في مراجعة سريعة لسياق الحرب المستمرة، يتضح أن الحرب العدوانيّة الجارية بين الغرب الصهيو- أمريكي المهيمِن وملحقاته من جهة، وبين جبهة المقاومة من جانب آخر، دخلت مرحلتها الثامنة، حين حجز "طوفان الأقصى" حجر الزاوية في عمليّة نوعيّة دفاعيّة من أجل البقاء ضد احتلال عدوانيّ استيطانيّ توسّعي، ثم شكّلت جبهات الإسناد والدفاع عن معادلات الردع في انتهاجها "المعركة بالنقاط" سبيلًا على جبهات عدّة ملمحًا ثانيًا، لتبلغ عتبة الحرب على لبنان، في العام 2024 المحطة الثالثة.
في العام 2024؛ تقابلت "أسهم الشمال" بمعركة "أولي البأس" لتكون سمة بارزة في ذلك المقطع الزمني، ثم استمر الإسناد اليمني، في حين أعيد ترتيب المسرح الجيوسياسي في ضوء الانقلاب الخاطف بإعادة تشكيل السلطة في سورية ولبنان مع استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة وتفاقم الإملاءات الأميركيّة وصولًا إلى العملية العدوانيّة الإسرائيليّة على "مملكة قطر" (9 سبتمبر/أيلول 2025) لإبرام اتفاق شبه قسري آخر يحرج حركة المقاومة الإسلاميّة (حماس) بالاستجابة له، بعد أن بذلت أقصى جهدها لإثبات لإرادة البقاء بكرامة راسخة واقتدار ممكن، من دون أن يحول دون استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على غزّة والضفّة وأنحاء أخرى من فلسطين المحتلّة، فتستقر تلك الرحلة عند محطتها الرابعة على هذا النحو.
من داخل الجبهة الدبلوماسيّة، فجّرت الولايات المتحدة الأميركيّة مرّة أخرى، مفاوضاتها مع الجمهوريّة الإيرانيّة الإسلاميّة، لكن هذه المرّة ليس بتمزيق اتفاق العام 2018 وما تلاه من اغتيال الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس مطلع العام 2020، إنما بإطلاق يد العدوان الإسرائيليّ عليها ثم انخراطها المباشر العلني. إذ سجّلت إيران الطلقة الأخيرة، في قاعدة العيديد الأميركيّة وداخل الكيان المؤقّت، وهكذا سجّلت المحطة الخامسة إعادة التوازن لصالح جبهة المقاومة ومنحت حركاتها المجاهدة فرصة التعافي وترميم القدرة والاستعداد لليوم الآتي من استئناف المواجهة مع الاحتلال والعدوان، حيث أثبتت الجمهوريّة الإسلاميّة جدارتها في اختراق أنظمة العدو الصهيوني وحلفائه الردعيّة كافة، ورسّخت صورة التدمير داخل الكيان بما لم يشهده تاريخ إحلاله واحتلاله من قبل.
ساد، بعد ذلك؛ ترقّب حذر، في المحطة السادسة مشتملًا على استمرار العدوان الإسرائيليّ المباشر وغير المباشر على أنحاء من لبنان وفلسطين وسورية واليمن، واستمرار العدوان الأمني على إيران والعراق؛ ثم حصل الانتقال إلى تحريك الفوضى داخل إيران في 18 و19 كانون الثاني/ يناير متزامنًا مع استثمار البلطجة الأميركيّة على فنزويلا وتهويلها الاستعلائيّ إبان المفاوضات في محطّة سابعة، لتدخل المنطقة بأسرها أخطر حرب في هذه المحطة الثامنة.
بعيدا عن الدوغمائية والأدلجة، من المعلوم أن كل ما تؤديه "إسرائيل" من وظائف إنما تستند إلى حماية دولية غربية وعربية تتصدّرها الولايات المتحدة الأميركيّة. إذ سعّرت نار العدوان الإسرائيلي وحملات الإبادة، متلازمة مع استراتيجيات إنشاء مناطق اقتصادية عازلة وخالية من أهل الأرض في غزة والجنوبين اللبناني والسوري، واتسعت المستوطنات في الضفة الغربية، مع التحفّز للتهجير الفلسطيني واللبناني إلى مصر ولبنان والأردن، مقابل "عدم السماح لدول أخرى أو فاعلين آخرين بالتلاعب بأمن العالم"؛ كما يقول ترامب. وهنا؛ يحتكر أمن العالم ويختزله بأمن الولايات المتحدة الأميركيّة وأنظمتها ونخبها الملحقة والتابعة في استتباب الهيمنة وتحسين شروط نفوذها، وعبثًا يحاول ترسيخ الأحادية القطبيّة.
