ليندا غدار (صحيفة البناء)
ليست المرة الأولى التي يُجبر فيها أبناء الجنوب على مغادرة بيوتهم تحت وطأة التهديد الإسرائيلي، لكنها في كلّ مرة تبدو كأنها المرة الأولى. فالإنسان قد يعتاد الخطر، لكنه لا يعتاد اقتلاع نفسه من المكان الذي صنع هويته وذاكرته.
خلف مشاهد النزوح التي تنقلها الشاشات، تختبئ حكايات لا تُحصى. فالأمر لا يتعلق بمجرد الانتقال من مسكن إلى آخر، بل بترك أشجار زرعها أصحابها منذ عقود، وحقول تعبوا في استصلاحها، وبيوت تختزن صور الآباء والأمهات وذكريات الأعياد والأفراح والأحزان. إنها لحظة قاسية يشعر فيها الإنسان وكأنه يُنتزع من جزء من روحه.
في الجنوب، لا يبدو الرحيل خياراً، بل إكراهاً يُفرض تحت نار التهديد والقصف. ومع كلّ موجة نزوح، يتجدّد المشهد ذاته: أبواب تُغلق على عجل، حقول تُترك خلف أصحابها، وقلوب معلّقة بقرى لا يعرف أهلها متى يعودون إليها، فالأرض بالنسبة إلى الجنوبي ليست مجرد مساحة جغرافية، بل جزء من تاريخه الشخصي والعائلي.
وما يزيد هذا الوجع قسوةً ليس فقط تهديد العدو، بل شعور ابن الجنوب أحياناً بأنّ جزءاً من أبناء وطنه لا يدرك حجم التضحيات التي قُدّمت كي يبقى هذا الوطن على خريطته وحدوده. فمن حمل أولاده وأهله مرات لا تُحصى على طرقات النزوح، ينظر إلى الأمور من زاوية مختلفة تماماً عمّن لم يختبر معنى أن يستيقظ الإنسان ذات صباح ليجد قريته مهددة بالمحو.
ابن الجنوب لا يرفض السلام، بل ربما يكون أكثر اللبنانيين شوقاً إليه، لأنه دفع من عمره وأرزاقه وأحبائه أثمان الحروب المتعاقبة. لكنه يتساءل في المقابل: أي سلام يمكن أن يتحقق مع عدو لم يتوقف يوماً عن العدوان، وما زال حتى اللحظة يقصف القرى الجنوبية ويعتدي على السيادة اللبنانية رغم كلّ الاتصالات والمسارات التفاوضية الجارية؟ كيف يُبنى السلام فيما القصف مستمر، والتهديدات مستمرة، والاعتداءات لا تتوقف؟
فبالنسبة إلى أبناء القرى الحدودية، لا تبدو القضية سجالاً سياسياً بين خيارين متساويين، بل تجربة يومية مع عدو عرفوا احتلاله واعتداءاته وتدميره. لذلك يشعر كثيرون منهم بالألم عندما تُقدَّم دعوتهم إلى الصمود وكأنها دعوة إلى الحرب، بينما هم يرون فيها دفاعاً عن حقهم الطبيعي في البقاء فوق أرضهم وعدم تحويلها إلى مساحة مستباحة للعدوان.
التعب ليس حكراً على أحد، أهل الجنوب تعبوا أيضاً، وخسروا الشهداء والبيوت ومصادر الرزق، لكنهم يعرفون أنّ خسارة الأرض ليست حدثاً عابراً يمكن تعويضه لاحقاً. فالبيت يُبنى من جديد، والشجرة تُزرع من جديد، أما الأرض إذا فُرضت عليها وقائع الاحتلال أو السيطرة بالقوة، فإنّ استعادتها تصبح أكثر صعوبة وكلفة. من هنا تنشأ الحساسية لدى الجنوبي عندما يسمع من يطالبه بالقبول بالأمر الواقع تحت شعار الواقعية السياسية؛ فهو لا يرى في الأمر مجرد خلاف سياسي، بل يشعر أحياناً أنّ معاناته الشخصية، وتضحيات العائلات، تُختزل وتُهمَّش وتُنزع من سياقها الإنساني والوطني.
لقد أثبتت التجارب أنّ أبناء الجنوب لم يكونوا يوماً دعاة حروب، بل كانوا دائماً أول من يدفع أثمانها. ومع ذلك، كانوا يعودون بعد كلّ عدوان ليحملوا الركام عن بيوتهم، يرمّمون المدارس والكنائس والمساجد، ويعيدون الحياة إلى الحقول والبساتين. لم يكن ذلك عشقاً للدمار، بل لإيمانهم العميق بأنّ الأرض التي تُترك تُفقد، وأنّ التمسك بها هو الشرط الأول والأساسي لحمايتها.
المؤلم اليوم هو اتساع فجوة الفهم وكبر الجرح؛ بين من يرى الأرض عنواناً للكرامة والسيادة وحقاً طبيعياً في البقاء، ومن يرى (من زاوية التعب واليأس أو الهواجس المشروعة على مصير الوطن ككلّ) أنّ موازين القوى تفرض التسليم بالأمر الواقع.
لكن التاريخ يعلّمنا أنّ الأوطان لا تُحفظ بالنوايا وحدها، بل بإرادة أبنائها في التمسك بحقوقهم. ولذلك يبقى الجنوب، رغم الجراح والدمار والنزوح، شاهداً على حقيقة واحدة: أنّ الإنسان الذي اعتاد العودة إلى أرضه بعد كلّ حرب لن يتخلى عنها بسهولة، لأنّ ما يدافع عنه ليس مجرد تراب، بل ذاكرة وهويّة ومستقبل أجيال كاملة.
القضية بالنسبة إلى أبناء الجنوب ليست خياراً ترفياً بين الحرب والسلام، بل هي معادلة وجودية بين البقاء والتخلي، بين حماية الأرض أو تركها لمصير يقرّره الآخرون. ومن هنا يُفهم سرّ هذا التمسك العميق، وسرّ هذا الإصرار على العودة مهما تعاظمت التضحيات. فالجنوب لم يكن يوماً مجرد جغرافيا، بل قصة شعبٍ كتب انتماءه بالصبر والصمود، وما زال يؤمن بأنّ الأرض التي رُويت بالتعب والدم والذكريات، لا تُقاس بموازين القوة المادية وحدها، بل بقدرة أهلها على التمسك بها والدفاع عنها جيلاً بعد جيل.