غسان ريفي (سفير الشمال)
شكل التصويت على موازنة 2026 فضيحة سياسية مدوية كشفت مستوى الازدواجية والنفاق في الخطاب السياسي اللبناني. فقد أقر مجلس النواب بعد ثلاثة أيام من “سوق عكاظ انتخابي” الموازنة بـ59 صوتًا مقابل 34 صوتًا معارضًا و11 ممتنعًا، لكن المفارقة الكبرى لم تكن في الأرقام، بل في هوية المعارضين أنفسهم، فكيف يمكن لأحزاب مشاركة في الحكومة التي أعدّت الموازنة وأقرّتها في مجلس الوزراء أن تقف في البرلمان لتصوّت ضدّها؟.
أبرز مظاهر التناقض السياسي تمثّل في موقف القوات اللبنانية، فكتلة الجمهورية القوية الممثلة في الحكومة التي وضعت مشروع الموازنة ووافقت عليه، اختارت أن تلعب دور المعارض في البرلمان، في محاولة واضحة لاستثمار الغضب الشعبي دون تحمّل مسؤولية المشاركة في الحكم، وهذا أمر لم يعد مستغربا بالنسبة للقوات التي تمارس السلطة والمعارضة في آن واحد، وليس مستبعدا أن تنسحب من الحكومة عشية الانتخابات النيابية التي وجه وزير الداخلية أحمد الحجار الدعوة لهيئاتها الناخبة في 3 أيار المقبل من أجل كسب المزيد من الشعبية وممارسة التحريض وإثارة الغرائز.
هذا التناقض القواتي يمثل شعبوية سياسية فجة، لجهة الاستفادة من السلطة والتظاهر بالمعارضة لكسب النقاط في الشارع، في معادلة تبلغ ذروة “السخرية”.
أما التيار الوطني الحر فقد جاء موقفه منطقيا كونه في المعارضة منذ تشكيل الحكومة وتغييب تمثيله عنها، وكذلك بعض النواب المستقلين الذين أعلنوا صراحة رفضهم لهذه الموازنة التي تفرض المزيد من الأعباء على الشعب اللبناني.
في المقابل، صوّت الثنائي الشيعي وحلفاؤه وعدد من النواب المستقلين لصالح الموازنة، تحت شعار الواقعية ومنع انهيار الدولة وعدم إمكانية مواجهة صندوق النقد الدولي في الذهاب إلى القاعدة الإثنيّ عشرية التي تعنى الفوضى المالية، كما عبر وزير المالية ياسين جابر المحسوب على الثنائي.
وجاء تصويت هذه القوى ليعكس منطق إدارة الأزمة بدل حلّها، والمحافظة على توازنات سياسية قائمة بدل إحداث صدمة إصلاحية حقيقية.
وما يسري على القوات ينسحب أيضًا على حزب الكتائب اللبنانية الذي امتنع نوابه عن التصويت وهم ممثلون بالحكومة بوزير العدل إضافة إلى بعض النواب من التغييريين والمستقلين، وهؤلاء اختاروا المنطقة “الرمادية” ومارسوا سياسة الهروب من المسؤولية بهدف الاحتفاظ بهامش من المناورة السياسية على الشعب اللبناني، ما يشكّل نوعًا من التواطؤ مع الأزمة.
انتهت “مسرحية” جلسات الموازنة وهي شهدت “اسكتشات” كوميدية ودرامية في آن أظهرت حجم الانقسام السياسي في بلد منهار اقتصاديا يقف قطاعه العام من عاملين ومتقاعدين وعسكر على أبواب المجلس النيابي للمطالبة بحقوقه المالية المشروعة لكن دون جدوى، باستثناء الوعود ورمي كرة الأزمة إلى نهاية شهر شباط المقبل، كما شكلت منصة انتخابية لنواب تحدثوا في كلّ شيء إلا في أرقام الموازنة، وتفننوا في توجيه الانتقادات والاتهامات وتسجيل النقاط بهدف استمالة شعب لم يعد بحاجة إلى شعارات عن الإصلاح والسيادة ولا إلى حملات انتخابية ولا إلى وعود عرقوبية بقدر ما يحتاج إلى الصدق في قواعد المسؤولية والمحاسبة.
يمكن القول، إن موازنة 2026 شكلت مرآة لانهيار مفهوم المسؤولية السياسية في لبنان، خصوصًا عندما تصبح الحكومة ساحة للمشاركة والبرلمان منصة للمزايدة، وفي الوقت الذي تنافس فيه النواب على رفع السقوف السياسية في خطاباتهم إلى أعلى المستويات، كان المواطن اللبناني شاهدا على مزيد من الانهيارات وعلى طبقة سياسية تمتهن إدارة الأزمات وصنع الخلافات بدل التعاون على حلها..