كشفت المحطّة الثامنة، من الحرب الممتدة، أن الرد الإيراني السريع وشموله القواعد الأميركية في الخليج العربي والأردن والعراق فضلًا عن الكيان الإسرائيلي، أجهض الأهداف الكبرى منذ الساعات الأولى، وقلب السحر على الساحر خلال 44 يومًا من المواجهات. تفاعلت معه جبهات لبنان والعراق واليمن متفاوتة الإسهام والتأثير؛ فيما شكّلت الجبهة اللبنانيّة عملية استدراج الكيان الإسرائيلي إلى مستنقع الاستنزاف وإدامة الإرهاق للمؤسستين العسكرية والأمنية الإسرائيليّة وإعادة إنتاج تطبيق 1701 على أرضية متوازنة؛ تحفظ للبنان سيادته وكرامته وأمنه، عساها تعيد إنتاج الواقع والوقائع الأمنية والعسكريّة والسياسيّة.
هدنة للاتفاق أم لاستئناف العدوان؟
جاء توقيت الهدنة على الساعة الأميركيّة، مستجيبًا إلى كونها مارست كل قوّة النار وتطبيق خطتها مع إنجازها أهدافها العمليّاتيّة المباشرة من أجل الهيمنة وبلوغ أهدافها الفعليّة الاستراتيجيّة الكبرى. لكن قدرة الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة على الصمود وتبديد وتفريغ الأهداف العدوانيّة الاستراتيجيّة، وفرض معادلة مضيق هرمز، وتفعيل قوة المقاومة في أكثر من جبهة، وضرب القواعد والمصالح الأميركية والإسرائيليّة؛ والاقتراب من مهلة ستين يومًا لخوض رئيس الولايات المتحدة الأميركيّة حربًا من دون تفويض (مع نقاش حاد ومعمّق في الكونغرس ومجلس الشيوخ الأميركي في صلاحيّات الرئيس في خوض حرب من دون تفويض، وجمع أيام الجولتين الأولى 12 يومًا والثانية 44 يومًا)؛ ونجاح إيران الإسلاميّة من الحفاظ على وحدتها الداخلية ونزع ذرائع تكوين تحالف ضدها؛ أدى ذلك إلى شراء وقت لعوامل وعناصر عدة، منها:
الأول: الحصول على ما تريد في المفاوضات، بالاستناد إلى تثمير أهدافها العمليّاتيّة المنجزة بالتلازم مع التهويل المدعوم بفرض وقائع جديدة عبر ممارسة الحصار على البحرية الإيرانيّة في مضيق هرمز، مع إصدار وزارة الخزانة الأميركيّة مزيدًا من العقوبات على أصول وأشخاص إيرانيين أو من يدورون في فلك جبهة المقاومة لا سيّما في لبنان، والتلويح بإعمال قوة النار التي تنال من ركائز إيران الاقتصاديّة والأمنيّة، وإعمالها بحدود معيّنة تؤشر إلى جديّة التهديد عساها تحرّك الجمود أو الاختناق التفاوضي في خدمة الإذعان المطلوب.
الثاني: الاستعداد للجولة العدوانية الثالثة في حال إخفاق المفاوضات من إخضاع إيران، خاصة أن تقديراتها الاستراتيجيّة قد أخفقت مع تسديد نيرانها على بنك أهدافها، بينما تحتاج قواعدها والكيان الإسرائيلي المؤقت إلى ترميم أنظمة الدفاعات الصاروخيّة. وهو ما يستدعي تحضيرات لوجستية وعسكرية توفره التهدئة تحت ظلال التفاوض بصورة أسرع وأنجع منه تحت النار.
الثالث: تخفيف حدة النقاش الرسمي الداخلي واحتوائه، ومحاولة إقامة تحالف عسكري وأمني أو تفعيل الانخراط العسكري والأمني بما يعزّز الموقف الأميركي وتحشيد الرأي العام حوله.
أمام التفاؤل بإيقاف الحرب، تبقى المرحلة مفتوحة على تطوراتها، وإن وضع إطار لاتفاق على مرحلتين، ثمة معوقات وعرقلات وترحيل المعقد والجوهري إلى مدة قد لا تكون كافية، فيما الوفاء بالتزامات المرحلة الأولى ضمن دائرة الشك، فضلًا عن ألاعيب ماكرة تنذر بممر لا ضمانات فيه؛ إلا إبقاء اليد على الزناد والتأهب في الجبهات كافة.