اوراق مختارة

التعليم تحت النار: المشهد ضبابي مجدداً

post-img

فاتن الحاج (صحيفة الأخبار)

مع الموجة الثانية للنزوح من الضاحية الجنوبية لبيروت، دخل المشهد التربوي مرحلة أكثر ضبابية، وخلطت التطورات الأوراق أمام السيناريوهات التي كانت وزارة التربية تعمل عليها لمتابعة العام الدراسي، سواء حضورياً أو عن بعد. فبعدما كان القطاع التربوي يحاول التكيف مع تداعيات الموجة الأولى من النزوح من الجنوب، جاءت هذه الموجة لتعيد رسم المشهد بشكل غير متوقع، وجعلت أي تقدير مسبق غير مجد.

في المرحلة الأولى، لم تُفتح كل المدارس الرسمية أبوابها، وسط محاولة الوزارة التفكير في إمكان استخدام بعضها لمواصلة التعليم. وقد طرحت أفكار عدة على الطاولة، من بينها فتح المدارس في «المناطق الآمنة» أو اعتماد التعليم المدمج بين الحضوري والإلكتروني. لكن الواقع الجديد فرض نفسه بسرعة، وأصبح واضحاً أن أولوية الوزارة في هذه الظروف يجب أن تكون تأمين المأوى للنازحين، الذين لا يزال كثيرون منهم يفترشون الشوارع، قبل أي تفكير في العودة إلى الصفوف.

تململ التعليم الرسمي

وفي موازاة ذلك، برز تململ داخل الجسم التربوي نفسه. فقد تداعى عدد من مديري الثانويات الرسمية، حتى قبل الموجة الثانية للنزوح، للتواصل عبر مجموعاتهم الخاصة للتعبير عن رفضهم لأي اقتراحات أو قرارات لا يستشارون فيها. ويرى هؤلاء أن أي خطة تعليمية يجب أن تُبنى بالتشاور معهم، باعتبارهم الأكثر دراية بظروف طلابهم وأساتذتهم ومدارسهم، وهو ما أثار استياءً واضحاً لديهم من تغييبهم عن النقاشات الأساسية داخل الوزارة.
مع ذلك، تشير المعلومات إلى توجه لعقد اجتماع، الأسبوع المقبل، مع مديري المدارس المشاركين في «حملة دعم المدرسة الرسمية»، وعددهم يقارب 160 مديراً، بهدف إشراكهم في النقاشات حول السيناريوهات الممكنة، وتحويلهم إلى هيئة استشارية تساعد الوزارة في اتخاذ القرارات المناسبة.

في القطاع الرسمي، يمكن اليوم تقسيم المدارس إلى ثلاثة أنواع: المدارس الواقعة على خط النار أو المتضررة بشكل مباشر، والتي يستحيل فيها أي نشاط تعليمي؛ المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين؛ والمدارس الواقعة في مناطق بعيدة نسبياً عن التوتر، والتي يمكن أن تستأنف التعليم جزئياً، لكن عددها محدود جداً. وفي هذه المرحلة، تبدو أي خطط تعليمية عامة على الورق، إذ لا تزال ظروف الطلاب وعائلاتهم غامضة، والبنية التحتية لبعض المدارس غير صالحة تماماً لتقديم تعليم عن بعد فعال.

أما في القطاع الخاص، فبدأ عدد من المدارس فعلياً التعليم عن بعد، ويتجه عدد آخر من المدارس إلى إطلاق التعليم عن بعد، ابتداءً من الأسبوع المقبل، فيما تفكر بعض المدارس في العودة إلى التعليم الحضوري في المناطق البعيدة نسبياً عن التوتر، شرط توافر الحد الأدنى من الأمان والسلامة العامة. غير أن هذا الخيار لا يزال غير محسوم، إذ يؤكد أحد المعنيين أن «المشهد بعد الموجة الثانية للنزوح اختلف كثيراً، إذ يعيش المعلمون والطلاب حالة ترقب يومية لما قد يحدث، وحتى الآن لا يمكن الجزم بأن أي مدرسة ستفتح أبوابها حضورياً».

معايير التعليم الحضوري

وفي خضم هذا النقاش، يُطرح أيضاً موضوع اعتماد «المعيار الموحد» للعام الدراسي، بحيث يُطبق نموذج تعليمي واحد على جميع المدارس، لتجنب التفاوت بين القطاعين الرسمي أو داخل كل قطاع. غير أن هذا الطرح يثير مخاوف لدى بعض التربويين، الذين يرون أنه قد يشكل ظلماً للطلاب في المدارس التي لا تزال ظروفها تسمح بمتابعة التعليم.

ويطرح اللجوء السريع إلى تحويل المدارس إلى مراكز إيواء تساؤلات حول الخيارات المتاحة. وتخرج أصوات تربوية تشير إلى أن هناك بدائل أخرى، مثل القاعات العامة أو مباني البلديات أو المراكز الاجتماعية، يمكن أن تستوعب جزءاً من النازحين من دون تعطيل العملية التعليمية بالكامل، ما يجعل بعض القرارات الحالية محل نقاش وجدل بين التربويين والمسؤولين.

وبين ضرورة إيواء آلاف العائلات النازحة والحفاظ على حق التلامذة بالتعلم، يبدو المشهد التربوي اليوم أقرب إلى تجربة حرب أيلول 2024، حين تحولت المدارس أيضاً إلى مراكز إيواء وتعطلت الدراسة لفترة طويلة، قبل أن تعود تدريجياً مع تحسن الظروف الأمنية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد