الدولة تترك اللبنانيين... والسفارة و«الأونروا» الفلسطينيين: لاجئو مُخيّمات صور يفتحون أبوابها لنازحي الجنوب

post-img

راجانا حمية (صحيفة الأخبار)

في عدوان 2024، استضافت مُخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في صور كثيراً من نازحي القرى والبلدات اللبنانية المجاورة. وكذلك، في العدوان المستمر منذ 2 آذار 2026، فتح أبناء هذه المخيمات أبوابها، غير أن نيران الحرب الحالية وصلت إليهم أيضاً.

فباتوا يبيتون فيها مع ضيوفهم عند انخفاض وتيرة القصف، ويتركونها مع بعضهم مع كلّ إنذار إخلاء، كما حصل في مخيم البص، الذي استُهدف مرتين. أسفر الاستهداف الأول، في حصيلة غير نهائية، عن استشهاد عدد من السكان، وتدمير خمسة بيوت بالكامل، وإصابة 35 بيتاً آخر بأضرار كبيرة. وفي الاستهداف الثاني، استشهد عدد آخر أيضاً. رغم ذلك، يعود الناس في كلّ مرة، يقول يحيى عكاوي، عضو اللجنة الشعبية في مخيم البص. وهو واحد من الذين لم يغادروا، في الحربين الماضية والحالية.

لاقى النازحون اللبنانيون في المخيمات الفلسطينية احتضاناً شعبياً لم يجدوه من دولتهم. وهذه «عادة أهل المخيمات»، يقول إبراهيم خطاب، عضو اللجنة الشعبية في مخيم البرج الشمالي، الذي وصل عدد النازحين فيه إلى ما يوازي ثلث سكانه. فالمخيم يسكنه 2800 عائلة تقريباً، ونزح إليه في الحرب الأخيرة 800 عائلة «معظمها يقيم مجاناً، سواء في الصالات التي افتتحناها في المخيم أو في البيوت التي قدّمها بعض السكان»، وفقاً لخطاب.

ومثله مخيم الرشيدية، الذي استقبل بين 350 و400 عائلة نازحة، يقول إيهاب مراد، مسؤول الشبيبة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان. بعضهم لجأ إلى أقارب له في المخيم، وآخرون أقاموا في بيوت قدّمها معارف وأصدقاء، فيما استأجر الباقون بيوتاً أو غرفاً تؤويهم، في ظلّ عجزهم عن تحمّل بدلات الإيجارات المرتفعة في الخارج. هكذا، صار المخيم مخيمات، وأزقته التي كانت تضيق بأهلها ضاقت أكثر.

مع ذلك، لا يزال اللاجئون يستقبلون النازحين ويتقاسمون الحياة معهم بحذرها وخوفها. وهو مشهد يمكن استعادته في كل مرّة تنشب فيها حرب في الجنوب. وحده مخيم البص كان النزوح إليه خجولاً، بسبب التصاقه أو شموله بالأماكن المُنذَرة بالإخلاء، وتعرّضه لغارات مباشرة أكثر من مرّة. ولذا، لا يمكن تحديد أعداد النازحين إليه، فـ«الرقم متحرّك»، يقول يحيى عكاوي، ابن مخيم البص. وفي الأيام المنصرمة، تراجع عدد المقيمين فيه إلى 25 - 30% من الرقم الإجمالي، بعدما أجبرت الضربات الأخيرة الكثيرين على البحث عن أماكن أكثر أماناً خارج المخيم والمدينة، مع الإشارة إلى أنه غالباً ما يبقى من العائلات المغادرة «الشباب، فيما تخرج النساء والأطفال إلى أماكن أخرى»، يوضح عكاوي.

لا مساعدات ولا من يساعدون

على عكس كثير من قرى الجنوب الواقعة تحت النار، لم تُفرغ مخيّمات صور من سكانها، وإن قلّت أعدادهم في بعضها. ومع ذلك، لا يجد المقيمون فيها، وضمناً النازحون إليها، من يُولِي اهتماماً بهم، في ظلّ حرب طاحنة حرمت السواد الأعظم منهم من أعمالهم، ولا سيما أن معظم مُعِيلي العائلات كانوا يعملون في مؤسسات أو بساتين جنوبية، وهم منقطعون عن العمل منذ مئة يوم تقريباً.

وكالة «الأونروا» قطعت علاقتها باللاجئين الفلسطينيين منذ بداية الحرب، والدولة تركت هي الأخرى النازحين اللبنانيين إلى المخيّمات خارج أي برنامج استجابة، إذ لم تفتتح مراكز لإيوائهم لا في المخيمات ولا على تخومها، باستثناء مركز إيواء واحد على مقربة من مخيم البص. لذا، لجأ الناس «إلى بعضهم»، يقول مراد، ابن مخيم الرشيدية.

أمّا المساعدات، فلم تقدّم الدولة سوى حصص غذائية عبر لجنة إدارة الكوارث في رئاسة الحكومة، أُعطيت للنازحين في البرج الشمالي، ولم يوزّع مثلها في المخيمَين الآخرين. واتحاد بلديات صور، يُرسِل إليه أعضاء اللجان الشعبية في المخيمات باستمرار تحديثاً بأعداد النازحين وأماكن إقامتهم، من دون أن يجدوا لديه مساعدات جاهزة لتزويدهم بها.
من بين ما وصل إلى النازحين والمضيفين «كرتونة مواد تنظيف من منظمة اليونيسف»، فيما وزّع الصليب الأحمر حصصاً غذائية على النازحين فقط، من دون المقيمين.

أما «الأونروا»، فلم تقدّم لا مساعدة غذائية ولا موادّ تنظيف، وحتى الخدمات التي كانت تقدّمها خرجت من الخدمة. ووفقاً لمراد وعكاوي، أقفلت الوكالة عيادتيْها في المخيّمين، حارمةً اللاجئين من الأدوية الشهرية التي كانت توزّعها والمعاينات والموافقات للدخول إلى المستشفيات، فيما أبقت على عيادة البرج الشمالي بنصف دوام «من الثامنة صباحاً وحتى الثانية عشر ظهراً»، يقول خطاب. غير أنه لا فرق بين فتحها وإغلاقها. فغالبية الأدوية الشهرية غير متوفّرة، إضافةً إلى الاختصاصات الطبية. وبالنسبة إلى تصوير الوكالة قافلات لمساعدات تقدّمها، يقول خطاب: «إننا لم نرَ منها شيئاً». عدا ذلك، لا تقف الاحتيجات عند الغذاء فقط، فـ«هناك أمور أخرى غير العدس والرز والسكر، الناس يحتاجون إلى مساعدة نقدية، خصوصاً أن الغالبية تركت أشغالها»، يقول عكاوي.

وكذلك الحال بالنسبة إلى السفارة الفلسطينية في بيروت. فاهتمامها باللاجئين يكاد يكون شبه معدوم، وجلّ ما فعلته هو تقديم «مساعدة بقيمة 50 دولاراً لمرة واحدة لحالات مرضية، بلغت قرابة 150 مريضاً»، وفقاً لعكاوي. وبسبب هذه اللامبالاة، تتدبّر الجمعيات المحلية في المخيمات أمور الناس على قاعدة «ما بِحك جلدك إلا ضفرك»، يقول مراد.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد