علي فران/جريدة الأخبار
وجّه ترامب عبر «تروث سوشال» رسالة للإيرانيين تدعوهم لمواصلة الاحتجاج وتلمّح إلى «مساعدة» غير محددة، فتصدّرت تصريحاته التغطيات. تاريخيًا، استُخدم الإعلام كسلاح، وبعد 11 أيلول رُوّج لغزو العراق بذريعة أسلحة الدمار الشامل
ضمن تصريحاته التي يوجّهها يمنة ويسرة، توجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب برسالة عبر منصة «تروث سوشال» إلى الإيرانيين، دعاهم فيها إلى الاستمرار في الاحتجاج، ملمّحًا إلى وجود «مساعدة» قادمة من دون أي توضيح لطبيعتها أو آلياتها. جاءت الرسالة بصيغة مفتوحة تحتمل قراءات متعددة، وتركت مساحة واسعة للتأويل السياسي والإعلامي.
خلال وقت قصير، انتقلت تصريحات ترامب إلى صدارة التغطيات في وسائل الإعلام الأميركية والعالمية، فأُعيد تداولها على نطاق واسع عبر القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية. في هذا التداول، قُدِّم الخطاب ضمن أجواء توحي بأن النظام الإيراني يواجه لحظة مفصلية، وأن الاحتجاجات الجارية قد تكون مؤشرًا إلى اقتراب تحوّل سياسي كبير ضمن سردية الانهيار الوشيك.
نقلت وكالات إعلامية كبرى كلام ترامب بصيغة خبرية مباشرة، مركّزة على دعوته إلى مواصلة الاحتجاجات وعلى قراره تعليق أي اجتماعات مع مسؤولين إيرانيين إلى حين وقف ما وصفه بقمع المتظاهرين.
تناولت شبكات إخبارية أخرى التصريحات في سياق أوسع، ربط بين الخطاب الأميركي وتصاعد العنف وسقوط ضحايا خلال الاحتجاجات، ما أضفى على التغطية طابعًا ضاغطًا سياسيًا، موجّهًا نحو طهران.
وسط هذا الزخم، ظلّ السؤال الأساسي حاضرًا من دون إجابة: ما المقصود بالمساعدة التي تحدّث عنها ترامب؟ هل هي خطوة ديبلوماسية؟ تشديد للعقوبات الاقتصادية؟ دعم سياسي وإعلامي؟ أم تمهيد لخيارات أكثر حدّة؟ هذا الغموض، سواء كان مقصودًا أو ناتجًا من حسابات داخلية، أسهم في خلق حالة من الالتباس لدى الجمهور.
مع اكتفاء معظم وسائل الإعلام بنقل التصريحات كما هي من دون تدقيق جدي في معناها أو في إمكانية ترجمتها إلى سياسة فعلية، تحوّل الخطاب إلى أداة تعبئة نفسية أكثر منه موقفًا سياسيًا، وأصبح جزءًا من أداة تعبئة جماهيرية.
إعلام الصراعات
لم يكن الإعلام، تاريخيًا، عنصرًا محايدًا في لحظات النزاعات الكبرى. منذ الحرب العالمية الأولى، جرى توظيفه في الولايات المتحدة بوصفه سلاحًا مكمّلًا للقوة العسكرية، هدفه تشكيل الوعي العام وتعبئة المجتمع خلف السياسات المتّبعة.
في تلك المرحلة، لعبت الملصقات الدعائية دورًا مركزيًا في بناء صورة العدو وتبرير الانخراط في الحرب، معتمدة على مخاطبة المشاعر والخوف والواجب الوطني.
مع تطوّر وسائل الاتصال، انتقلت هذه الوظيفة من الملصق إلى الصحافة المكتوبة، ثم إلى الإذاعة والتلفزيون، وصولًا إلى المنصات الرقمية.
تغيّرت الأدوات، وبقي الهدف واحدًا: تأطير الصراع، تشويه صورة الخصم، وصياغة سردية أخلاقية وأمنية تسبق الفعل العسكري وترافقه. في هذا السياق، يصبح الإعلام جزءًا من الحرب نفسها، يهيّئ لها نفسيًا، ويرافقها سياسيًا، ويعيد تفسير نتائجها بعد وقوعها.
مخاطبة العقول بالبوستر
يصف رئيس لجنة الدعاية الأميركية خلال الحرب العالمية الأولى، جورج كريل، هذه المعركة بقوله في كتابه «كيف قمنا بالإعلان عن أميركا» (صادر عام 1920): «خلف خطّ النار، وخلف الجيوش والأساطيل، كانت هناك معركة أخرى تُخاض بالحدّة نفسها… معركة من أجل عقول الناس، من أجل الاستيلاء على قناعاتهم».
في العام 1916، كانت الولايات المتحدة لا تزال خارج الحرب العالمية الأولى، فيما كان الرئيس وودرو ويلسون يخوض حملته الانتخابية تحت شعار تجنيب أميركا الحرب. بعد عام واحد فقط، أعلنت واشنطن دخولها الحرب ضد ألمانيا. استلزم هذا التحوّل خطابًا قادرًا على إقناع الشعب الأميركي بإرسال أبنائه للقتال خارج أراضيه، فأنشئت لجنة الإعلام العام (Committee on Public Information)، بوصفها أول جهاز بروباغندا رسمي في تاريخ الولايات المتحدة، برئاسة كريل.
اعتمدت اللجنة على مخاطبة المشاعر والعقول لإقناع الأميركيين بالتجنيد، وكان للملصقات الدعائية دور نفسي بالغ التأثير. استخدم ملصق I Want YOU for U.S. Army نظرة مباشرة وإصبعًا يشير إلى المشاهد، ما خلق إحساسًا شخصيًا بالمسؤولية والذنب.
طُبع الملصق نحو أربعة ملايين مرة، وانتشر في المدارس والمصانع والشوارع، مسهمًا في خلق مناخ نفسي يجعل عدم التطوّع نوعًا من التقصير الوطني.
كما استُخدم ملصق Destroy This Mad Brute الذي صوّر العدو على هيئة غوريلا متوحّشة تحمل امرأة وتدوس الحضارة، محرّكًا مشاعر الخوف والغضب، ومحوّلًا الحرب إلى واجب أخلاقي.
سرديات ما بعد 11 أيلول
بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، استثمرت إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش الهجمات لتبرير غزو العراق، مدّعية أن بغداد تمتلك أسلحة دمار شامل وتشكل تهديدًا مباشرًا. في خطاب إذاعي ألقاه في 8 آذار (مارس) 2003، قال بوش: «لن ننتظر لنرى ما الذي يمكن أن يفعله الإرهابيون أو الدول الراعية للإرهاب بأسلحة الدمار الشامل».
رافقت الحرب على العراق حملة إعلامية غير مسبوقة، استُخدمت فيها الفضائيات والإنترنت لتضليل الرأي العام. في كتاب «أسلحة الخداع الشامل»، يشير الاختصاصي تود غيتلين إلى أنّ صحيفة «واشنطن بوست» نشرت خلال الأسابيع الاثني عشر التي سبقت الحرب 39 افتتاحية متشددة، مقابل 12 فقط دعت إلى التعقّل.
وفي مقابلة على يوتيوب، يروي المخرج روب راينر قصة فيلم Shock and Awe الذي يوثّق تحقيق أربعة صحافيين شككوا في مزاعم الإدارة الأميركية، وكشفوا عبر شهادات من داخل أجهزة الاستخبارات والبنتاغون أن قرار غزو العراق سبق أحداث 11 أيلول، وأن الأدلة جرى اختلاقها وترويجها إعلاميًا. يقول راينر: «حرب العراق لا أساس لها… ولم تكن هناك أسلحة دمار شامل». كان الهدف الحقيقي من تلك الادعاءات تبرير العدوان، والسيطرة على النفط العراقي، وإقامة وجود عسكري أميركي قريب من إيران وسوريا.
السمعة التي تتمتع بها أكبر وسائل الإعلام العالمية لا تعني بالضرورة المصداقية، إذ تُستخدم في كثير من الأحيان لتمرير سياسات وأكاذيب السلطات، وغالبًا ما تُعامَل منشورات هذه الوسائل كما لو كانت مراجع موثوقة لأحداث ومعلومات مؤكدة.