إقرار كاتس: كيف يستثمر لبنان اعترافًا إسرائيليًا في المفاوضات؟

post-img

محمد عيسى/جريدة الأخبار

لم يكن تصريح وزير الأمن الإسرائيلي كاتس، الذي أعلن فيه أن إسرائيل دمّرت عشرين قرية لبنانية بالكامل، مجرّد موقف سياسي أو رسالة موجّهة إلى الداخل الإسرائيلي، بل واحدًا من أهم التصريحات التي يمكن أن تستند إليها الدولة اللبنانية في بناء ملف قانوني دولي للمطالبة بمُساءلة إسرائيل وتعويض لبنان عن الدمار الذي خلّفته الحرب.

في القانون الدولي، لا تكمن أهمية مثل هذه التصريحات في بعدها الإعلامي، بل في قيمتها الإثباتية عندما تقترن بالأدلة المادية. وإذا كانت صور الأقمار الاصطناعية وتقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية وشهادات السكان تثبت حجم الدمار الذي لحق بالقرى الجنوبية، فإن صدور تصريح عن مسؤول سياسي وعسكري رفيع المستوى يتحدّث صراحة عن تدمير قرى بأكملها يمنح هذا الملف بعدًا قانونيًا إضافيًا، ويشكل قرينة يمكن الاستناد إليها ضمن منظومة متكاملة من الأدلة.

القانون الدولي الإنساني لا يحظر الحرب بحد ذاتها، لكنه يضع قيودًا صارمة على وسائلها وأساليبها. فالمبدأ الأساسي يتمثّل في التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وفي حظر الهجمات غير المتناسبة أو تلك التي تلحق أضرارًا مُفرطة بالمدنيين مقارنة بالميزة العسكرية المتوقّعة. كما تحظر اتفاقية جنيف الرابعة تدمير الممتلكات المدنية إلا إذا كانت الضرورة العسكرية تفرض ذلك بصورة حتمية، وهو استثناء يُفسّر تفسيرًا ضيقًا في الفقه والقضاء الدوليين.

من هنا، فإن أي إقرار بتدمير قرى كاملة يطرح تلقائيًا سؤالًا قانونيًا جوهريًا: هل كانت جميع هذه القرى، بكل منازلها ومدارسها ومستشفياتها وطرقها وبناها التحتية، أهدافًا عسكرية مشروعة؟ أم أن التدمير تجاوز حدود الضرورة العسكرية، بما قد يرقى إلى جريمة حرب تستوجب المُساءلة؟

لكن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بإسرائيل، بل بلبنان نفسه: هل تمتلك الدولة اللبنانية الإرادة لتحويل هذا التصريح إلى قضية قانونية دولية؟

حتى الآن، لم تطلب الدولة اللبنانية إنشاء لجنة دولية مستقلة لتقصّي الحقائق، ولم تبادر إلى بناء ملف قانوني شامل يضم الأدلة الرقمية، وصور الأقمار الاصطناعية، وتقارير الخبراء، والشهادات الميدانية، والإقرارات الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين. وهذا في حد ذاته يمثّل خسارة قانونية وسياسية، لأن قيمة الأدلة تتأثر بمرور الوقت، بينما يصبح توثيقها أكثر صعوبة كلما تأخر العمل عليها.

إن أول خطوة ينبغي أن تقوم بها الحكومة اللبنانية هي إنشاء لجنة وطنية عليا تضم قضاة وخبراء في القانون الدولي الإنساني والهندسة العسكرية والطب الشرعي، يتولّون جمع الأدلة وفق المعايير الدولية، وإعداد ملف قانوني متكامل. وفي الوقت نفسه، يجب إطلاق تحرك دبلوماسي يهدف إلى مطالبة الأمم المتحدة، سواء عبر الجمعية العامة أو مجلس حقوق الإنسان، بإنشاء لجنة دولية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات التي شهدها لبنان، بما يضمن توثيق الوقائع وحفظ الأدلة بصورة محايدة.

لا تقتصر أهمية هذا المسار على السعي إلى تحقيق العدالة، بل تمتد إلى البعد السياسي. فالدول لا تتفاوض فقط بالقوة العسكرية، بل تتفاوض أيضًا بالقانون والشرعية الدولية. وكلما امتلك لبنان ملفًا قانونيًا موثّقًا، ازدادت قدرته على إدراج قضية التعويضات وإعادة الإعمار ضمن أي مفاوضات مستقبلية، سواء تعلقت بترتيبات وقف إطلاق النار، أو الانسحاب من الأراضي المحتلة، أو التسويات الأمنية والسياسية.

التعويضات ليست منحة، وليست مساعدة إنسانية، وإنما هي حق قانوني متى ثبتت المسؤولية الدولية عن الأضرار. وقد شهد القانون الدولي سوابق عديدة ألزمت دولًا بدفع تعويضات عن أفعال غير مشروعة، عندما توافرت الأدلة وآليات المُساءلة والإرادة الدولية.

غير أن امتلاك الحق لا يعني بالضرورة الحصول عليه. فالمعركة القانونية، شأنها شأن المعركة السياسية، تحتاج إلى رؤية واستراتيجية ونفس طويل. وإذا بقيت الأدلة مُبعثرة، والتحرك الرسمي محدودًا، فإنه حتى أقوى التصريحات ستبقى مجرد مادة إعلامية سرعان ما يطويها الزمن.

أمّا إذا أحسن لبنان استثمارها، فإنها قد تتحوّل إلى نقطة انطلاق لملف قانوني ودبلوماسي طويل الأمد، يهدف إلى تثبيت المسؤولية الدولية، والمطالبة بتعويض الضرر، وإعادة الاعتبار للضحايا، وتحويل القانون الدولي من نصوص مكتوبة إلى أداة فعلية للمُساءلة. ولا يقتصر البعد الاستراتيجي لهذا الملف على إمكان اللجوء إلى القضاء الدولي، بل يمتد إلى توظيفه كورقة تفاوضية ذات قيمة عالية.

التجارب الدولية تثبت أن الملفات القانونية الموثّقة كثيرًا ما تتحوّل إلى عنصر ضغط في المفاوضات السياسية، حتى قبل صدور أي أحكام قضائية. ومن هذا المنطلق، يستطيع لبنان أن يجعل مسألة المسؤولية عن الدمار والتعويضات بندًا ثابتًا في أي مفاوضات مستقبلية، سواء تعلّقت بتثبيت وقف إطلاق النار، أو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، أو إعادة الإعمار، أو الترتيبات الأمنية الطويلة الأمد. فوجود ملف قانوني متكامل، مدعوم بالأدلة الميدانية، وتقارير الأمم المتحدة، والإقرارات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين، يرفع الكلفة السياسية والدبلوماسية على إسرائيل، ويمنح لبنان ورقة تفاوضية مشروعة تستند إلى قواعد القانون الدولي، وليس إلى موازين القوة وحدها.

في المقابل، ينبغي أن يتعامل لبنان مع هذه الورقة بحذر شديد، بحيث لا تكون المطالبة بالتعويضات أو المُساءلة محل تنازل مجاني في أي اتفاق مستقبلي، بل تُستخدم كحق قانوني قابل للتفاوض ضمن إطار تسوية شاملة تحقّق المصالح الوطنية اللبنانية. ويمكن للبنان، إذا اقتضت المصلحة الوطنية، أن يربط أي بحث في ترتيبات أمنية أو اقتصادية أو حدودية بالتقدّم في ملف إعادة الإعمار وجبر الأضرار، من دون أن يعني ذلك التخلي عن حقه القانوني في المُطالبة بالمُساءلة. فكلّما كان الملف القانوني أكثر إحكامًا، ازدادت قدرة الدولة على تحويله من مجرد وثيقة قضائية إلى أداة ضغط سياسية ودبلوماسية تعزّز موقعها التفاوضي وتمنع تجاوز حقوقها في أي تسوية إقليمية مقبلة.

اليوم، يقف لبنان أمام خيارين واضحين: إمّا أن يبقى الدمار مجرّد رقم يضاف إلى ذاكرة الحروب، وإمّا أن يحوّل هذا الدمار، مدعومًا بالأدلة والإقرارات، إلى قضية قانونية وسياسية لا تسقط بالتقادم، ويجعل من حق التعويض والمُساءلة أحد الثوابت الوطنية في أي مفاوضات أو تسويات مقبلة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد