xAI تدافع عن «حقّها» في إنتاج موادّ إباحية مزيّفة لأطفال!

post-img

نزار نمر/جريدة الأخبار

بالكاد مرّ أسبوع على خبر تبرئة القضاء الأميركي مواطنًا صنّع موادَّ إباحية لأطفال عبر الذكاء الاصطناعي تحت حجّة «التعديل الأوّل» («الأخبار» 4/9/2026)، حتّى طفا خبر جديد مماثل، لكن هذه المرّة مع اسم الملياردير إيلون ماسك مالك منصّة X وروبوت الدردشة الخاصّ بها «غروك». هكذا، وتحت حجّة «حرّية التعبير»، يدافع ماسك عن «حقّ» استخدام «غروك» لتوليد الصوَر وتعديلها، ومضمونها مشاهد جنسية مزيّفة لأشخاص حقيقيّين، بمن فيهم قُصّر.

«غروك» ينتج موادّ إباحية لأطفال

الأزمة ليست وليدة اللحظة، إذ بدأت تتصاعد منذ أواخر 2025 وبداية 2026، بالتزامن مع انتشار إمكانية تعديل الصوَر بواسطة «غروك» على منصّة X. وبدلًا من أن تبقى المسألة في إطار الاستخدامات النظرية المحتملة للذكاء الاصطناعي، أظهرت تقارير وتحقيقات أنّ مستخدمين تمكنّوا من إعطاء النظام أوامرَ لتعديل صوَر حقيقية وتحويلها إلى صوَر ذات طابع جنسي من دون موافقة أصحابها. وأفادت «رويترز» في كانون الثاني 2026 بأنّ «غروك» أنشأ ونشر صورًا ذات طابع جنسي لنساء وأطفال، وسط تساؤلات جدّية بشأن فاعلية إجراءات الحماية التي وضعتها xAI (الشركة الأمّ) لمنع هذا النوع من الاستخدام.

الأرقام التي ظهرت لاحقًا جعلت القضية أكثر خطورةً. فقد قدّر «مركز مكافحة الكراهية الرقمية»، بناءً على عيّنة قام بتحليلها، أنّ «غروك» أنتج نحو ثلاثة ملايين صورة ذات طابع جنسي خلال فترة امتدت 11 يومًا، بينها ما يقدَّر بأكثر من 23 ألف صورة لأطفال، علمًا أنّ الأرقام هذه تبقى تقديراتٍ بحثية وليست إحصاءً رسميًّا لكلّ الصوَر التي أنتجها النظام.

دعاوى تلاحق xAI

استنادًا إلى ما سبق، أعلن المدّعي العامّ لولاية كاليفورنيا الأميركية روب بونتا فتح تحقيق رسمي بحقّ xAI و«غروك» في كانون الثاني الماضي. من جهتها، فتحت هيئة «أوفكوم» البريطانية تحقيقًا رسميًّا في منصّة X، بعد تقارير عن إنشاء صوَر عارية مزيّفة وصوَر ذات طابع جنسي لأطفال يمكن أن تدخل ضمن تعريف موادّ الاعتداء الجنسي على الأطفال. وفي شباط، فتح مكتب مفوّض المعلومات البريطاني تحقيقًا منفصلًا يتعلّق بطريقة معالجة X وxAI للبيانات الشخصية والضمانات الموضوعة لمنع إنشاء الصور الجنسية الضارّة.

في آذار الماضي، رفعت ثلاث فتيات مراهقات، اثنتان منهنّ قاصران، دعوى ضدّ xAI في ولاية تينيسي بدعوى استخدام «غروك» صوَرًا عادية لهنّ لتحويلها إلى صوَر عارية وجنسية مزيفة، فيما رفعت قاصر أخرى دعوى مماثلة في الشهر الحالي. أمّا في كندا، فقد تجاوز الأمر مرحلة التحقيق الأوّلي، إذ خلص مفوّض الخصوصية الكندي في حزيران الماضي إلى أنّ الشركتَين انتهكتا قانون الخصوصية الفدرالي الكندي.

شركة ماسك تحارب القوانين من أساسها

الحديث هنا لم يكن بعد عن اتّهام إيلون ماسك شخصيًّا بإنتاج هذه الموادّ، بل عن مسؤولية الشركات التي يقودها عن تصميم أداة أتاحت إساءة الاستخدام بهذا الشكل، وعن مدى كفاية إجراءات الحماية التي كان يُفترض أن تمنع النظام من تنفيذ هذه الأوامر. فقد ظهر في الشهر الحالي فصل جديد من الصراع بين ماسك والقضاء، بعدما حاولت xAI وفشلت في وقف قانون جديد في ولاية مينيسوتا يحظّر استخدام الذكاء الاصطناعي لصناعة صوَر عارية مزيّفة لأشخاص يمكن التعرّف إليهم من دون موافقتهم.

ادّعت الشركة بأنّ القانون يمسّ حقوقًا يحميها التعديل الأوّل للدستور الأميركي، بينما اعتبرت الولاية أن التشريع يستهدف أضرارًا محدّدة مرتبطة بالصوَر الجنسية غير الرضائية والاستغلال. ورفض القاضي الفدرالي طلب الشركة إصدار أمر قضائي أوّلي بتعليق القانون، لكنّ شركة ماسك لم تكلّ، فأعلنت نيّتها الاستئناف، ما أشعل هجومًا على ماسك على سائر منصّات التواصل الاجتماعي.

شمّاعة «حرّية التعبير»

هذه المواجهة تكشف عن صراع سيزداد حضورًا خلال السنوات المقبلة: إلى أيّ حدّ تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي استخدام مبدأ حرّية التعبير للدفاع عن نماذج قادرة على إنشاء محتوى ضارّ؟ وهل يكفي أن تضع الشركة شروط استخدام تمنع المحتوى غير القانوني، أم يجب أن تكون هناك حواجز تقنية تمنع إنتاجه أصلًا؟

الأرجح أنّ عصر الاكتفاء بعبارة «المستخدِم أساء استخدام الأداة» يقترب من نهايته؛ كلّما ازدادت قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي، ازدادت معها قدرة الشركات على توقّع أشكال إساءة استخدامها. وإذا كان خطر إنتاج صوَر جنسية مزيّفة للنساء والأطفال متوقعًا تقنيًّا، يصبح السؤال ليس فقط عمّا فعله المستخدِم، بل أيضًا عمّا فعلته الشركة لمنعها قبل إطلاق المنتَج.

المشكلة أنّ الذكاء الاصطناعي غيّر طبيعة التهديد نفسه. ففي الماضي، كان إنتاج موادّ الاعتداء الجنسي على الأطفال مرتبطًا بصورة أساسية بوجود اعتداء حقيقي تمّ تصويره. أمّا الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيسمح بصناعة صورة مزيّفة شديدة الواقعية انطلاقًا من صورة بريئة موجودة على الإنترنت. وهذا يعني أنّ صورة مدرسية أو صورة عائلية أو صورة منشورة على حساب اجتماعي يمكن أن تتحوّل إلى مادّة جنسية مصطنعة من دون أن يكون الطفل قد شارك أصلًا في أيّ موقف جنسي.

المفارقة الأخرى هي أنّ إيلون ماسك لطالما قدّم نفسه بوصفه مدافعًا عن حرّية التعبير، خصوصًا منذ استحواذه على منصّة «تويتر» وتحويلها إلى X. غير أنّ قضية الصوَر الجنسية المصطنعة تضع فلسفة تقليل القيود أمام اختبار مختلف تمامًا؛ حرّية التعبير لا تعني تلقائيًّا الحقّ في استخدام صورة طفل حقيقي لصناعة محتوى جنسي، كما أنّ النقاش بشأن رقابة المنصّات يصبح أكثر تعقيدًا عندما لا تكون المنصّة مجرّد مستضيف للمحتوى، بل توفّر بنفسها الأداة القادرة على إنتاجه. باختصار، حرّية المستخدِم تنتهي حيث تبدأ حرّية الآخرين، بل حقوقهم.

التكنولوجيا تستطيع اليوم صناعة صورة لحدث لم يقع، ولجسد لم يوجَد، ولموقف لم يحدث أبدًا. لكن عندما يكون الوجه في صورة ما لطفل حقيقي، تتحوّل القضية إلى قانونية وأخلاقية واجتماعية. وقد ارتضى إيلون ماسك أن يكون اسمه موصومًا على هذا العار.

«اليونيسيف» تنشُر أرقامًا صادمة

أظهرت دراسة نشرتها «اليونيسف» أخيرًا أنّ نحو 20 مليون طفل ممّن يستخدمون الإنترنت في 21 دولة تعرّضوا لشكل من أشكال الاستغلال أو الاعتداء الجنسي عبر الإنترنت خلال عام واحد، مقدّرةً أنّ نحو مليون طفل تأثّروا بصوَر جنسية مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد