اوراق مختارة

كيف تبنين صحّة جنينكِ عبر اختياراتكِ الغذائيّة؟

post-img

شانتال عاصي (صحيفة الديار)

لا يبدأ الاهتمام بصحة الأم خلال الحمل عند سماع نبض الجنين فقط، بل منذ اللحظة الأولى التي يُعاد فيها ترتيب نمط الحياة اليومي، ويأتي الغذاء في مقدّمة هذا التحوّل. فخلال أشهر الحمل، لا يتغذّى جسم المرأة من أجلها وحدها، بل يتحوّل إلى مصدر الحياة الأول لجنين يتشكّل وينمو يوما بعد يوم.

وبين وفرة النصائح المتداولة والمعلومات المتناقضة حول ما يجب تناوله وما ينبغي تجنّبه، تبرز الحاجة إلى فهم علمي متوازن للنظام الغذائي المناسب للحمل، لا يقتصر على الكمية، بل يشمل الجودة، التنوّع، والتوقيت. فالتغذية السليمة في هذه المرحلة ليست خيارًا، بل عاملًا حاسمًا يؤثّر في صحة الأم، ونمو الجنين، ومسار الحمل بأكمله.

خارطة التغذية السليمة

كشفت إختصاصية التغذية جولين نبهان لـ "الديار" أنّه "خلال فترة الحمل، من الطبيعي جدا أن تزداد الاحتياجات الغذائية لدى المرأة، وذلك لتمكين الجسم من تحقيق توازن صحي بين الحفاظ على صحة الأم ودعم نمو الجنين بشكل سليم. فالتغذية في هذه المرحلة لا تقتصر على تلبية احتياجات الأم فقط، بل تُعد عنصرا أساسيا في بناء أعضاء الجنين وتطوّر أجهزته الحيوية".

وقالت "يُعد حمض الفوليك من الركائز الأساسية خلال الحمل، إذ يلعب دورا محوريا في تكوّن الجهاز العصبي للجنين بشكل سليم، كما يساهم في الوقاية من التشوهات الخَلقية المرتبطة بالعمود الفقري، مثل الحالة التي تظهر على شكل فجوة أو ما يُعرف بـ"السنسنة المشقوقة". ويمكن الحصول على حمض الفوليك من خلال المكمّلات الغذائية، إضافة إلى مصادره الطبيعية كالحبوب والخضروات الورقية. إلى جانب ذلك، يبرز الحديد كعنصر لا غنى عنه خلال الحمل، خصوصًا مع ازدياد حجم الدم في جسم المرأة، ما يرفع خطر الإصابة بفقر الدم. ويساعد الحديد على دعم إنتاج الهيموغلوبين وتأمين الأكسجين للجنين، ويتوافر في الخضروات الورقية مثل السبانخ، إضافة إلى الحبوب واللحوم الحمراء".

واشارت الى ان "الكالسيوم يُعتبر من العناصر الأساسية في هذه المرحلة، إذ يساهم في تكوين عظام وأسنان الجنين، ويحمي في الوقت نفسه الأم من خطر الإصابة بهشاشة العظام. ويمكن الحصول على الكالسيوم من الألبان ومشتقاتها، إلى جانب الخضروات الورقية". اضافت: "لا تقلّ أهمية البروتين عن غيره من العناصر الغذائية، إذ يلعب دورا محوريا في نمو خلايا جسم الجنين بشكل طبيعي، ولا سيما المشيمة. ويتوافر البروتين في مصادر متعددة، مثل الحبوب، واللحوم، والدجاج، والأسماك، إضافة إلى الألبان، والأجبان، والبيض".

وتابعت "تُعد أحماض الأوميغا 3 من العناصر الحيوية لتطوّر الجهاز العصبي لدى الجنين، وتوجد بشكل أساسي في الجوز والأسماك الدهنية، مثل السلمون. كما يبرز دور فيتامين "د" في تعزيز امتصاص الكالسيوم ونقله إلى الجنين، إلى جانب اليود الذي يؤدي دورًا مهمًا في تكوين الغدة الدرقية وضمان نمو الدماغ بشكل سليم".

أمّا في ما يتعلّق بالأطعمة التي يجب على المرأة الحامل الامتناع عن تناولها، تقول نبهان انها "تشمل جميع الأطعمة غير المطهية جيدا، مثل الأسماك واللحوم والدجاج، لما قد تحمله من مخاطر صحية. كما يُنصح بتجنّب أنواع الحليب غير المبستر، لاحتوائها على نسبة مرتفعة من بكتيريا الليستيريا، وهي عدوى بكتيرية منقولة عبر الغذاء قد تكون خطيرة جدًا وتؤثر سلبًا في صحة الجنين. إضافة إلى ذلك، يجب الابتعاد عن الأسماك التي تحتوي على نسب عالية من الزئبق، مثل التونا، نظرًا لتأثيرها المحتمل في تطوّر الجهاز العصبي لدى الجنين. وبالطبع، يُعد الامتناع الكامل عن المشروبات الكحولية أمرًا ضروريًا خلال فترة الحمل لما لها من مخاطر مؤكدة على صحة الأم والجنين".

وفي ما يتعلّق بالكافيين، أشارت إلى "أهمية الاعتدال في استهلاكه، موصيةً بعدم تجاوز 200 ملغرام يوميا، حفاظًا على سلامة الحمل وتقليل أي آثار سلبية محتملة".

