ملاك عطوي (صحيفة البناء)
بالصور والوقائع، نتائج صادمة لا تترك مجالاً للشك، بأن ما يُقدَّم يومياً على موائد الناس، أطباق من سموم.
إهمال فاضح، غياب شبه كامل للرقابة، أو تقصير يوازي الغياب، في منظومة يُفترض أنها معنيّة بحماية صحة المواطن لا تعريضها للخطر.
نشارة تُخلط بالزعتر، مياه ملوّثة تُستخدم في صناعة الثلج، دجاج فاسد ولحوم غير صالحة للاستهلاك، وسلسلة طويلة من المخالفات التي لا يمكن تصنيفها كحوادث فردية أو استثناءات عابرة، بل كواقع ممنهج يُنذر بخطر صحي عام. مشاهد لا تصدم فقط بفظاعتها، بل بما تعكسه من استخفاف بحياة الناس، وكأنّ صحة المواطن تفصيل ثانوي في سوقٍ تُدار بلا ضوابط ولا محاسبة.
يتعلق المواطن يومياً بأمل كاذب في ما يتصل بأبسط حقوقه لجهة السلامة الغذائية، حيث أصبح الحصول على وجبة جيدة وبمعايير سليمة من التحديات التي تواجهه. وتحت وطأة الوضع الاقتصادي المتردّي والدخل الذي لا يرقى إلى مستوى تلبيته للمتطلبات الحياتية يميل معظم المواطنين إلى شراء مواد غذائية بكلفة متدنية دون التدقيق بجودتها وإحتمال نهاية صلاحيتها، وبعضها بلا أيّ قيمة غذائية.
في بلد يعتمد على الاستهلاك وعدم وجود خطط فعلية لإنتاج محلي غذائي مراقب ومعاييره مدروسة يصبح الحصول على المواد المستوردة الجيدة محصوراً بفئة قليلة ميسورة، في مقابل شريحة كبيرة من المواطنين تسعى لسدّ رمقها كيفما اتّفق، وهذه الشريحة تدرك أنها تخاطر بصحتها ولكنها لا تملك ترف تغيير واقعها، حيث انّ الواقع الاجتماعي يتطلب تغيير السياسة المتبعة من رأس الهرم بما يخدم متطلبات المواطن وضمان أمنه الغذائي على الأقلّ.
لعلّ المفارقة هنا أنّ البلد الذي يشتهر بمطبخه المتنوع والشهي، يشهد تراجعاً ملحوظاً في جودة الغذاء في ظلّ غياب الرقابة على الكثير من المحال والمطاعم، فالبعض يعمل دون تراخيص من وزارة الصحة والبعض الآخر لا يلتزم بالمعايير الضرورية لسلامة الغذاء على صعيد النظافة أو لجهة تخزين المواد الاستهلاكية بطريقة صحية، ناهيك عن أنّ المتاجرين بصحة المواطن يصل بهم الأمر الى تزوير تاريخ صلاحية المنتج حيث يسعون للربح فقط دون الاهتمام بالعواقب.
قد تتصاعد الشكاوى جراء تكرار حالات تسمم غذائي، ولكنها تقف أمام حائط مسدود في مواجهة واقع يمكن وصفه “بالتخدير الممنهج” للمواطنين بحيث يتمّ إغلاق محال ومؤسسات لفترة مؤقتة وبعد عبور العاصفة وتراجع الشكاوى تعود هذه المؤسسات والمحال إلى عملها بشكل طبيعي.
ولأنّ الأمن الغذائي يجب أن يكون أولوية لدى الجهات المعنية، ولأن الناس مثقلة بالمعاناة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، ولا تنقصها موائد ملأى بالسموم، فإنّ حق المواطن أن يرفع صوته ومسؤولية المؤسسات المعنية أن تراقب وأن تحاسب كلّ من يتلاعب بالأمن الغذائي، محاسبة فعلية لا شكلية…