فاتن الحاج/جريدة الأخبار
عندما غادرت الضاحية الجنوبية لبيروت هرباً من القصف الإسرائيلي، حملت مريم رعد معها ما يشبهها: بعض الكتب وعدة الرسم، كأنها كانت تحاول أن تنقذ عالمها الصغير من ضجيج الحرب. ظنت الأستاذة في كلية التربية في الجامعة اللبنانية أن المكان الذي قصدته سيكون أكثر أماناً. هناك، في لحظة سكينة، أغمضت عينيها مطمئنة، لكن الغارة باغتتها فسقط جزء من المبنى فوق رأسها، لترحل بهدوء يشبه حياتها.
في كلية التربية، بدا الخبر صعب التصديق. لم يكن من السهل على طلابها وزملائها أن يتخيلوا غياب امرأة عرفت بحضورها الإنساني الهادئ وابتسامتها الدائمة. وقد نعاها عميد الكلية، خليل الجمال، مستذكراً دورها الأكاديمي والبحثي، فقد كانت منسقة مكتب التدريب في العمادة، وباحثة ناشطة في مجال الطفولة المبكرة.
ولدت مريم في بعلبك، المدينة التي خرجت منها لتشق طريقها في العلم والمعرفة. انتقلت إلى بيروت لتتابع دراستها الجامعية، قبل أن تواصل مشوارها الأكاديمي عبر دكتوراه مشتركة بين لبنان وفرنسا. إلا أن مسيرتها لم تكن مجرد رحلة علمية تقليدية، بل كانت رحلة بحث دائم عن المعنى بين الفلسفة التي درستها أولاً وبين التربية التي اختارت أن تجعلها رسالتها المهنية.
أما اهتمامها بالطفولة فلم يكن نظرياً فحسب، فقد كتبت قصصاً للأطفال وخصصت قناة على «يوتيوب» لهذا العالم، محاولة أن تجمع بين التربية والخيال والإبداع.
تقول زميلتها الدكتورة غادة جوني إن «خبر رحيل مريم كان موجعاً، فهي صديقة حميمة وأقرب إلى أخت أشاركها تفاصيل العمل والحياة». وتستعيد جوني صورة الشهيدة كما عرفها الجميع: «امرأة بملامح هادئة وابتسامة لا تفارق وجهها، لكنها في الوقت نفسه، صاحبة حضور ملهم يترك أثراً في كل من يلتقي بها». لم يكن إيمانها الديني، بحسب جوني، «تقليدياً أو تلقائياً، يل إيمان قائم على الوعي، متأثراً بدراستها للفلسفة. كانت تحلل الأفكار التي تواجهها، وتناقشها، ولا تتبناها من دون تفكير أو مساءلة».
الدكتورة فاديا حطيط عرفت مريم منذ كانت طالبتها في السنة الجامعية الأولى وصولاً إلى مشاركتها المهمات نفسها في لجنة الطفولة المبكرة في مشروع تحديث المناهج التعليمية في المركز التربوي للبحوث والإنماء. تقول إنها، منذ ذلك الوقت، «كانت تنظم حياتها بكثير من الالتزام والعطاء». تابعت حطيط مسيرة مريم من طالبة متحمسة إلى باحثة في التربية، وصولاً إلى ما سمته مرحلة «النضوج الأكاديمي». وتصفها بأنها كانت تمتلك طريقة خاصة في إيصال الفكرة والتواصل مع الآخرين بنضج وهدوء يثيران الاعجاب.
غنى قصير، إحدى طالبات الشهيدة قبل نحو 15 عاماً، تستعيد هي أيضاً بعض ملامح تجربتها معها في الصف، ولا سيما في مادة أدب الأطفال. تقول إنها كانت تنظر إلى الأدب بوصفه وسيلة لفهم العالم ونقله إلى الأطفال بلغة بسيطة وجميلة. وتروي أن اول ما علق في ذاكرتها من الحصة التعليمية الأولى قولها للطلاب إن "الكون كله عبارة عن قصة، ونصها مكتوب بيد الخالق، وعلى الكاتب أن بتعلم كيف يوظف اللغة الأدبية لينقل جمال هذا الخلق إلى عقول الأطفال وأرواحهم".
تشير قصير إلى أن هذا التصور ظل يرافقها لاحقاً لأن مريم كانت تحاول دائماً ربط المعرفة الأكاديمية بالبعد الإنساني للتعليم. وتضيف أن أسلوبها في التدريس لم يكن يقتصر على الشرح النظري، بل كانت تولي اهتماماً بقدرات طلابها الفردية، وتسعى إلى تشجيع كل طالب على تطوير ما يملكه من إمكانات فكرية وابداعية.
إلى جانب عملها الأكاديمي، كانت مريم أما لخمسة أولاد تدير بيتها بعناية وتمنح عائلتها وقتها واهتمامها. تقول خطيط إن أكثر ما كان يلفت فيها قدرتها على إعطاء كل جانب من جوانب حياتها المزدحمة حقه: العلم، البيت، الصداقة والعائلة.
في مرحلة متأخرة من حياتها، اكتشفت أن الرسم يمكن أن يكون الوعاء الذي يجمع كل هذه الجوانب، فبدأت تعطي الفن وقتاً أكبر، وصار مساحة للتأمل والتعبير، إلى جانب انشغالاتها الأكاديمية والعائلية.
رحلت مريم رعد بهدوء، في مرحلة كانت تجربتها الإنسانية والفكرية في ذروة نضجها. امرأة جمعت في حياتها بين الفلسفة والتربية والفن، وبين الأمومة والعمل الأكاديمي، فبدت سيرتها وكأنها محاولة دائمة للعثور على معنى أعمق للحياة.