د. حكم أمهز ـ طهران (صحيفة البناء)
تؤكد المعلومات بشأن آلية التعامل مع ملفات الدبلوماسيين الإيرانيين في وزارة الخارجّية اللبنانية أسئلة جدية حول طبيعة إدارة الوزارة ودورها الفعلي، وحول ما إذا كانت لا تزال تعمل وفق مقتضيات الدولة ومؤسساتها، أم أنها باتت أسيرة حسابات سياسية حزبية ضيقة مرتبطة بأجندات خارجّية تتحكم بقراراتها وسلوكها اليومي.
تقدّمت الخارجّية الإيرانية منذ شهر نيسان بطلبات تأشيرات تخصّ مجموعة من الدبلوماسيين الإيرانيين الجدد وعلائلاتهم ،من بينهم الملحق العسكري والقائم بالأعمال. وتشير المعطيات إلى أنّ هذه الطلبات سلكت المسارات الدبلوماسية المعتمَدة عبر السفارتين في بيروت وطهران، وهي إجراءات يُفترض أن تنتهي خلال أيام قليلة وفق الأصول المتبعة.
الأخطر أنّ وزارة الدفاع اللبنانية كانت قد وافقت منذ شهر كانون الثاني على اعتماد الملحق العسكري، وأبلغت بذلك السفارة الإيرانية عبر وزارة الخارجّية. ومع ذلك، بقيت الطلبات، وفق ما يُقال، من دون جواب حتى اليوم، ودون بتّ أو ردّ…
أمام هذه الوقائع، فإننا نكون أمام سلوك لا ينسجم مع أبسط قواعد العمل الدبلوماسي. فالأعراف المعمول بها تقضي بأن موافقة الدولة المضيفة تكون مطلوبة للسفير، أما باقي أعضاء البعثة الدبلوماسية فتسري عليهم إجراءات إدارية مختلفة لا تستوجب هذا النوع من التعطيل أو التأخير.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا هذا الصمت؟ ولماذا الامتناع عن الرد بدلاً من اتخاذ قرار واضح، بالموافقة أو الرفض؟ ولماذا تُترك عشرات الطلبات التي تشمل دبلوماسيين وعائلاتهم معلّقة لأشهر طويلة، بما ينعكس سلباً على عمل سفارة دولة ترتبط بعلاقات دبلوماسية رسمية مع لبنان؟
الانتقادات لا تتوقف عند هذا الحدّ. فالمعطيات نفسها تتحدث خروج الوزارة، عن أبسط موجباتها ودورها الطبيعي في تسهيل التواصل الدبلوماسي بين الدول والمؤسسات اللبنانية عبر التعامل الفظ والمتعالي، وهو أمر لا ينسجم مع الأصول الدبلوماسية ولا مع الاحترام الواجب لممثلي الدول الأجنبية.
وبدون الدخول في انسحاق “زعيم الوزارة” يوسف رجّي أمام الأميركيين وسفاراتهم وأمام غيرهم من الشخصيات الدولية التي تنتهك السيادة اللبنانية وتتدخل في تفاصيل شؤونها الداخلية، فالوزارة في عهد “الزعيم” رجّي لم تعد تؤدي دورها كوزارة خارجّية للبنان بكلّ مكوناته وعلاقاته، بل تحوّلت، عملياً، إلى جهاز سياسي يعمل وفق أجندة فريق محدّد وتوجهاته الداخلية والخارجّية.
إنّ رجّي وفريقه «خطفوا» وزارة الخارجّية من دورها الوطني الجامع، وحوّلوها إلى ما يشبه مكتباً لحزب القوات بأجندته الداخلية والخارجّية، ويخضع لاعتبارات سياسية وانتقائية في إدارة الملفات الدبلوماسية الحساسة.
(القوات اللبنانية كلفت مدير الشؤون السياسية ابراهيم عساف بمتابعة شؤون الوزارة والذي يتعاطى في الوزارة على أنه الآمر الناهي، ويتدخل في كلّ صغيرة وكبيرةـ ويضع أجندات حزبه قيد التنفيذ داخل الوزارة خصوصاً عندما يغيب الوزير عن الوزارة).
وبصرف النظر عن الموقف السياسي من إيران أو من أيّ دولة أخرى، فإنّ المعيار الذي يجب أن يحكم عمل وزارة الخارجية هو القانون والأصول الدبلوماسية والمصلحة اللبنانية، لا الحسابات الفئوية ولا تصفية الحسابات السياسية. فحين تصبح وزارة سيادية أسيرة القرار والمزاج السياسي، تتضرّر صورة الدولة قبل أيّ طرف آخر، ويتحوّل لبنان من دولة تدير علاقاتها وفق المؤسسات إلى ساحة تتغيّر فيها القواعد تبعاً للهوية السياسية للجهة المعنية لا بل تتحوّل الى دويلة.
إنّ ما يقوم به اليوم حول أداء رجّي وفريقه يستدعي توضيحات رسمية وصريحة للرأي العام، لأنّ استمرار الصمت حيال ذلك لا يؤدي إلا إلى تعميق الشكوك حول طبيعة القرار داخل الوزارة، وحول ما إذا كانت لا تزال وزارة خارجّية لبنان، أم أنها باتت بالفعل، وزارة لفريق سياسي واحد لا أكثر.
إنّ لجنة الخارجّية في البرلمان اللبناني مطالبة بدعوة الوزير رجّي وفريقه ومساءلتهم واتخاذ الإجراءات اللازمة حيال رجّي ولو بطرح الثقة به، وانْ لم يؤدّ الإجراء الى نتيجة، لكن مجرد الطرح، هو إجراء توبيخي سياسي على أدائه المرفوض…