خضر حسان (صحيفة المدن)
يدور القيّمون على قطاع الكهرباء في حلقة مفرغة. الحديث نفسه عن الفساد وهدر المال العام وضرورة تحسين الجباية لزيادة القدرة على شراء الفيول وإنتاج المزيد من ساعات التغذية... والأهم، أنّ الحديث لا يقترب من قضيّتين ملِحَّتَين، هما وقف الاستنزاف والمساءَلة. وعليه، يستمر النهج القائم على ما هو عليه، وينجو المرتكبون. ذلك أنّ المنظومة التي أدارت القطاع على مدى عقود، ما زالت تتحكّم بمفاصله. فصفقات شراء الفيول وحدها ركن أساسي من تركيبة الصورة العامّة لقطاع الكهرباء، يضاف إليها باقي الأركان، من توظيفات وتلزيمات وما إلى ذلك. وفي قضية الفيول، علمت "المدن" أنّ باخرةً تنتظر في البحر، تحمل شحنة مدفوعة الثمن، لكنّها قد لا تستطيع الوصول إلى الشاطىء وتفريغ حمولتها، ما يؤثّر على ساعات التغذية وعلى المال العام.
فيول ومعامل
دأبت مؤسسة كهرباء لبنان على طلب الفيول للمعامل، إلاّ أنّ بعض التفاصيل التي تظهر فجأة، تعرقل وصول البواخر إلى الشاطىء وتفريغها. على أنّ تلك التفاصيل عند تكرارها، تفقد صفة المفاجأة.
وفي السياق، أكّدت مصادر متابعة لملف الكهرباء، أنّ "باخرة فيول تنتظر في البحر منذ أيام، وشحنتها مدفوعة الثمن. ما يعني أنّ تأخير تفريغها يرتّب على الدولة غرامات تأخير، أي هدراً للمال العام. في حين أنّه يمكن تسريع تفريغ الباخرة وزيادة ساعات التغذية". وفي مسألة زيادة التغذية، أشارت المصادر في حديث لـ"المدن"، إلى أنّه "بإمكان المؤسسة رفع ساعات التغذية إلى 10 ساعات يومياً، والفيول موجود ويمكن طلب شحنات إضافية، خصوصاً أنّ المؤسسة تملك التمويل الكافي".
وبالتوازي مع تأخير الشحنات وعدم زيادة التغذية، تورِّط المؤسسة نفسها بـ"إطفاء بعض المعامل، ومنها معملا الجية والزوق، بفعل سجالات قضائية مع الشركة المشغِّلة، لا أساس لها من الصحة، وذلك تحت ستار الدفاع عن الأموال العامة، في حين أنّ القضية الأساسية في مكان آخر". وأضافت المصادر أنّ "المؤسسة تغضّ طرفها عن ضرورة استباق انتهاء العقد مع أي شركة تلتزم عملاً من المؤسسة، وإجراء مناقصة لتلزيم متعهّد جديد، لضمان استمرار تقديم الخدمة العامة. وعلى سبيل المثال، تتلهّى المؤسسة بدعوى قضائية رفعتها على الشركة المشغّلة للمعملين (MEP)، في حين أنّ عقد الشركة انتهى بتاريخ 19 كانون الثاني الجاري، والمؤسسة فتحت الباب أمام تقديم عروض جديدة بتاريخ 23 شباط المقبل، وتحتاج المؤسسة إلى فترة زمنية للوصول إلى مرحلة فضّ العروض، قد تتراوح بين شهرين و6 أشهر إضافية، والبحث في مسألة ما إذا كانت الشركات المتقدّمة للمناقصة تملك مواصفات تؤهّلها للعمل أم لا... وكل ذلك يؤخّر إعادة تشغيل المعملين، ما ينذر بخفض ساعات التغذية بدل زيادتها".
وفي بعض تفاصيل السجال القضائي، لفتت المصادر إلى أنّ "المؤسسة تتّهم القائمين على الشركة بالتزوير وهدر أموال عامة في معرض تنفيذ عقد الصيانة لمعملي الجية والزوق الحراريين. لكن في الواقع، القضية معاكسة. فالشركة المشغّلة رفضت مراراً تمرير شحنات فيول مغشوش لتشغيل المعملين، ما أثار حفيظة جهات نافذة في قطاع الكهرباء. والمسألة ليست مستجدّة، بل بدأت في العام 2019، وتفاقمت في العام 2020، واستمرّت مفاعيلها حتى اليوم".
ومع ذلك، لا تتّجه المؤسسة نحو تحسين شروط التعاقد مع شركات جديدة، لتطوي بذلك صفحة التعاقد مع MEP أو غيرها، "بل تستكمل النهج التدميري من خلال الاتجاه إلى تخفيض شروط تأهيل الشركات التي من المفترض أن تتقدّم لمناقصة تشغيل المعملين، أي بدل رفع مستوى التأهيل لاستقطاب شركات ذات تصنيف أعلى، تريد المؤسسة استقطاب شركات بتصنيف ومؤهلات أقل من الشركة الحالية. فهل هذا يفيد تحسين قطاع الكهرباء؟".
10 ساعات تغذية
باخرة عالقة ومعملا الجية والزوق يتّجهان نحو التوقّف عن الإنتاج، بفعل انتهاء العقد مع الشركة المشغّلة، وتأخير إنجاز تعاقد مع شركة جديدة، أي أنّ المؤسسة "تغامر بتقليص ساعات التغذية بدل زيادتها، مع أنّ وعودها كانت زيادة التغذية مع زيادة التعرفة وتحقيق وفر مالي، وهو ما لم يحصل. علماً أن الأموال موجودة، والمؤسسة تشتري بها الفيول، لكنّها تجمّد عشرات ملايين الدولارات في البحر وتحرم المواطنين من ساعات التغذية".
وتقول المصادر إنّ "بإمكان المؤسسة بكل سهولة، إنتاج نحو 10 ساعات تغذية بالإيرادات التي تحصّلها حالياً. ومن غير المنطقي ربط زيادة التغذية بتحسين الجباية ونزع التعديات وسائر الإصلاحات، لأنّ الوضع الحالي يكفي لإنتاج نحو 10 ساعات. أمّا في حال الوصول إلى تحسينات إضافية، فمن المفترض زيادة التغذية إلى أكثر من 10 ساعات".
في الواقع، تتعامل المؤسسة مع قضية الربط بين الجباية وزيادة التغذية، وكأنّها، صاحبة مولّدات خاصة، لا مؤسسة عامة تمثّل الدولة. إذ لا تزيد التغذية بحجّة وجود تعديات وعدم التزام بعض المناطق بالدفع، وبالتالي هي تعاقب هؤلاء بعدم زيادة التغذية، لكنها في الوقت عينه، تعاقب باقي المناطق، والتي فيها أشخاص يلتزمون بالدفع. علماً أنّ لا شيء يمنع تطبيق القانون إذا أرادَ المسؤولون عن القطاع الانتقال إلى واقع جديد.
فيول مغشوش، بواخر، استشاريون، موظّفون، جباية، تعديات، شركات مقدّمي خدمات... وغيرها الكثير من العناوين التي تنخر قطاع الكهرباء، ومع ذلك، لا يحظى اللبنانيون بأكثر من 4 ساعات تغذية يومياً. ورغم امتلاكهم السلطة والنفوذ القانوني، لا يمارس المعنيون في القطاع، دورهم الفعلي في حماية القطاع وتأمين حقوق الناس.