سيف دعنا/جريدة الأخبار
{أنا أتحدّث عن ملايين الرجال الذين تم حقنهم بمهارة بالخوف، وعقدة النقص، والخضوع، واليأس، والإذلال} ــــ ايميه سيزير، {خطاب عن الاستعمار}
{الرجال البيض ينقذون النساء الملونات من الرجال الملونين} هي، ربما، العبارة الأشهر والأكثر اقتباسًا لغاياتري سبيفاك، أحد أهم منظري مدرسة ما بعد الكولونيالية، وفي ذات الوقت أكثر عباراتها سوء فهم وتفسير. وسوء فهم العبارة، التي صيغت ببلاغة فائقة تحمل دلالات سوسيو-سياسية وتاريخية عميقة في سعيها لتوصيف الذرائع الاستعمارية، لا يعود كليًا للجهل والقصور المعرفي بالمرجعيات النظرية لسبيفاك فقط، بل وأيضًا لما تسميه {العنف المعرفي}، وما سمّاه فرانز فانون قبلها بـ}القناع الأبيض}، الذي يغطي وعي المثقف المستعمَر.
العبارة التي تمت صياغتها، كما النص كله، بشكل أساسي للإجابة على السؤال المركزي: {هل يمكن للمهمَش أن يتكلم؟}، وسؤال آخر يتبعه، ومشتق منه: {هل يمكن للمهمَش (المرأة) أيضًا أن يتكلم}؟ تحمل في طياتها روح سيغموند فرويد والتحليل النفسي، وتعتمد أساسًا تفكيكية جاك دريدا، وهو ما مكنها من نقد كل من ميشيل فوكو وجيل دولوز، وأيضًا أتباعهما في الجنوب العالمي ببراعة. فبرغم اتفاقهما في الحوار الشهير بينهما (المثقف والسلطة) على أنّ حديث المثقف نيابة عن المظلومين هو في الواقع شكل من أشكال السلطة التي تساهم في إسكاتهم، إلا أن ادعاءهما تفكيك {مركزية الذات} لم يكن، كما رأت سبيفاك محقة، سوى إعادة تكريس خفية لهذه المركزية، تتمثل أساسًا في عدم إدراك، أو تجاهل، خصوصية الموقف الغربي الذي قاموا بتعميمه (على الجنوب مثلًا) بمعزل عن تلك الخصوصية).
في هذا النص تضعنا سبيفاك، كذلك، أمام إحدى أهم معضلات المثقف الجنوبي المستعمَر. فـظاهرة {العنف المعرفي}، كما تسميها، لا تقتصر في هذه الحالة فقط على إسكات المثقفين للمهمَشين، ولا حتى على وقاحة الحديث باسمهم وادعاء تمثيلهم والتعبير عن مصلحتهم، بل يتجاوزه أيضًا للتحدّث، عن كل ذلك، بلسان ومنطق (ووفق مصالح) المستعمِر، وتوظيف ترسانته المفاهيمية وقيمه المعيارية كإطار واحد ووحيد للمساءلة.
في هذه الأيام، يتجلى هذا العنف في أبشع صوره عبر ما يسمى بـ}التنصل الإلزامي}، وهو طقس من طقوس براءة الذمة الأخلاقية الذي يقوم به المثقف المنتمي للجنوب العالمي برفضه وحتى معاداته للنظام، قبل أن يسمح لنفسه بمعارضة الحروب الإمبريالية على شعوب الجنوب. فالعنف المعرفي الذي انتقدته سبيفاك، هو أيضًا، كما يراه ماركسيون كلوي ألتوسير، نتاج للجهاز الأيديولوجي، الذي يعمل على تغييب صوت المضطهَد الحقيقي الذي يُقتل تحت الأنقاض في بغداد، أو طهران، أو الضاحية، أو غزة، أو صنعاء ليحل محله صوت المثقف والسياسي الكومبرادوري الذي يعيد إنتاج سردية المستعمِر بلغة ليبرالية براقة.
هكذا يصبح العنف المعرفي أحد أذرع الإمبريالية ورأس المال العالمي. فهذا الاحتكار العنيف للتمثيل والكلام نيابة عن المهمَشين، من قبل المثقفين تحديدًا، يتجاهل أن الشعوب تحت القصف لا تحتاج في هذا الوقت، لدروس في الديموقراطية، خصوصًا من ممولي القنابل، بل تحتاج لانتزاع حقها الوجودي في الحياة والسيادة، ولا تحتاج لمن يعارض النظام خصوصًا وفق معايير الليبرالية الغربية، بل مَن يعارض سقوط القنابل على رؤوسهم وبيوتهم أولًا.
الرجل الأبيض منقذًا ومحررًا
قليلًا من الخلفية قد تغني عن الشرح الطويل وتقودنا بسرعة إلى فكرة موضوع المقال عن المواقف الملتبسة لبعض المثقفين، خصوصًا العرب والإيرانيين والجنوبيون، من الحرب الإمبريالية على إيران، التي يَفترض المنطق السليم أن الموقف منها يتوجّب أن لا يكون أصلًا موضوع جدل لأي مثقف جنوبي، حتى لا نقول لأي إنسان. فالعبارة، {الرجال البيض ينقذون النساء الملونات من الرجال الملونين}، هي مفتاح فهم النص كله ومفتاح فهم الالتباس حوله. فسبيفاك، ببساطة، تقول إن الاستعمار البريطاني برّر استعماره للهند، كمحرِر وحتى منقِذ، لا كمستعمِر، بادعاء إنقاذه النساء الهنديات من تقاليد مجتمعهن {الهمجية}، مثل طقس {الساتي} (حرق الأرملة نفسها مع جثة زوجها)، الذي منعه الاستعمار البريطاني في ١٨٢٩.
القضية هنا أن الرجل الأبيض (المستعمِر، ممثلًا بالحاكم الإنكليزي العام حينها، اللورد ويليام بينتينك)، والرجل الملون (الرجل الهندي، وخصوصًا الشريحة المتعلمة) كلاهما تحدّث، وقرّر، وتصرّف نيابة عن المرأة الهندية، بينما ظلّ صوتها غائبًا تمامًا. سبيفاك تعتبر أن موقف الرجل (المثقف) الهندي كان في هذه الحالة نوعًا من التواطؤ مع الاستعمار البريطاني، وطبعًا لا يَغفِر له في ذلك معارضته اللفظية للاستعمار البريطاني لبلده في الوقت ذاته.
غالبًا ما يقوم المثقف بتصدير موقفه بداية بإعلان إخلاء مسؤولية أخلاقي يفيد ويؤكد بوضوح لا لبس فيه معارضته الكاملة للنظام، وحتى كرهه لـ{الديكتاتور}، قبل الوصول إلى معارضته للحرب
لفَهم هذه العبارة بشكل أعمق، تستدخل سبيفاك نموذج انتحار آخر لسيدة أخرى في سياق مختلف. ففي النص ذاته، وفي نص لاحق (نقد العقل ما بعد الاستعماري)، تروي سبيفاك حكاية مناضلة هندية ضد الاستعمار تدعى بهوبانيشواري بهادوري، أنهت حياتها عام ١٩٢٦، بعد فشلها في مهمة اغتيال سياسي كانت قد نذرت نفسها لها، ولظنّها أنها خيبت آمال رفاقها. لكن، وبرغم أنها تركت الكثير من الإشارات الواضحة لتفسير إقدامها على الانتحار كطريقة لرفع صوتها والتعبير عن نفسها، إلا أن أحدًا، رغم كل ذلك، لم يسمَع صوتها، بل وتكلموا نيابة عنها، ناسبين انتحارها لأسباب عاطفية وعائلية، لا سياسية. لهذا، ففيما سوقت الأيديولوجيا الذكورية الإمبريالية الاستعمار البريطاني كمهمة تحرير وتنوير وخلاص للهنود، كان المثقف غير الغربي (أو الهندي في هذه الحالة) يتحدّث أيضًا وفق الأطر الغربية والأيديولوجيا الإمبريالية التي شَكَّلَتْ وتُشكِّل على الدوام الوسيط لكلامه.
حروب التدخل وأيديولوجيا الإمبريالية
في الخطاب الجيوسياسي المعاصر، يعتمد غير الغربيين المنتمين للجنوب العالمي، خصوصًا مَن كان منهم في الشتات، نمطًا بلاغيًا استعماريًا مقرفًا في مناهضة الحروب. فمن أجل معارضة العدوان العسكري على دولة مثل العراق أو ليبيا أو سوريا، أو إيران راهنًا، غالبًا ما يقوم المثقف بتصدير موقفه بداية بإعلان إخلاء مسؤولية أخلاقي يفيد ويؤكد بوضوح لا لبس فيه معارضته الكاملة للنظام، وحتى كرهه لـ}الديكتاتور}، قبل الوصول إلى معارضته للحرب. وهذا التنصل الإلزامي ليس مجرد توضيح لفوارق قد يعتقد البعض، جهلًا أو تبريرًا، أنها دقيقة ومهمة، بل هو طقس سائد جدًا من طقوس التبعية المعرفية لدرجة أنه أصبح {الطبيعي}، وليس الاستثناء للأسف. فهذا الموقف يعمل كآلية لتحييد، وإسكات، الصوت غير الغربي مسبقًا، لكي يكون مفهومًا، حتى لا نقول مسموحًا له بالكلام، وغير مدرج كخطر ضمن إطار الهيمنة الليبرالية الغربية. وإعلان إخلاء المسؤولية المسبق هنا ليس أقل من قسم ولاء للقيم الإمبريالية الليبرالية الغربية من قبل غير الغربي. وعندما يشعر غير الغربي عمومًا، والمثقف خصوصًا، أنه يجب أن ينتقد نظامًا محليًا في الجنوب العالمي، حتى يكتسب الحق في معارضة الحرب، فإنه يشارك في ما قد تسميه سبيفاك {استعمارًا مزدوجًا}، حيث تُملى عليه شروط رفضه من قبل منطق المستعمِر وأيديولوجيته. هكذا يصبح العدوان العسكري، وحتى الاستعمار ذاته، فعلًا تنويريًا أو تصحيحيًا، بينما تظل سيادة دول الجنوب مشروطة كليًا بحسن السير والسلوك الأخلاقي وفق المعايير الليبرالية التي تعكس المصالح الغربية في النهاية.
طريقة التفكير هذه مدهشة بوقاحتها من الذين يتبنون الأيديولوجيا الاستعمارية. فالمثقف في هذه الحالة، يساوي قيمة ووزن رأيه الشخصي كفرد واحد، بحدث كارثي هائل مثل حرب شاملة يحمل في طياته مصير دولة ومصير شعب وأمة وحياة الملايين من البشر. هكذا يمنح المتحدث الحق للمنظومة الغربية في محاكمة سيادة الجنوب العالمي أولًا، قبل أن يُسمح له بمجرد معارضة الحرب كفرد لا يؤثر في النهاية في القرار الحاسم بالحرب. وهذا التأطير يوحي بأن الحرب هي مجرد رد فعل لفشل أخلاقي، وليست عملًا تدميريًا وعدوانًا مدفوعًا بمصالح جيوسياسية.
الأهم أنه يضع الحساسيات الغربية والذوق الغربي (كيف تُصَوِر دعايتهم أي نظام سياسي جنوبي) في المركز والمقام الأول، وفوق الواقع المادي الحقيقي لأولئك الذين يعانون تحت قصف القنابل وحقهم في الحياة. لهذا، فأي مساواة للموقف الذاتي من السلطة السياسية بحدث وجودي تدميري كالحرب الشاملة هي قمة الانحراف والاستلاب المعرفي والسقوط الأخلاقي. فالحرب، كما الحرب على إيران راهنًا، ليست مجرد حدث سياسي آخر يمكن تَفَهُم أن يكون لشخص ما موقف مختلف منها، بل هي عملية تدمير هائلة للبشر والحجر وعملية تحطيم هائلة لقوى الإنتاج، وإعادة رسم لخرائط جيوسياسية وفق متطلبات مصالح رأس المال العالمي، وهي أيضًا كارثة بيئية وبشرية عادة ما تكون عابرة للأجيال – حتى بعد ألف عام، لا يزال العرب والمسلمون يحملون عميقًا ندوب الحروب الصليبية، كما اتضح من ردود الفعل على استخدام التوصيف من قبل جورج بوش في غزو العراق.
هذه الممارسة (نقد النظام أولًا ورفض الحرب ثانيًا) لا تعزز الهيمنة الليبرالية الغربية وحروبها الهمجية فقط، بل وتبررها. فعمليات التنصل (من النظام) كشرط أولي لمعارضة الحرب، ليست مجرد شرح لتوضيحات دقيقة فقط بين حالتين، ولا حتى من طقوس أداء الولاء للإمبريالية الغربية كذلك، بل، هي أيضًا متجذرة في نزعات عنصرية مستبطنة استدخلها هؤلاء في وعيهم تَدَّعي مهمّة تحررية وتحريرية للاستعمار الغربي، رغبة في نيل الشرعية داخل الأطر المؤسسية الغربية. فالمفترض حقًا هو تبني خطاب مناهض للحرب دون أي اعتذار، بما يؤكد على الحق المطلق في الحياة والسيادة، بمعزل عن الاختبارات الأخلاقية الغربية الوقحة.
حين يستهل المثقف رفضه للحرب بتقديم صكوك براءة ذمة من أنظمته المحلية، فهو يقرّ ضمنًا بأن مجرد حق شعبه في الحياة ليس حقًا أصيلًا، بل هو امتياز يُمنح فقط، وفقط، لمن يجتاز اختبارات حسن السير والسلوك الإمبريالية الليبرالية الغربية. ولذلك، حتى اللحظة لم يقدّم أي من هؤلاء العباقرة أي سبب يعطي أي حق للغرب بالعدوان على أي شعب، فهو أصلًا غير موجود. أمّا استهلاله نقد الحرب بمعارضة النظام فلا تعني شيئًا سوى تقديم المبرر للحرب (طبعًا ليس المقصود سبب الحرب الحقيقي الذي يعرفه الجميع)..أي مساواة للموقف الذاتي من السلطة السياسية بحدث وجودي تدميري كالحرب الشاملة هي قمة الانحراف والاستلاب المعرفي والسقوط الأخلاقي
المأساة البلاغية لمنطق التنصل الإلزامي تكمن في نقطة الالتقاء بين سيكولوجية التبعية عند فرانز فانون والعجز عن النطق عند سبيفاك. فحين يرتدي المثقف غير الغربي القناع الأبيض الذي فضحه فانون، فإنه لا يتبنى لغة المستعمِر فحسب، بل يتبنى أيضًا قلقه الأخلاقي المزعوم، فيصبح عنده فعل إدانة النظام المحلي الثمن الذي يدفعه مقابل استحقاقه لعضوية النادي الليبرالي الغربي التي تمنحه حق الكلام. فحين يستعيد آصف بيّات، مثلًا لا حصرًا، أيديولوجيا تحرير المرأة، مرارًا وتكرارًا، خصوصًا في أوج الحرب على بلده، ويصف تحريرها بأنه {بوابة تحرير الجميع} فهو ينهل مباشرة من أكثر الأيديولوجيات الذكورية الاستعمارية الغربية البيضاء تطرفًا، تلك التي تنتمي للقرن التاسع عشر واستعمار بريطانيا للهند (إلا إذا كان مقتنعًا أن الاستعمار البريطاني كان فعلًا تحريرًا للمرأة الهندية، أو كان مقتنعًا أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وحلفاءهما يحرّكون أساطيلهم وجيوشهم من أجل نصرة ثورته الجندرية).
بيّات هذا، المثقف والأستاذ الجامعي، ليس فقط لا يبدو أنه لم يقرأ، أو لم يستوعب، أو، ربما، لا يريد أن يستوعب، حتى أكثر أدبيات ما بعد الكولونيالية انتشارًا (على علاتها الكثيرة)، بل أنه حتى نجح في جعل كل من أنطونيو غرامشي ومالكوم اكس يتقلبون غضبا في قبورهم من طريقة استخدامه السخيفة لمفردتهم {الاستعمار الداخلي}، لتوصيف نظام الجمهورية الإسلامية.
بالعودة إلى سبيفاك، فإن المأساة تكتمل حين ندرك أن المهمَش (ضحية الحرب) يظل صامتًا، ولا يُسمع صوته حتى وهو يُقتل. فهذا المثقف الذي يتنصل من النظام كشرط أولي ومقدمة لمعارضة الحرب، يمارس نوعًا من احتكار التمثيل الذي يعمل على محو وإسكات صوت الضحية الحقيقي. ماذا عن الشعب الإيراني؟ يتساءل بعض الكتبة. نعم. ماذا عنه؟ ولماذا تفترضين أنك تعرفين ماذا يريد الشعب الإيراني، حتى لا نقول تمتلكين الحقيقة؟ وإذا كان الموقف ضد الحرب فعلًا {واجب سياسي وأخلاقي بدون تبرير}، كما يدعي المقال، فلماذا ثلاثة أرباع المقال الرافض للحرب هو عن استبداد النظام الإيراني وضرورة دعم المعارضة الإيرانية بعد الحرب؟.
الضحية في إيران الآن، أو العراق أو ليبيا أو سوريا مؤخرًا، لم ولا تطلب توضيحًا أخلاقيًا لموقفها من نظامها السياسي وهي تحت القصف، حتى لا نقول إنها لم تفوض أحدًا أصلًا بالتحدّث باسمها، بل إنها تطلب الحق الوجودي في الحياة والبقاء. لكن المثقف، المهموم بطهارته الأخلاقية أمام مجهر الفحص الغربي، لا يخجل من تحويل مآسي الشعوب وموتها الجماعي وحياتها المزرية إلى مجرد مادة سجالية باردة تخدم في النهاية الأجندات الجيوسياسية للقوى الإمبريالية – وهذا النص لا يشمل اعتماد فئة أخرى من الكتاب فهؤلاء لا يشملهم إطار سبيفاك، ككاتب كان في فترة {الربيع} عضوًا في مجالس بأسماء ثورية رنانة أكثر من تشي غيفارا، قبل أن يخرجه الجولاني من لعبة الثورة ويحطم آماله بالزعامة، أن ينسب أزمات إيران لدعمها لفلسطين، ويعتبر دعم إيران لفلسطين، بالحرف، جزءًا من {الجهود التخريبية} للنظام في المنطقة – لم يكتف الكاتب حتى بالحديث باسم الشعب الإيراني، بل تحدّث أيضًا باسم الشعب الفلسطيني (وغيره)، وقرّر نيابة عنه أن دعم إيران {تخريبي}.
المخبر الأصيل
في نص سبيفاك، تسعى الأيديولوجيا الإمبريالية دائمًا لتصوير دول العالم الثالث ككتلة واحدة متجانسة ومُظلِمة تحتاج للتحرير والإنقاذ من الخارج. وعندما يركز المثقف نقده الشديد على ما يسميه وحشية النظام المحلي فقط، فإنه يساهم في تعزيز صورة بلده كمجتمع همجي آخر يحتاج، وحتى يتوسل، التدخل الخارجي.
هذه الصورة، وهذه الأيديولوجيا، هي أحد أسباب تقبّل المواطن الغربي لفكرة الحرب، يساهم فيها المثقف الجنوبي وظيفيًا في الجهاز الأيديولوجي الاستعماري. فالحرب هنا لا تبدو كعدوان، بل كمهمة حضارية ونبيلة لتخليص الناس من وحش محلي، تمامًا كمنطق الرجل الأبيض الذي يُنقذ باستعماره المرأة الملونة أو السمراء من وحشية الرجل الملون أو الأسمر – ربما لا يعرف آصف بيّات كم في هذه الأيديولوجيا ذاتها من احتقار له ولأمثاله، فهو في نهاية الأمر رجل ملون ينطبق عليه ما ينطبق على الملونين جميعًا وفق الأيديولوجيا الإمبريالية العنصرية.
كذلك، تستند الأيديولوجيا الإمبريالية الراهنة إلى مبدأ اعتبار سيادة دول الجنوب مشروطة دائمًا وأبدًا، وليست مطلقة، وبالتالي تؤسس بذلك لحقها غير القابل للنقاش في استباحة الحدود وقتل البشر، في حال عدم التزامهم بشروط ومعايير القيم الغربية وفلسفة السوق {الحرة} وكل ما تراه مصلحة لها. لهذا، فمعارضة الحرب من منطلق أخلاقي انتقائي هي في جوهرها معارضة تخدم الهيمنة، لأنها تكرس هذا المبدأ الإمبريالي الذي يزعم الحق في المحاكمة الأخلاقية والإدانة، قبل الشروع في القتل الجماعي. لهذا، فظاهرة التنصل الإلزامي هذه، ليست مجرد سقطة فكرية، ولا هي حتى تجلٍّ صارخ للقناع الأبيض الذي يرتديه المثقف المنتمي للجنوب العالمي، بل هو موقف طبقي أساسًا (لا تأخذه نظرية ما بعد الكولونيالية بعين الاعتبار).
هذا العنف الذي نراه ليس فعلًا عشوائيًا، بل هو استراتيجية ممنهجة لإعادة إنتاج علاقات الهيمنة الرأسمالية، حيث تسعى القوى الرأسمالية المركزية ليس فقط لإسكات المهمَش، بل لنهب بلاده وثرواتها واستلاب وعيه وتزييف تمثيله عبر وكلاء معرفيين يتبنون منطق المستعمِر، أو ما يسمى المخبر الأصيل/المحلي. والمخبر الأصيل هذا، ليس مجرد شخص يقدّم معلومات أو معرفة (كما قد يُصدِقُ بعضهم نفسه)، بل هو موقع ودور وظيفي داخل الجهاز الأيديولوجي الغربي، يملأه مثقف من الأطراف فقط ليمنح المؤسسة الاستعمارية صكّ المصداقية في قراءتها للمجتمعات المغدورة. لهذا، وبرغم أني لا أنتمي لمدرسة ما بعد الكولونيالية، إلا أن الفهم الحقيقي والجدي لعبارة سبيفاك المشار إليه في بداية هذا النص، يتجاوز كثيرًا سياقها الجندري، ليكشف بعمق عن طبيعة الجهاز الأيديولوجي للدولة الاستعمارية.
بالتالي، يصبح أي سوء فهم لهذه الأطروحة ليس نتاج قصور ذهني، بل هو أولًا وأخيرًا وأساسًا تعمية طبقية مقصودة، يتبادل فيه الرجل الأبيض، ممثلًا برأس المال العالمي، والنخبة الكومبرادورية الثقافية التابعة له، الأدوار فوق جسد شعوب الجنوب العالمي المهمَشة والصامتة. ففي الوقت الذي كان فيه الاستعمار البريطاني يفكك أنماط الإنتاج المحلية في الهند ويعيد تشكيلها لتخدم بنيته الاقتصادية في بريطانيا، لا أهل البلد ذاته، وكان ينهب ثرواتها (كما وثق بول باران في {الاقتصاد السياسي للنمو} تحويل الهند لأمة منتجة للقطن فقط من أجل مصانع النسيج البريطانية)، كان أيضًا يشيد أيديولوجيا استعمارية تدعي التنوير عبر مزاعم تحرير المرأة الهندية من الرجل الهندي والمجتمع الهندي {الهمجي}، كما أشارت سبيفاك.
خاتمة
المساواة المزورة التي يَعمد لها البعض بين نقد النظام ورفض الحرب لا تمحو الفوارق الجوهرية بين السيادة والعدوان فقط، بل وأيضًا بين الحق في الحياة والحق في القتل. فهي توحي بأن الحرب ليست عدوانًا على شعب وتدميرًا للأوطان عابرًا للأجيال، بل مجرد اشتباك بين شرين، مما يجعل معارضة الحرب تبدو وكأنها {دفاع عن الشر الأصغر}، بدلًا من كونها دفاعًا عن حق، ورفضًا للقتل من أجل الربح.
لهذا، لا يمكن اعتبار هذا التنصل الإلزامي مجرد زلة لسان أو جهل معرفي، بل هو أداة طبقية وضرورة أيديولوجية تضمن استمرار وإعادة إنتاج الهيمنة الإمبريالية. فهو يحوِّل مناهضة الحرب من فعل ثوري ضروري ووجودي، حتى لا نقول إنساني، يهدّد طموح رأس المال بالربح عبر القتل، إلى مجرد تمرين أخلاقي آمن يتم داخل حدود الخطاب الليبرالي الغربي الاستعماري. لهذا بالضبط، لا يمكن اعتبار خطاب المثقفين المنحدرين من الجنوب العالمي في هذه الحالة مجرد رأي شخصي، كما يحاولون تصويره، بل هو أداء وظيفي ودور طبقي داخل الأجهزة الأيديولوجية الإمبريالية.
إنّ معارضة الإمبريالية والحروب على شعوب الجنوب هي فعل راديكالي بطبعه، لا يقبل التجزئة ولا يقبل إخلاء المسؤولية. فإمّا أن نكون مع حق الشعوب المطلق في الحياة وحماية أرواحها، وتقرير مصيرها بعيدًا عن الوصاية الغربية والقتل والتخريب الغربي، وإمّا أن نكون مجرد أدوات طيعة في يد عنف المثقفين المعرفي الذي لا يفعل أكثر من تمهيد الطريق للطائرات والسفن الحربية.