لينا فخر الدين (صحيفة الأخبار)
في الاسم، هي بلدية بيروت. لكنّها في الواقع ليست سوى «مغارة علي بابا». والتعبير ليس مُبالغاً فيه، في ظلّ فضائح الهدر وسرقة المال العام التي تتكشّف بين الفينة والأخرى، ويبقى مرتكبوها غالباً دون محاسبة، نتيجة الحمايات السياسية التي يتمتعون بها. هكذا، تنتهي التحقيقات في الارتكابات: «لا مين شاف ولا مين دري».
وحدها قضية أحد الموظفين وصلت إلى التوقيف، قبل أن يتبيّن أنه مجرّد «كبش فداء». فحوسب وحده، من دون المسّ بأيّ من الموظّفين المنخرطين في شبكات فساد متكاملة، رغم الشكوك التي تحوم حولهم.
وتشير معلومات «الأخبار» إلى أن التحقيقات التي قادتها هيئة التحقيق الخاصة في ديوان المحاسبة، بطلب من النيابة العامة فيها، كشفت جزءاً ممّا يحصل في الكواليس. هذه التحقيقات بدأت قبل نحو 7 أشهر، بعد توقيف أحد الموظّفين (أُخلي سبيله منذ نحو شهر).
وهي تحصل عبر زيارات مفاجئة لهيئة التحقيق (بالتنسيق مع محافظ بيروت مروان عبود) إلى مقرّ البلدية، حيث تستمع إلى إفادات الموظّفين، وتدقّق في عدد من الملفات والحسابات. ويقول مطّلعون على مضمونها إن المحقّقين وجدوا تناقضات في الإفادات، كما رصدوا تلاعباً في بعض الملفات. وهو ما أدّى إلى ازدياد الشكوك حول عدد من الموظّفين في دوائر «المالية والهندسة والأشغال».
وبعد أن استكملت الهيئة ملفّها، تمكّنت من الاستحصال على إذنٍ للاطّلاع على الحسابات المصرفية لتسعة موظفين، وكذلك على أموالهم المنقولة وغير المنقولة المُسجَّلة بأسمائهم أو بأسماء أفراد عائلاتهم، بمن فيهم الأبناء القاصرون.
فضائح صادمة!
يقول أحد مسؤولي الديوان، إن ما تكشّف للمحقّقين كان «أبعد من الخيال». ويروي أن من بين هؤلاء الموظّفين، الذين لا تتعدّى رواتبهم 800 دولار أميركي مع التعويضات (قبل الأزمة المالية كانت قيمة رواتبهم نحو مليون و800 ألف ليرة لبنانية)، من يمتلك مشروعاً لفيلّات يتمّ تأجيرها في فاريا، وآخر يمتلك يَختَين يقوم بتأجيرهما، وثالث شريك في أحد الفنادق في دبي، ورابع يمتلك 15 عقاراً في بيروت بين شقق سكنية وأبنية...
أمّا الأموال، فتبيّن أن أحدهم قام بتحويل مليون دولار إلى حسابه في الخارج عند بدء الأزمة المالية، واشترى منزلاً في العاصمة الفرنسية باريس، فيما الحساب المصرفي للابن القاصر لموظّف آخر فيه 5 ملايين دولار!
هذا غيضٌ من فيض فضائح عدد من الموظّفين. ويتردّد أن التحقيقات أظهرت أن هؤلاء ابتدعوا وسيلةً مُبتكرة لتهريب أموالهم، عبر إبرام اتفاقيات مختلفة مع شركات التأمين في إطار برامج ادّخار الأموال، مع اشتراط استرداد هذه الأموال كاملةً بعد عدّة سنوات، بما يحول دون انكشاف أمرهم.
كلّ ذلك دفع بهيئة التحقيق إلى البدء بتنفيذ إجراءات قانونية بحق هؤلاء الموظّفين، إذ صدر قرار بمنع التصرّف في أموال الموظّفين التسعة المنقولة وغير المنقولة، بما يتضمّن وضع إشارات على العقارات المُسجّلة بأسمائهم وأسماء أفراد عائلاتهم. كما مُنعوا من سحب الأموال من حساباتهم المصرفية، مع السماح بسحب رواتبهم الشهرية فقط، إلى حين الانتهاء من التحقيقات.
في المقابل، يحاول هؤلاء تبرير مصادر أموالهم أمام هيئة التحقيق، إذ تذرّع أحدهم بأن هذه العقارات تعود لأشقائه في الخارج الذين سجّلوها باسمه، فيما تحجّج آخر بأنه كان مُقتدِراً مالياً قبل عمله في البلدية.
ولتفادي الوقوع في «مصيدة الديوان»، قبل إحالة الملف إلى النيابة العامة المالية، يحاول بعضهم اللجوء إلى السياسيين لتأمين الحماية وفرض عدم استكمال التحقيقات، فضلاً عن السعي إلى رفع قرار منع التصرّف عن أموالهم وممتلكاتهم.
وبينما يلفت مطّلعون إلى أن الضغوطات السياسية من مختلف الجهات بدأت تُمارس على الديوان لثنيه عن استكمال التحقيقات، أكّد معنيون أن التحقيقات مستمرة، وهيئة التحقيق لا تزال تزور البلدية وتستمع إلى الموظّفين. وبالتالي، فإن الملف لم يتمّ تجميده، على عكس ما يُشاع، علماً أن هؤلاء غير متفائلين بتوقيف المتورّطين في سرقة المال العام، لقناعتهم بأن الملف سيُقفل في النهاية، من دون محاسبة المرتكبين.