البريفيه واقعٌ مفروض والهواجس تنتقل من الإلغاء إلى التنفيذ

post-img

فاتن الحاج (صحيفة الأخبار)

أصبحت امتحانات الصف التاسع الأساسي (البريفيه) المقررة اعتباراً من الاثنين المقبل أمراً واقعاً، مع تمسك وزارة التربية بخيار إجرائها حتى اللحظة الأخيرة، رغم أن شريحة واسعة من الطلاب والأهالي كانت تراهن على إلغائها أو التراجع عنها بسبب الظروف الاستثنائية والأمنية التي رافقت العام الدراسي. ومع حسم الوزارة خيارها واعتماد آلية الامتحانات المدرسية الخاضعة لإشرافها، انتقل القلق من مصير الامتحان نفسه إلى تفاصيل التنفيذ والمناهج وآليات التقييم، وصولاً إلى مصير الطلاب في المدارس المقفلة.

لماذا لا يُعامل كصف عادي؟

لم يكن هذا الاعتقاد بعيداً عن المسار الذي سلكه الملف خلال الأسابيع الماضية. فبعد حصول وزارة التربية على إعفاء من إجراء الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة، ساد لدى عدد من المديرين والأهالي والطلاب انطباع بأنه سيُعاد النظر في هذا الاستحقاق، وسيُعامل الصف التاسع كغيره من الصفوف، وأن النتائج ستُبنى بصورة أساسية على العلامات المدرسية. إلا أن الوزارة اختارت مساراً مختلفاً يقوم على امتحانات مدرسية تخضع لضوابط ومعايير موحدة وإشراف مباشر منها، في محاولة للحفاظ على مستوى من التقييم المشترك بين مختلف المدارس قبل انتقال التلامذة إلى المرحلة الثانوية.

الإرباك في المدارس

ومع اقتراب موعد الاستحقاق، لم تعد التساؤلات تدور حول مصير الامتحان بقدر ما باتت تتركز على كيفية تطبيقه. فقد بدأ عدد من المدارس التحضير لامتحاناته النهائية أو وضع برامجه الخاصة قبل صدور الآلية الجديدة، فيما أنجز بعضها اختبارات أو كان على وشك إنجازها، قبل أن يجد نفسه ملزماً بالتكيف مع التعليمات التي فرضتها الوزارة، والتي شملت اعتماد المنهج المحدد من المركز التربوي للبحوث والإنماء، وإرسال الأسئلة وأسس التصحيح والنتائج وفق الأصول المعتمدة، إضافة إلى الالتزام بسلسلة من الضوابط التنظيمية والإدارية.

حجم المنهج المطلوب

ويقول طلاب وأهالٍ إن أكثر ما أثار قلقهم خلال الأيام الأخيرة هو حجم المنهج المطلوب، بعدما توسعت المواد المقررة للامتحانات مقارنة بما كان متوقعاً في عدد من المدارس. فبينما كان كثيرون ينتظرون برامج مخففة أو الاكتفاء بما سبق أن حضرته المدارس، وجدوا أنفسهم أمام امتحانات تستند إلى البرامج التي حددها المركز التربوي، ما فرض عليهم إعادة تنظيم تحضيراتهم في وقت قصير. وفي موازاة ذلك، يطرح بعض المديرين تساؤلات تتعلق بآلية تطبيق الامتحانات وتنظيمها في المؤسسات، في ظل ضيق الوقت وتعقّد الظروف اللوجستية.

غياب وحدة المعايير

ويعتبر بعض المديرين أن الامتحان بات يشبه امتحاناً رسمياً من حيث حجم المادة، إذ لا يقتصر على الفصل الثاني فقط، بل يشمل مجمل الدروس المقررة. ويطرح هؤلاء تساؤلات حول كيفية تحقيق وحدة المعايير، في ظل اعتماد المدارس نفسها على وضع الأسئلة وإجراء الامتحانات والمراقبة والتصحيح، ما يثير علامات استفهام حول آليات ضمان العدالة وتكافؤ الفرص بين التلامذة.

الطلاب في المدارس المقفلة

ولا تقتصر الهواجس على المناهج، بل تمتد إلى مصير الطلاب في المدارس المقفلة في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع الغربي، حيث لا يزال بعض التلامذة موزعين على مناطق مختلفة بعد متابعتهم الدراسة عن بُعد خلال الأشهر الماضية. وتبرز هنا تساؤلات حول أماكن إجراء الامتحانات وآلية جمع الطلاب وتأمين مشاركتهم، في ظل الظروف الاستثنائية التي لا تزال تلقي بظلالها على بعض المناطق.

وزارة التربية: رأي التفتيش غير قانوني

في المقابل، تؤكد وزارة التربية التزامها بأصول الشفافية والإجراءات التي تفرضها القوانين قبل رفع أي مرسوم إلى مجلس الوزراء، لافتة إلى أنه وفقاً للأصول المعتمدة تُؤخذ أيضاً موافقة مجلس شورى الدولة عليه. وتشدد الوزارة على أنها كانت تتمنى من التفتيش التربوي اتباع الأصول القانونية في حال إبداء أي رأي، ولو على سبيل الاستشارة، بحيث يُقدَّم عبر القنوات والمراسلات الرسمية، معتبرة أن الاستماع إلى رأي التفتيش في هذا السياق غير ملزم قانوناً إذا لم يصدر ضمن الأطر الإدارية المحددة.

وتوضح وزيرة التربية، ريما كرامي، لـ«الأخبار» أن الطلاب الذين تابعوا تعليمهم عن بُعد يبقون طلاباً نظاميين في مدارسهم، ويتقدمون إلى الامتحانات في المدارس المسجلين فيها أو في مراكز بديلة تحددها الإدارات عند الحاجة. وتشير إلى أن الوقت لا يزال متاحاً لإجراء الامتحانات حتى في الحالات الصعبة، إذ يمكن تمديد المهلة حتى شهر أيلول وفق الظروف وتوافر المراكز المناسبة.

وتلفت كرامي إلى أن أوضاع المدارس الواقعة في مناطق متضررة أو غير آمنة ستُعالج بمرونة وفق واقع كل مؤسسة، سواء من خلال إجراء الامتحانات داخل المدرسة نفسها إذا أصبحت الظروف مناسبة، أو اعتماد مدارس مضيفة، أو توزيع التلامذة على مراكز أقرب إلى أماكن وجودهم، أو دمج أكثر من مدرسة ضمن مركز واحد عند الضرورة، على أن ترفع كل مدرسة تقريراً مفصلاً عن واقعها ليصار إلى دراسة حالتها بصورة منفصلة.

لا إعفاء للمدارس

وفي موازاة هذه التحديات، برزت تساؤلات أخرى بعد تداول معلومات عن إعفاء بعض المدارس من الامتحانات. إلا أن كرامي تنفي وجود أي قرار من هذا النوع، موضحة أن بعض المدارس التي تعتمد مناهج أجنبية وتجري عادة امتحانات «البريفيه الأبيض» تقدمت بطلبات استرحام لا تزال قيد الدرس، من دون اتخاذ أي قرار بشأنها حتى الآن.

وتتمسك وزارة التربية بأهمية هذا الامتحان، معتبرة أنه يشكل فرصة لقياس المستوى الفعلي للتلامذة قبل انتقالهم إلى المرحلة الثانوية. وتقول كرامي إن الهدف هو تقييم شامل لا يقتصر على نتائج الفصل الأخير أو العلامات المدرسية وحدها.

التفتيش يدعو إلى إلغاء الامتحانات

إلا أن هذا التوجه لم يخلُ من اعتراضات، إذ صدر رأي تربوي–إداري للمفتشة العامة التربوية فاتن جمعة دعت فيه إلى إلغاء المذكرة الخاصة بامتحانات البريفيه واستبدالها بآلية قانونية جديدة أكثر وضوحاً لتنظيم منح إفادات النجاح لتلامذة الصف التاسع، كما طالبت باستصدار مرسوم جديد ينظم العملية بصورة صريحة.

ويستند هذا الرأي إلى أن المذكرة التي حددت آلية الامتحانات صدرت قبل صدور المرسوم الذي أعفى وزارة التربية من إجراء الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة، ما يطرح إشكالية قانونية حول الإطار الذي استندت إليه الآلية، إضافة إلى ملاحظات تتعلق بتكافؤ الفرص وآليات الرقابة والتدقيق في المدارس.

طعمه: أزمة حكم

من جهته، يقول المحامي الدكتور جاد طعمه إنه، سنداً لأحكام القانون، فإن وزيرة التربية محقّة قانونياً في ممارسة سلطتها النظامية، إذ إن أي قرار بإلغاء الامتحانات أو تعديلها يجب أن يصدر عن مجلس الوزراء بعد استشارة مجلس شورى الدولة، وهي غير ملزمة برأي المفتشية إذا صدر خارج القنوات الرسمية.

ويتابع طعمه أن ذلك لا يعني أن المفتشة التربوية فاتن جمعة غير محقّة في ممارسة الدور المناط بها قانوناً لجهة تقديم المشورة والرقابة، إذ إن ملاحظاتها كشفت شوائب قانونية جوهرية تتعلق بالاختصاص والصلاحيات وتكافؤ الفرص، وقد تشكل أساساً لأي طعن محتمل أمام مجلس شورى الدولة لاحقاً.

ويعتبر أن السجال الحالي يعكس أزمة حكم أكثر منه أزمة قانونية، في ظل غياب المرجعية العليا، أي مجلس الوزراء، عن حسم الملف وإخراجه من التداول الإعلامي.

وفي مجال آخر، يرى طعمه أنه، في ظل الحرب النفسية التي يعيشها الطلاب، لا يمكن لأي آلية أن تكون عادلة بالكامل، كما أن الامتحان الرسمي بآليته التقليدية بات مستحيل التطبيق أيضاً. لكنه يشدد على أنه، في حال تقرر إلغاء الامتحانات الرسمية للثانوية العامة مثلاً والركون إلى منح الإفادات المدرسية للترفيع، فلا بد من إخضاع هذه الآلية لرقابة صارمة من التفتيش والمناطق التربوية مع عقوبات رادعة، تفادياً لتكرار تجربة فساد «دكاكين التعليم» السابقة.

وعشية انطلاق الامتحانات، يبدو أن الجدل الذي رافق ملف البريفيه لم ينتهِ بالكامل، لكنه لم يعد يدور حول إجرائها أو إلغائها بقدر ما بات يتركز على كيفية تنفيذها وضمان عدالتها وتوحيد معاييرها بين مختلف المدارس، في وقت يستعد فيه عشرات الآلاف من الطلاب لخوض استحقاق أصبح مؤكداً.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد