أوراق إعلامية

كيف طمست الصحافة الأمريكية معالم مجزرة مدرسة البنات؟

post-img

كشف الكاتب والمحلل الإعلامي الأمريكي آدم جونسون، مؤسس منصة "ذا كولوم" (The Column) المتخصصة في نقد الأداء الإعلامي وكشف الانحيازات المؤسسية، عن انحياز صارخ وصادم في أولويات التغطية الصحفية لوسائل الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة للحرب على إيران.

اتهم جونسون وسائل الإعلام الأمريكية البارزة بدفن أخبار المجزرة التي خلفها القصف الأمريكي الإسرائيلي بمدرسة للبنات في مدينة ميناب الإيرانية، والتي راح ضحيتها ما لا يقل عن 168 قتيلا، غالبيتهم العظمى من الطالبات الصغيرات.

يرى جونسون، الذي يُعد من أبرز الأصوات النقدية لكيفية صياغة البروباغندا في الإعلام الغربي، أن هذه الحصيلة المرعبة من الضحايا، التي تعادل في حجمها المأساوي تفجير "أوكلاهوما سيتي" الشهير عام 1995، لم تشفع للمأساة لتتصدر الصفحات الأولى في كبريات الصحف الأمريكية مثل نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، ووول ستريت جورنال.

فكرة ثانوية

واتهم وسائل الإعلام الأمريكية البارزة بتهميش الخبر ونشره في الصفحات الداخلية بوصفه "فكرة ثانوية" ضمن سردية أوسع تركز على "الضربات النوعية" وقطع رؤوس القيادات، مما يحول مقتل المئات من الأطفال إلى مجرد "ضجيج خلفي" في صراع جيوسياسي كبير تدار دفته من واشنطن.

في تحليله العميق للبرامج الإخبارية الصباحية والمسائية، يشير جونسون إلى أن قنوات مثل "إن بي سي" و"سي بي إس" تجاهلت تماما ذكر مجزرة ميناب في برامجها الحوارية الرئيسية يوم الأحد، رغم مرور أكثر من 24 ساعة على وقوعها، بينما ركزت في المقابل على "أنسنة" الضحايا في الجانب الآخر.

أفردت المذيعة كريستين ويلكر في برنامج ميت ذا برس (Meet the Press) مساحة واسعة لكبير مراسلي الشؤون الخارجية في شبكة "إن بي سي"، ريتشارد إنجل، المعروف بتغطيته التي تتماشى غالبا مع توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، للحديث بتفصيل عاطفي من موقع سقوط صاروخ إيراني أدى لمقتل تسعة أشخاص، مع وصف دقيق لتشوه الجثث وحالة الذعر، بينما غابت مأساة 168 طالبة إيرانية عن النقاش تماما، ولم يتم إجراء أي مقابلات مع أهالي الضحايا المفجوعين أو محاولة التحقق من أسمائهم وقصصهم الإنسانية.

يوضح التقرير المنشور في "ذا كولوم" أن النشرات المسائية الرئيسية لم تخصص أي فقرة مستقلة للمجزرة، بل اكتفت بإشارات عابرة وسريعة وصفها جونسون بأنها "كلمات تُلقى للتخلص من العبء"، مع الحرص الدائم على إقران الخبر بتكذيبات الجانبين الأمريكي والإسرائيلي، ووصف أعداد القتلى بأنها مجرد "مزاعم" لوسائل الإعلام الرسمية الإيرانية أو الهلال الأحمر.

تحيز هيكلي

مجزرة مدرسة البنات الابتدائية في مدينة ميناب جنوب إيران المصدر: الجزيرة نت مهداة للجزيرة نت من المصور الرسمي (الخاص) للجنة تنظيم مراسم تشييع ودفن الشهداء في ميناب

انتقد جونسون بشدة شبكة "سي بي إس" التي منحت المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إيداف شوشاني، المنبر الكامل لنفي المسؤولية وتقديم الرواية العسكرية الرسمية دون تقديم أي تفاصيل مقابلة، بل ذهب المذيع توني دوكوبيل إلى أداء دور مروج العلاقات العامة للجيش الإسرائيلي عبر تمرير نفي المسؤولية دون أدنى مساءلة صحفية حول الأدلة الميدانية.

يذهب جونسون إلى تحليل "التحيز الهيكلي" الذي يجعل دماء المسلمين والعرب والشرقيين أرخص في ميزان الإعلام الغربي، مشيرا إلى أن ما يحدث في ميناب هو امتداد لما يحدث في غزة من قتل لأكثر من 20 ألف طفل فلسطيني بدعم أمريكي دون إثارة "زلزال أخلاقي" أو فضيحة إعلامية مستمرة في غرف الأخبار بنيويورك وواشنطن.

ينتقد كيف يتم تأطير الحزن الإيراني في شبكة "إيه بي سي" على أنه "هتافات أيديولوجية"، بينما يتم اختزال الضحايا في أرقام صماء تُختزل في الهوامش.

يخلص جونسون إلى استنتاج مرير مفاده أنه لو قُتل هذا العدد من الفتيات الصغيرات في مدرسة داخل إسرائيل، لكان الخبر قد تصدر العناوين العالمية لأسابيع ولأصبح مادة دسمة لخطابات التعاطف السياسي الدولي، لكن في حالة ميناب، يظل الأطفال الإيرانيون مجرد "أضرار جانبية" في حرب لا تنتهي على الإرهاب، ويستمر العالم في المضي قدما وكأن شيئا لم يكن، مما يعزز فكرة أن معيار القيمة الإنسانية في الإعلام الغربي محكوم بالهوية والانتماء السياسي لا بقدسية الحياة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد