دموع الأسمر (صحيفة الديار)
تحولت ازمة انقطاع مياه الشفة في مدينة طرابلس، إلى ازمة معيشية حادة، متسببة بردود فعل عالية، وباستياء شعبي أدى إلى اندلاع سجال بين طرابلس وزغرتا، وفتح ملفات تاريخية حول أحقية مياه رشعين، والى مطالبة شعبية لاسترداد الحقوق التي يعتبرها الطرابلسيون ضائعة منذ زمن بعيد.
فقبل ايام تحول ملف المياه إلى مادة دسمة للمشاحنات والمزايدات والاستعراض السياسي، خصوصا ان هذا الملف يمس هموم المواطنين اليومية، وبدأ الأخذ والرد في هذه القضية الحساسة حيث اعتبر مواطنون ان سكان المدينة، يعانون من شح في المياه وانقطاع دائم لها مع وضع جدول تقنين قاس من قبل مصلحة مياه لبنان الشمالي والدعوة الى ترشيد الصرف قدر الإمكان.
ونظرا لهذه المعاناة اليومية اعتبرت اوساط طرابلسية، ان طرابلس لها حقوق في مياه نبع رشعين ولا يعتبر منّة من احد لذلك تحركت هيئات شعبية مطالبة بإعادة النظر في هذه الحقوق المهدورة، حسب رأيهم معظم الطرابلسيين يعانون من ازمة مياه الشفة فلجأ العديد منهم إلى شراء العبوات، والبعض الآخر إلى شراء صهاريج المياه باسعار تتراوح بين 35 الى 45 دولارا لكل صهريج.
وبرزت مواقف شعبية مختلفة ناشد اصحابها الطبقة السياسية استعادة حقوق طرابلس في مياه نبع رشعين باعتباره ملكا لاهالي طرابلس بعد دفع ثمنه في اوائل ثلاثينيات القرن الماضي.
وابدى الناشط سامر كبارة استعداده لمتابعة هذه الازمة فاجرى اتصالا هاتفيا برئيس مصلحة مياه لبنان الشمالي خالد عبيد، للاطلاع على أسباب الانقطاع المستمر للمياه عن الأحياء السكنية الطرابلسية.
وأوضح عبيد أن الانقطاع يعود إلى عوامل طبيعية طارئة أثّرت في سير الإمدادات، مشيرًا إلى أن الفرق الفنية تعمل بشكل متواصل لتحديد النقاط المتضرّرة.
وأشار إلى وجود تنسيق مباشر مع منظمة اليونيسيف للبدء فورًا بأعمال الصيانة والترميم، والتي تشمل المنطقة الممتدة من وادي هاب وصولًا إلى السكر الأساسي، بهدف إعادة الضخ في أسرع وقت ممكن.
كما وجه كبارة نداء عاجلا إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة للتدخّل الفوري ومتابعة هذا الملف بجدية قصوى، وتأمين كل الإمكانات اللازمة لمصلحة مياه لبنان الشمالي، تفاديًا لتحوّل الأزمة إلى كارثة إنسانية تمسّ صحة وكرامة أهل طرابلس.
ولفت كبارة الى حالة غضب عارمة في المدينة بعد تناول هذه الأزمة معتبرا ان المدينة دفعت اموالاً هائلة لتنفيذ مشروع جر مياه رشعين إلى منازل طرابلس بشراء الصكوك والأسهم وكان ذلك في ثلاثينيات القرن الماضي.
وأوضح كبارة ان الخطِر في هذا الملف انه لم يُتابَع بجدية لا سياسيًا ولا قانونيًا، رغم أنه حق مالي ومائي ثابت، وليس نزاعا مناطقيا أو مطلبا شعبيا، مؤكدا ان مياه رشعين وقف طرابلسي دُفع ثمنه من جيوب أهلها، والسكوت عنه لعقود لا يُسقط الحق، بل يُحمّل نواب وفعاليات المدينة مسؤولية التقصير في تحصيله واستعادته.
وفي هذا السياق، عقد لقاء شعبي في منطقة القبة في حضور مخاتير المنطقة طالبوا فيه وزارة الطاقة والمياه بايجاد الحلول السريعة لانقطاع مياه الشفة عن المنازل واكدوا ان هذه الازمة باتت عبئا على السكان والمطلوب التحرك بأسرع وقت. واكد المجتمعون ان منطقة القبة كانت في السابق تستفيد من مياه الشرب من نبع رشعين وان هذه المياه حق شرعي وملك الطرابلسيين منذ حقبة الفرنسيين حيث اكد المجتمعون ان الدكتور المرحوم عبد اللطيف بيسار دفع ثمن المياه خمسة الاف ليرة ذهبية ويملك معظم سكان القبة صكوك بيع بمتر ومتر ونصف وانه حتى بداية التسعينيات بدأت مشكلة قطع المياه واكد المجتمعون انه حينذاك التقى رئيس بلدية طرابلس المرحوم عشير الداية بمسؤول مياه رشعين من آل جعيتاوي حيث اكد الأخير ان حقوق الطرابلسيين في استثمار المياه انتهت فأكد الداية حينذاك لجعيتاوي ان حصة طرابلس من المياه 12 الف و700 متر مكعب وان هذه القيمة دفع ثمنها ذهبا، وان انتفاع اهالي القبة لا ينتهي لان المياه دفع ثمنها والجميع يملك صكوكا. لكن ما جرى لاحقا ان المشكلة بدأت بتوسع بلدة مجدليا الجغرافي التي أدت إلى تراجع نسبة المياه فقبلت لجنة اهالي القبة حينئذ تخفيض نسبة المياه إلى ٩ الاف متر مكعب لحل المشكلة. لكن المشكلة لم تنته حتى هذه القيمة تبخرت علما ان الجميع يعرف ان اهالي القبة هم مالكون شرعيون وليسوا مستثمرين وشكر المجتمعون بلدية رشعين لانها اكدت في بيانها حق اهالي القبة في ملكية المياه واكدوا ان المشكلة ليست مع البلدية ولا مع اهالي رشعين بل بالتعديات على شبكة المياه خصوصا من قبل المعامل والشركات كما ناشدوا نواب المدينة وفعالياتها ومفتي الشمال ووزير الطاقة والمياه باسترداد حقوقهم في المياه المهدورة.
واكد ايضا المجتمعون ان بلدية رشعين سلطت الضوء على ان المشكلة تكمن في الاهتراءات التي اصابت الشبكة لذلك فالمطلوب من وزارة المياه والطاقة القيام بواجباتها تجاه المواطنين. وأشاروا انه في حال تم إصلاح الشبكة المهترئة كما أوضحت بلدية رشعين حينذاك سيكون اهالي القبة بانتظار عودة المياه إلى الخزانات وفي حال لم يحدث ذلك فان اهالي القبة لن يصمتوا عن هدر الحقوق مجددا.
وكان لبلدية رشعين رد على ما اثير من سجالات حيث اعتبرت في بيان ان هذا الموضوع الوطني الحيوي يجب مقاربته بمنطق المسؤولية والوقائع التاريخية الموثّقة، بعيدًا عن الشعبوية والمزايدات السياسية.
واكدت البلدية ان نبع رشعين مورد طبيعي تاريخي ارتبط بهذه الأرض منذ قرون، ويكفي التذكير بأن اسم رشعين مشتق من السريانية "رأس العين"، ما يؤكد أن البلدة قامت حول هذا المنبع قبل أي مشاريع حديثة أو تقسيمات إدارية. وقد عرف النبع واستثمر منذ العصور الوسطى، حيث شقت قنوات بدائية في زمن الصليبيين لنقل المياه وفق منطق الحاجة والتقنيات المتاحة آنذاك، لا كملكية حصرية ولا كأداة نزاع، بل كمورد مشترك لخدمة المنطقة.
واشارت إلى انه مطلع القرن العشرين، خلال فترة الانتداب الفرنسي، جرى تنظيم هذا المورد ضمن مشروع هندسي متكامل لتأمين مياه الشفة للتجمعات السكانية في الشمال. وقد وضع التصور الفني للمشروع المهندس رشدي سلهب، فيما جاء التمويل عبر ميزانيات البنى التحتية العامة التابعة للسلطات القائمة آنذاك، وليس عبر اكتتابات شعبية كما يُشاع من دون أي مستندات موثوق بها.
وذكرت البلدية انه في عام 1935 تم حصر مياه النبع في خزانات إسمنتية وتوجيهها عبر قساطل إلى طرابلس وزغرتا ضمن خطة تقنية واضحة هدفت إلى تأمين مياه شفة منتظمة ونظيفة، لا كمنّة ولا كهبة، بل كخدمة عامة منظمة تخضع للأطر الإدارية المعتمدة.
واكدت ان التحدي الحقيقي لا يكمن في التاريخ ولا في أصل الحق، بل في تهالك الشبكات، والتعديات على خطوط الجر، وغياب الاستثمار الرشيد لعقود طويلة، وهي عوامل أدت إلى تراجع الكميات المتاحة.
وثمنت البلدية الخطوة التي وقعتها برعاية منظمة اليونيسيف عبر توقيع وثيقة تعاون وتفاهم مع مصلحة مياه لبنان الشمالي، في إطار شرْكة مؤسساتية تهدف إلى تنظيم قطاع المياه إداريًا وتقنيًا، وضبط التعديات، وتحسين العدالة في التوزيع.
وذكرت مجلس الإنماء والإعمار بما أنجز من دراسات متخصصة خلال عامي 2005 – 2006 حيث تناول حلولا عملية لتجديد شبكة مياه الشفة من نبع رشعين وصولا إلى طرابلس. ودعت جميع الجهات المعنية إلى مراجعة هذه الدراسات وتشكيل لجنة مشتركة لمتابعة هذا الملف الحيوي، واكدت ان مصلحة مياه لبنان الشمالي أبدت كامل استعدادها للتعاون لإيجاد التمويل اللازم لهذا المشروع العالي الكلفة.
ولفتت البلدية الى ان العقبة الأساسية اليوم تتمثل في غياب التمويل، وعند تأمين ممول مناسب تصبح الأمور ميسّرة للجميع، ويغدو تنفيذ المشروع ممكنا بشكل فعلي يضمن استمرارية المياه بعدالة واستدامة لكل المواطنين.
وطالبت البلدية الابتعاد عن الاتهامات العشوائية والإشاعات المغرضة التي لا تخدم أحدًا سوى أصحاب الأجندات الضيقة لافتة إلى ان مياه رشعين حق حياة للكل.