السعرات الحرارية تتغير مع تقدّم الحمل

من الأخطاء الشائعة خلال فترة الحمل الاعتقاد، بأن المرأة الحامل يجب أن تتناول الطعام "عن فردين"، وهو بالطبع اعتقاد خاطئ جدا. فالمرأة بحاجة إلى اتباع نظام غذائي ذكي يضمن حصولها على المعادن والفيتامينات الضرورية، وفي الوقت نفسه يساهم في تجنب زيادة الوزن غير المرغوب فيها خلال هذه الفترة الحساسة.

في الثلث الأول من الحمل، تشير اختصاصية التغذية إلى "أن السعرات الحرارية الإضافية غالبًا غير مطلوبة. أما في الثلث الثاني، فينصح بإدخال نحو 300 سعرة حرارية يوميًا، بينما في الثلث الثالث ترتفع الحاجة إلى 400 إلى 450 سعرة حرارية إضافية يوميًا ضمن النظام الغذائي".

كما أوضحت "أن الاحتياجات الغذائية تتغير مع تقدم الحمل، ففي الثلث الأول يُنصح بتناول حمض الفوليك، وتُساعد الوجبات الصغيرة والمتكررة في التخفيف من الغثيان. وفي الثلث الثاني، يُركّز على تعزيز كمية البروتين والحديد والكالسيوم لتلبية احتياجات الجنين المتزايدة. أما في الثلث الثالث، فتزداد أهمية الألياف، وشرب المياه بكمية كافية، بالإضافة إلى زيادة نسبة أحماض أوميغا 3 لدعم نمو الجنين وصحة الأم".

وفي هذا السياق، تعتقد بعض النساء أنه يجب الحد من السعرات الحرارية أثناء الحمل لتجنب زيادة الوزن، وهذا اعتقاد خاطئ وخطير. أما إذا كانت المرأة تعاني من وزن زائد، فالهدف يكون التحكم في الزيادة وليس محاولة فقدان الوزن خلال هذه الفترة.

وشدّدت نبهان على "أهمية اعتماد غذاء متوازن ومتنوّع وباعتدال، مع التركيز على الوجبات الخفيفة الصحية، وتجنب الأطعمة الغنية بالسكر والوجبات السريعة المشبعة بالدهون والزيوت. كما أكدت على ضرورة شرب كميات كبيرة من المياه، والأهم من ذلك، التوقف عن الأكل عند الشعور بالشبع وعدم إجبار النفس على تناول المزيد لمجرّد كونها حاملًا".

كما أشارت إلى "فوائد ممارسة الرياضة والحركة خلال الحمل، مع الالتزام بالطرق الآمنة التي لا تُعرّض الجنين لأي ضرر. وأكدت أيضًا على أهمية تناول النشويات، موضحة أن الاعتقاد الشائع بأنها تزيد الوزن أثناء الحمل غير صحيح، وأن إدراجها باعتدال يشكّل جزءًا أساسيًا من النظام الغذائي المتوازن للأم والجنين".

إحتياجات الطاقة أثناء الرضاعة

أما في مرحلة الرضاعة، فأوضحت نبهان أن "جسم المرأة يحتاج خلال هذه الفترة إلى زيادة تتراوح بين 450 و500 سعرة حرارية يوميا، وذلك لضمان إنتاج كمية كافية من الحليب لتلبية احتياجات الطفل الغذائية. ويجب أن تأتي هذه السعرات الإضافية من الأطعمة الصحية والمتوازنة، مع تجنّب المأكولات الغنية بالدهون المشبعة والسكريات المفرطة، وشرب كميات كافية من المياه للحفاظ على ترطيب الجسم ودعم إنتاج الحليب بشكل طبيعي".

وأكدت أن "هذه المرحلة تتطلب التركيز على تزويد الجسم بكل المعادن والفيتامينات الأساسية، مثل الحديد والكالسيوم وفيتامين د والأوميغا 3، لضمان نمو الطفل بشكل سليم والحفاظ على صحة الأم. لذا، يُنصح بعدم اتباع أي نظام يقلل السعرات الحرارية أو يقيد العناصر الغذائية الضرورية، لأن ذلك قد يؤثر سلبًا في جودة الحليب وصحة الطفل والأم على حد سواء".

استثمار صحي طويل الأمد

في الختام، يتضح أن التغذية خلال مرحلتي الحمل والرضاعة ليست مجرد تلبية لنداء الجوع، بل هي استثمار صحي طويل الأمد ، يضع حجر الأساس لصحة الطفل ومستقبله، ويحمي الأم من استنزاف طاقتها ومخزونها البدني. إن الانتقال من مفهوم "الأكل لشخصين" إلى مفهوم "الأكل بجودة لشخصين" هو المفتاح لتجربة حمل آمنة ومريحة.

من خلال الالتزام بتوجيهات الخبراء، والتركيز على العناصر الحيوية كحمض الفوليك والحديد والأوميغا 3، والابتعاد عن الممارسات الغذائية الخاطئة، تستطيع كل أم أن تمنح طفلها أفضل انطلاقة ممكنة في الحياة. فكل وجبة متوازنة تتناولها الأم هي رسالة رعاية تصل إلى جنينها، وكل كوب ماء أو حصة بروتين تساهم في بناء حياة جديدة وقوية. تذكري دائما أن الاعتدال والوعي هما رفيقاكِ الأوفياء في هذه الرحلة الاستثنائية. 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد