فيلسوف وآخر، ما ولّدَ أنساقًا فلسفية كثيرة. على سبيل المثال لا الحصر؛ أبرز فلاسفة اليونان أفلاطون وتلميذه أرسطو الذي تبنى موقفًا نقديًا من أستاذُه، إذ تُنسب إلى أرسطو المقولة الشهيرة: "أفلاطون صديق، والحقيقة صديقٌ أسمى"، مسوغًا ذلك بوجوب تقديم الحق على الأشخاص؛ لأن واجب الفيلسوف الأخلاقي بنظره يُحتم عليه الانحياز للحقيقة العلمية والمنطقية.

في ضوء هذا الموقف الفلسفي؛ نستطيع فهم موقف الخُولي من مراد وهبة، وكأنَّ لسان حالها يقول: "مراد وهبة صديق في رحاب الفلسفة، والحقيقة صديقٌ أسمى وفلسطين هي همي الأكبر". هي مارست حقها النقدي الطبيعي انطلاقًا من أرضية فلسفية. لكن من المثير للجدل استهجان التيار العلماني موقف الخولي واتهامها بالأصولية الدينية المتشددة، مع علمهم أنَّ من يقف على أرضِ التفكير النقدي الموضوعي لا يستطيع المُداهنة في القضية الفلسطينية، ويتغاضى عما يحدث من إبادة جماعية في غزة، وحين تُقوّم تجربة إنسان ما إزاء تلك القضية تكون دراستهُ خاضعة لنظرة موضوعية يحاول فيها تجنب عواطفه وانفعالاته، ويكون على معرفة بسيرتهِ العلمية والعملية ومواقفه الإنسانية.

هم يدركون أن الخولي تنطلق من قاعدة علمية أصيلة، فهل كان المطلوب منها تزيف الحقائق بعد وفاة وهبة، وعدم أخذ موقف معرفي إزاء القضية الفلسطينية العادلة؟ على غرار بعض الرؤى السلفية التي تطوي ما حدث في التاريخ الإسلامي من "فتنة كبرى" وطمس كل ما فيها من حروب ونزاعات تحت شعار "فتنة وقى المؤمنون شرها"؟ فيتوجب على المسلم السكوت عنها وتجنب الحوار فيها، أو على غرار "سيدنا فلان قتل سيدنا فلان!".. الغريب في الأمر أن العلمانية تعيب على تلك الرؤى السلفية التي تُقدس بعض الشخصيات الدينية، وتتجنب المنهج النقدي التاريخي في رصد الأحداث وتقويم الوقائع موضوعيًا، وفي الوقت ذاته، من حيث لا تشعر تقع في أزمة تأليه مفكريها الراحلين.

مواقف العلمانيين وفلسفة "سفسطائية" ما بعد الحداثة

حين ظهرت النسبية الخُلُقية في الفكر الغربي الحديث حاملةً في بذورها إرث الفلسفة السفسطائية، والتي بالغت في تأكيد نسبية المعارف والمفاهيم البشرية كافة([4])، بما فيها المعايير والقيم الأخلاقية، عُرفت بصفتها تحريرًا للإنسان من سلطة المرجعيات الدينية والميتافيزيقية؛ لكنها تدريجيًّا أحدثت فراغًا قِيَميًا حلّت فيه القوة محلّ الحقّ. حذّر المفكر الإيطالي بول ريكور من هذا المسار، حين أشار إلى أنّ ما بعد الحداثة، بتفكيكها المرجعيات الكبرى، أنتجت نسبية شاملة، جعلت القيم كلّها عرضة للانتهاك باسم الاختلاف([5]). في هذا السياق سرعان ما أصبحت النسبية سيدة الحقول المعرفية والميادين الحياتية كلها، فشكّلت العالم وفقًأ لمعايير القوى المهيمنة؛ فكلّ قيمة يمكن تأويلها وإعادة توجيهها بحسب الحاجة: الديمقراطية تصبح مشروطة، وحقوق الإنسان تُجزَّأ، والحُريَّة تُعطى للبعض، وتُسلب من آخرين. كما أضحت القيم الكبرى، مثل العدالة والخير، مشروطة بمزاج الأفراد وأهوائهم. انطلاقًا من هذه "النسبية" المزاجية، يمكننا فهم أولئك العلمانيين في دفاعهم عن مواقف "وهبة" المطبّعة مع العدو الصهيوني.

إذ إن القضية الفلسطينية ومأساة شعبها اليومية، والتي لا يختلف عليها إلاّ من يجحد الحق، ويُنكر الوقائع التاريخية بأحقية شعبها، تحتم على الضمير الإنساني التبرأ من النخب كلها، شرقًا وغربًا، ممن يشاركون في تلك الجريمة سواءً بالقوّة الغاشمة أو الناعمة، أو بالصمت الذي خذل الحقّ ونصر الباطل. على الرغم من تعرض الخولي لحملة تشويه مُفعتلة إثر موقفها ذاك من وهبة، إلاّ أنَّها لا ترغب بأي دفاع شخصي، فقد أرادت دق ناقوس الخطر للفت الأنظار نحو مناصرة القضية الفلسطينية؛ لا سيما أن المذكور كان لدوره وأرائه أثر لا يستهان به. إذ لم يكن فيلسوف الظلِّ معتكفًا بين كتبهِ وقاعات الدرس، بل كان تحت الضوء يظهر في العديد من اللقاءات الإعلامية والندوات الفكرية، وكان منشغلا بإبداء رأيه في العديد من القضايا التي تعني المجتمعات العربية. يمكن عدّه فيلسوفًا مارس العمل السياسي... وموقفه من الصهيونية كان جليًا علنيًا، وأتعجب من تعليق أحد الأساتذة الكبار في جامعة القاهرة بأنَّ الحديث عن دعم مراد وهبة لصهيونية كلام مرسل!.. فلا يخفى على أحد دفاعه عما يراه حقًا لكيان الاحتلال، فقد مدح عبقرية أنور السادات، وتحسَّر على مصير إسحاق رابين، ورأى معاهدة إبراهام الإماراتية- الإسرائيلية «توفر تفكيرًا جديدًا في أسلوب تناول مشكلات المنطقة وتحدياتها»، وأشاد بإلغاء الإمارات، في أغسطس/آب 2020، قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1972.

لقد ظلَّ مراد وهبة قبل وفاته يدوّن مقالات تدور في فلك الرهان على السلام مع العدو والتنديد بــ"الإرهاب" الجهادي، حتى بعد عملية "طوفان الأقصى" لا يوجه صفة الإرهاب إلى كيان بدأ بالإرهاب وبه يستمر، ويحتل دولة ومناطق حيوية مما حولها. لم يكن هذا الكيان الإحلالي العدواني يستفزه، حتى بعد الإبادة المعلنة في غزة، والتخطيط لتهجير أهلها. لذلك؛ استنكر الكاتب والروائي المصري "سعد القرش" آراء وهبة، وقال: «من البؤس تفريغ الفلسفة من سؤالها، فلا يبقى من جوهرها النقدي إلا انتقاد "جرائم" الجماعات الإسلامية، ومن البؤس أن يكون إسحاق هرتسوغ رئيس العدو أكثر شجاعة، ويعتذر في يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول 2021 إلى أهل قرية كفر قاسم، ويطلب العفو من عائلات 49 فلسطينيًا ضحايا مذبحة العام 1956. وتابع أنَّهُ من البؤس أن تكون العِلمانية عوراء ترى بعين واحدة».

السؤال الذي يطرح نفسه، وأضعهُ برسم أساتذتنا الكبار في الفلسفة: كيف سندافع عن القضية الفلسطينية ونبحث عن الحقيقة في عالم فلسفي يؤمن بأنَّ الحقّ وجهة نظر، وواقع سياسي يرسمه رئيس البيت الأبيض؟ هل نستطيع تجاوز خطر نتنياهو الذي صرح بأنّه يقوم بمهمة تاريخية وروحية في ما يتعلق برؤية "إسرائيل الكبرى"؟

ختامًا.. أثمن موقف الدكتورة الخولي الواضح إزاء القضية الفلسطينية، وأعتقد أنَّها إن لم تدون كلمات العزاء تلك عند وفاة وهبة، لم يكن ليظهر على الملأ، بأنَّ هناك العديد من الشخصيات والنخب الفكرية المصرية المعاصرة تناصر بقوة القضية الفلسطينية.. مع أنه لم يشكل جبهة فكرية، مقارنة مع مواقف بعض الجامعات الغربية التي جعلت من فلسطين قبلةَ الأحرار.

 

[1]- مراد وهبة جبران فيلسوف وكاتب مصري وأستاذ جامعي. كان عضوًا في مجموعة من المنظمات الدَّولية والمؤسس والرئيس للجمعية الدَّولية لابن رشد والتنوير (1994). ذُكر اسمه في موسوعة الشخصيات العالمية بصفته من الشخصيات الخمسمئة الأكثر شُهرة في العالم.

[2]- يمنى طريف الخولي أستاذ فلسفة العلوم في جامعة القاهرة، أسهمت في نشر الثقافة العلمية وأصول التفكير العلمي والعقلاني بالعشرات من المقالات والبرامج التلفزيونية والمحاضرات العامة في عدد من الدول العربية والأجنبية.. حصلت على جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في العام 2023. أسهمت في إنشاء قسم الفلسفة في جامعة أحمدو بيلو في نيجيريا؛ ثاني أكبر جامعة في أفريقيا بعد جامعة القاهرة.

[3]- تامر الهنداوي، أكاديمية مصرية تثير جدلاً بنعيها الفيلسوف مراد وهبة: آمن بالصهيونية ولم يرحم مئات الألوف من ضحايا غزة، جريدة القدس العربي، عدد 11 يناير/كانون الثاني 2026.

[4]- جماعة من الأساتذة السوفيات، موجز تاريخ الفلسفة، ترجمة وتقديم: توفيق سلوم، دار الفارابي- بيروت، ط1، 1989، ص 57.

[5]- بول ريكور، صراع التأويلات، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط2، 2005، ص 78.

-[6] محمد أسامة رمضان، مراد وهبة: كنت مستشارا سريا لجمال عبد الناصر لشؤون التعليم، جريدة الوطن، عدد 27 ديسمبر/كانون الأول 2019.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد