زينب بزي (صحيفة الأخبار)
اختارت الدولة أن تتدّخل لا لتصحيح المعاشات التقاعدية، بل لتقليصها من نسبة 85% من الراتب الأخير إلى 70% وأقل في أبواب محدّدة، فضلاً عن تقليص نسبة الاستفادة من المعاش التقاعدي للموظف المتوفي. فمشروع مجلس الخدمة المدنية الذي بدأ النقاش فيه فعلياً في مجلس الوزراء، والذي يتضمن باباً مخصّصاً لهذا الأمر بعنوان «تعديل بعض الأحكام الخاصة بالتقاعد والصرف من الخدمة»، يضيف قيوداً جديدة على ما تبقى من هذا الدخل.
في مقدمة مشروع مجلس الخدمة المدنية لزيادة الرواتب و«إصلاح» نظام التقاعد، تبرز عبارة «لافتة» مضمونها: «مع المحافظة على احتساب المعاش التقاعدي للموظف وفقاً للأسس النافذة حالياً من دون أي مساس، تم اقتراح بعض الأحكام المتضمنة إصلاحات أساسية وضرورية على نظام التقاعد وتعويض الصرف».
لكن، ما يبدو في الظاهر «محافظة على أسس الاحتساب»، سرعان ما يتبدّد في مضمون النصّ. إذ إن مشروع التعديل لا يغيّر طريقة احتساب المعاش التقاعدي نظرياً، بل يتدخّل مباشرة في نسب الاستفادة وشروطها، أي في ما يصل فعلياً إلى المتقاعد وعائلته. ويتجلّى هذا التحوّل بوضوح في المواد الجديدة التي تحدّد نسب استفادة الموظف المتقاعد وأفراد عائلته من المعاش التقاعدي والتي تتضمن توحيد الخفض وفرضه صراحة «خلافاً لأي نص آخر»، بما يعني نسف القواعد السابقة واستبدالها بنسب أدنى ملزمة.
بهذا المعنى، تُعدّ المادة 23 من المشروع، المدخل الأساسي لخفض حقوق المتقاعدين الحاليين وأفراد عائلاتهم. وتنصّ صراحة على خفض نسب استفادة العائلة من أساس المعاش التقاعدي أو معاش الاعتلال. فبعدما كانت نسبة الاستفادة تبلغ 85%، ستُخفض إلى 80% عند وجود أكثر من مستفيد، و70% عند وجود زوج أو زوجة كمستفيد وحيد و60% عند وجود أحد الوالدين أو الابن أو الابنة.
وبذلك، يُقتطع ما بين 5% و25% من المعاش التقاعدي المحسوب أصلاً على قيمة متآكلة (الأجر المتآكل) بفعل الانهيار النقدي، ومن دون أي تصحيح أو ربط بمؤشر غلاء المعيشة. والأخطر أنّ هذه الخفوضات تُفرض على أوضاع قائمة، بما يشكّل مساساً مباشراً بحقوق مكتسبة، ويحوّل انتقال المعاش إلى العائلة من ضمانة اجتماعية إلى استثناء مشروط ومقلّص.
أما المادة 26، فتذهب أبعد من ذلك، فلا تكتفي بتقليص ما يصل إلى العائلة، بل تعيد صياغة نظام التقاعد برمّته للمعنيّين بعد نفاذ القانون. فهي تخفّض أساس احتساب المعاش التقاعدي وتعويض الصرف من 85% إلى 70% من الراتب الشهري الأخير، ثم تعود لتُخضع عائلة الموظف أو المتقاعد المتوفّى لسلّم خفوضات أشدّ قسوة محدّدة نسبة الاستفادة بـ 60% عند وجود أكثر من مستفيد، و50% عند وجود زوج أو زوجة فقط، و40% عند وجود أحد الوالدين أو الابن أو الابنة. وبذلك، تؤسّس هذه المادة لنظام تقاعدي تقشّفي دائم، يميّز بين أجيال الموظفين، ويحوّل المعاش من حق اجتماعي إلى مورد محدود لا يؤمّن الحدّ الأدنى من الأمان المعيشي.
ولا تقف الخسارة عند حدود النسب، إذ تربط المادة الجديدة هذه الاستفادة بشروط إضافية، أبرزها إسقاط الحق عند وجود أي دخل خاص، في لبنان أو الخارج، مهما كان متواضعاً. وهو ما يجعل هذه النسب سقوفاً نظرية قابلة للخفض أو السقوط، لا حقوقاً مضمونة. ويحوّل المعاش التقاعدي من شبكة أمان اجتماعي إلى مورد هشّ مشروط.
وأبرز مثال على ذلك، المادة 21 من المشروع التي ألغت المادة 26 من نظام التقاعد، ونصت على أنّه للأولاد الشرعيين والمتبنين العازبين الذين أتموا الثامنة عشرة وحتى إتمامهم سن الخامسة والعشرين في حال متابعتهم الدراسة، حقّ الاستفادة، شرط عدم تحقيقهم بعد سن الثامنة عشرة لأي دخل لحسابهم الخاص له طابع الاستمرار، وهذا يعد تغييراً جوهرياً و«خطيراً» بعدما كان يحقّ لهؤلاء المعاش من دون أي اعتبار لأي دخل آخر يحقق.
وهذا يعني عملياً أنّ الدولة تعاقب أي محاولة لتأمين حدّ أدنى من الاكتفاء الذاتي، وتساوي بين دخل رمزي بالكاد يسدّ جزءاً من كلفة المعيشة، ودخل فعلي يؤمّن الاستقرار، من دون أي تمييز أو مراعاة للواقع الاجتماعي. وهكذا يصبح كل عمل إضافي أو مورد بسيط سبباً محتملاً لقطع المعاش، بدل أن يكون عامل حماية من السقوط الكامل في الفقر.
لم يكتفِ المشروع الجديد بذلك فقط، بل ذهب أبعد عبر إلغاء مواد كانت تشكّل صمّام أمان اجتماعي، أبرزها المادتان 30 و31 من نظام التقاعد. فهذان النصّان كانا يلحظان استثناءات حمائية للطلاب، وللأبناء العاجزين، وللنساء في حال تغيّر أوضاعهنّ المهنية أو الاجتماعية. إلغاؤهما لا يعني تحديثاً تقنياً، بل شطب منطق كامل كان يربط المعاش بالقدرة الفعلية على كسب العيش، ويستبدله بقواعد أشدّ صرامة، هدفها تقليص عدد المستفيدين لا حماية الفئات الأكثر هشاشة.
أديب نعمة: هناك بدائل أكثر عدالة
يرى الخبير والمستشار في التنمية والسياسات الاجتماعيّة ومكافحة الفقر أديب نعمة، أنّ الإشكالية تكمن في المنطق الذي تنطلق منه المشاريع مثل مشروع تعديل نظام التقاعد. ويلفت إلى أن أي تعديل لنظام التقاعد يجب أن يستند إلى حدّ أدنى من المعايير الاجتماعية التي لا يجوز المساس بها، وإلى دراسة واقعية تأخذ في الحسبان أوضاع المتقاعدين ومستوى الفقر وكلفة المعيشة الفعلية.
ويتساءل نعمة عمّا إذا كان المشروع قد أُعدّ فعلاً بناءً على دراسات اجتماعية أو اقتصادية شاملة، أو بناء على عمل لجان متخصّصة درست أوضاع الناس وحاجاتهم في المرحلة الراهنة. فمن الواضح بالنسبة إليه، أن غالبية المواطنين صاروا بحاجة إلى نوع من المساعدة الاجتماعية. وفي رأيه، فإن الدولة لا تُبدي أي جهد فعلي لمعرفة أوضاع الموظفين والمتقاعدين، بل تختزل النقاش بسؤال واحد: كيف يمكن خفض الإنفاق العام؟
وينتقد نعمة حصر المقاربة بالجوانب المالية والموازنة فقط، من دون أي مراعاة للجوانب الاجتماعية أو الاقتصادية، معتبراً أنّ هناك بدائل أكثر عدالة كان يمكن اللجوء إليها بدلاً من تحميل المتقاعدين والموظفين كلفة التصحيح، كفرض ضرائب على الثروة، أو على الأملاك البحرية أو على العقارات الكبيرة، وهي مصادر إيرادات محتملة قد تدرّ على الخزينة أضعاف ما يتم اقتطاعه من حقوق المتقاعدين.
كما يربط نعمة أي نقاش بشأن خفض المعاشات، بوجود شبكة حماية اجتماعية فعلية، معتبراً أنّه لا يمكن الحديث عن تقليص التقديمات في بلد لا يؤمّن لمواطنيه خدمات أساسية كالضمان الصحي الشامل، الكهرباء، النقل العام والبنى التحتية الأساسية. ويشدّد على أنّ ملاحظاته لا تشكّل قراءة تفصيلية لكل مادة من مواد المشروع، بل توصيفاً للتوجّه العام الذي يحكم البلد اليوم، وهو توجّه قائم، بحسب تعبيره، على هاجس خفض الإنفاق فقط لا غير.