أوراق ثقافية

المنصّات الرقمية.. من غسل الأدمغة إلى تشكيل الوعي الجماعي

post-img

تدفع الخوارزميات المستخدمين نحو المقارنة والاستقطاب، وتُضعف التعاطف والمسؤولية الفردية، مُنتِجة إنساناً محاصراً داخل فقاعات نفسية واجتماعية مصنَّعة.

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً يتجاوز كونها مجرّد منصّات ترفيه أو تواصل، إذ باتت، وفق تحذيرات متخصّصين في علوم السلوك البشري، فضاءات هندسية لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي، والعلاقات الاجتماعية، وحتى مفهوم «الذات». ولا يكمن الخطر فقط في المحتوى، بل يمتد إلى البنية الخوارزمية ذاتها التي تحكم ما نراه، وما لا نراه.

في هذا السياق، يلفت أحد أبرز خبراء تحليل السلوك وغسيل الدماغ في الولايات المتحدة، شايس هيوز، إلى أنّ منصّات الفيديو القصير تمثّل بيئة مثالية للتلاعب النفسي، لا بسبب «مؤامرة» خفية، إنّما نتيجة منطقها التجاري القائم على الإعلانات والانتباه.

المقارنة والنقص

بحسب هيوز، تعتمد التطبيقات على بيع الإعلانات وفق هدفين أساسيين. الأول، دفع المستخدم إلى مقارنة نفسه بالآخرين بصورة مستمرّة وغير صحّية. والثاني، زرع شعور دائم بعدم الاكتمال، بعدم الكفاية، بعدم الرضا عن الذات.

هذه الثنائية البسيطة تُنتج حالة نفسية يرى فيها الشخص حياة الآخرين كأنها مكتملة وناجحة وأجمل وأكثر قيمة، فيما يشعر هو أنّه متأخّر، وناقص، أو على الهامش. هذا الإحساس لا يبقى فردياً، بل يتحوّل سريعاً إلى اصطفاف اجتماعي: «نحن» مقابل «هم».

من المقارنة إلى الاستقطاب

من جهة أخرة، يشرح الخبير في علم السلوك أنّه عندما يشعر الفرد بأنّه أقلّ قيمة، يبدأ بالبحث عن تفسير، وعن جماعة تمنحه شعوراً بالانتماء. هنا تتدخّل الخوارزميات. بدلاً من تحدّي القناعات، تقوم المنصّات بتغذيتها.

أي رأي، مهما كان متطرّفاً أو غريباً أو غير عقلاني، سيُقابل دائماً بمئات الحسابات التي تؤيّده. فجأة، لا يعود الرأي هامشياً. يتحوّل إلى «تيار». ويبدأ المستخدم بالاعتقاد أنّ العالم كلّه يفكّر بالطريقة نفسها. هكذا يُحبس الفرد داخل فقاعة التحيّز التأكيدي، حيث لا يسمع إلا صداه، ولا يرى إلا ما يعزّز قناعاته المسبقة.

 تمنح المنصات شعوراً بالانتماء لـ«جماعة».

وهم «القبيلة الكبرى»

المشكلة الأعمق، وفق التحليل السلوكي، أنّ الدماغ البشري لم يُصمَّم للتعامل مع هذا الحجم من «القبائل». تَطَوَّر الإنسان ضمن مجموعات صغيرة، محدودة العدد، حيث للمسؤولية معنى، وللعلاقات وزن أخلاقي مباشر.

لكن منصّات التواصل تخلق وهماً خطيراً أنّ قبيلة افتراضية ضخمة، مؤلّفة من آلاف أو ملايين الأشخاص الذين «يشبهونك». هذا التضخيم المصطنع للانتماء الاجتماعي يُربك آليات التعاطف والمساءلة داخل الدماغ.

عندما تصبح اللامبالاة سلوكاً جماعياً

يستحضر الخبراء مثال «تأثير المتفرّج» المعروف في علم النفس الاجتماعي. في تجارب متكرّرة، يُلاحظ أنّ الأفراد يصبحون أقلّ ميلاً للتدخّل لمساعدة شخص يتعرّض للأذى كلّما زاد عدد الشهود. المسؤولية تتبخّر، لأنّها موزّعة على الجميع.

الخطير أنّ وسائل التواصل تعيد إنتاج هذا التأثير على نطاق رقمي واسع. العنف والألم والمآسي تُشاهَد يومياً وبشكل جماعي من دون فعل. ليس لأنّ الناس «أشرار»، بل لأنّ البنية النفسية نفسها تتآكل.

يُحذّر هيوز التحذير هنا أنّ الموضوع لا يتعلّق بتشخيص أخلاقي، بل بآلية نفسية. حين تُضخَّم الجماعة، وتُختزل العلاقات إلى تفاعلات سريعة، ويُمحى الإحساس بالمسؤولية الفردية، يظهر سلوك بارد، متبلّد، يشبه ما يُوصف في علم النفس بالسلوك «السيكوباتي»، لكن من دون نية واعية أو عدوان مباشر.

خسرنا الدماغ... والمعنى

الخسارة لا تقتصر على التركيز أو الوقت. ما يُستنزف تدريجاً هو القدرة على التعاطف، وعلى الشك، وعلى التفكير النقدي، وعلى رؤية الآخر كإنسان لا كصورة أو «ترند».

في عالم يُقاس فيه كلّ شيء بعدد المشاهدات، تصبح المشاعر مادّة خام، ويغدو الوعي الجماعي ساحة اختبار مفتوحة لخوارزميات لا ترى في الإنسان أكثر من مستخدم قابل للاستهداف.

إذا كانت هذه المنصّات قادرة على إعادة تشكيل سلوكنا الجماعي بهذا العمق، فالسؤال لم يعد: «كيف نستخدم وسائل التواصل؟»، بل أي نوع من البشر يُعاد صياغته داخل هذا الفضاء الرقمي؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد