د. ليلى شمس الدين/ باحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام وأستاذة جامعية
في إحدى قاعات الجامعة، وبعد نقاش طويل عن "التوازنات" و"استحالة المواجهة"، رفعت طالبة يدها وقالت بهدوء لا يخلو من الحزم: في الخطاب العام، كثيرًا ما يُختصر المشهد في ميزان القوى العسكرية؛ كأنّ السياسة تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ. لكن التاريخ، كما الحياة اليومية، يقول شيئًا مختلفًا: السيطرة لا تُدار بالقوّة وحدها، إنما بشرعية تُبنى أو تُهدم، وبكلفة سياسية يمكن رفعها أو تخفيضها. وحين يُختزل الصراع في معادلة عسكرية فقط، يُجرَّد المجتمع من أشكال الفعل الأخرى كلها، ويُدفع تدريجيًا إلى موقع المتفرّج على مصيره.
ساد الصمت لبرهة، ليس لأنّ المداخلة كانت صادمة، بل لأنّها كانت واضحة أكثر ممّا ينبغي. وهنا لا يكون السؤال: هل نحن أقوى عسكريًا؟ بل: هل نملك أدوات تجعل الظلم مكلفًا، ولو لم نملك القدرة على إزالته فورًا؟
الصراع لا يُقاس فقط بعدد الضربات، بل بقدرة الطرف الأضعف على تعطيل راحة الطرف الأقوى. لكن الأخطر من ميزان السلاح هو ميزان اللغة. عندما تبدأ مرحلة ما تُوصَف رسميًا بأنها "هزيمة"، لا يبقى الوصف بريئًا. والهزيمة هنا، لا تعني فقط خسارة ميدانية، بل تتحوّل إلى إطار ذهني يُعاد من خلاله تفسير الشروط، والتنازلات، وحتى الصمت. يشرح عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو أنّ السلطة لا تعمل فقط عبر القرارات، بل عبر فرض الطريقة التي نفهم بها الواقع نفسه. عندما تُسمّى المرحلة هزيمة، يصبح الاعتراض عدم واقعية، وتصبح المطالبة بالحقوق نوعًا من الإنكار. هكذا لا تُدار الخسارة فقط، بل يُعاد إنتاجها معنويًا. في الأنثروبولوجيا السياسية، لا يُنظر إلى الخطاب الرسمي بوصفه وصفًا محايدًا للأحداث، بل بوصفه ممارسة تُعيد تشكيل المعنى نفسه: ما الذي يُعد ممكنًا؟ وما الذي يُصنَّف مغامرة؟ وما الذي يُعاد تعريفه كحتمية تاريخية؟ وهنا تبدأ خطورة اللغة، لا لأنها تعبّر عن السياسات، بل لأنها تُمهّد لها.
حين يُختزل الصراع في ميزان السلاح
أحد أكثر الافتراضات رسوخًا في الخطاب المعاصر هو أن اختلال ميزان القوى العسكري يحسم سلفًا إمكانات الفعل السياسي. غير أنّ هذا الربط المباشر بين العسكري والسياسي يتجاهل أنّ الصراعات الحديثة تُدار أيضًا عبر الاقتصاد، والشرعية الدولية، والرأي العام، والكلفة الأخلاقية. التاريخ لا يقدّم مثالًا لتحرّر وطني تحقّق لأن ميزان القوى كان متكافئًا، بل لأنّ استمرار السيطرة أصبح أكثر كلفة من إنهائها. من الواضح انّ اختلال القوّة لا يلغي الصراع، بل يعيد تشكيل أدواته. وعندما يُختزل الممكن السياسي في القدرة العسكرية فقط، يُجرَّد المجتمع من كل أشكال الضغط الأخرى، ويُدفع إلى موقع المتلقي لا الفاعل. الصراع لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ، بل بقدرة الطرف الأضعف على جعل السيطرة غير مريحة سياسيًا وأخلاقيًا.
حين يصبح الوصف سياسة
إنّ وصف مرحلة ما بأنّها "هزيمة" تعني عدم الاكتفاء بتشخيص الواقع، بل تؤسّس لمسار سياسي لاحق؛ فحين تُقدَّم النتائج بوصفها هزيمة، يصبح أي اعتراض على الشروط المفروضة خروجًا عن الواقعية، وأي مطالبة بالحقوق ضربًا من المكابرة. وهنا تتحوّل اللغة إلى أداة سلطة، لا لأنّها تفرض قرارًا، بل لأنها تضبط ما يمكن التفكير فيه. في هذا السياق نستذكر قول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، عندما قال: إنّ أخطر أشكال الهيمنة هي تلك التي تُمارَس عبر فرض تصنيفات الواقع ذاتها، بحيث يتبنّى الناس تفسير السلطة لما جرى، ويحوّلونه إلى بديهة لا إلى خيار سياسي قابل للنقاش. وأخطر ما يمكن أن يصيب الأوطان ليس الهزيمة، بل تحويل الهزيمة إلى لغة رسمية تبرّر ما سيأتي بعدها.
الدبلوماسية بلا ضغط.. إدارة وقت لا صناعة حل
كلّنا يعلم بأنّ الدعوة إلى الدبلوماسية بحد ذاتها ليست موضع إشكال؛ إنّما الإشكال يبدأ حين تُفصل الدبلوماسية عن أي شكل من أشكال الضغط، فتتحوّل من أداة تفاوض إلى آلية لإدارة الوقت. في هذا الإطار، أظهرت التجارب التاريخية، من فيتنام إلى جنوب أفريقيا، أنّ التفاوض الجدّي يبدأ عندما يصل الصراع إلى ما يسمّيه ويليام زارتمان "لحظة النضج"، أي حين يصبح استمرار الوضع القائم مكلفًا للطرف الأقوى. وهنا تجدر الإشارة، أنّ الدبلوماسية بلا أوراق قوّة لا تصنع تسويات عادلة، بل تُنتج ترتيبات هشّة تُبقي جذور الصراع قائمة، وتؤجّل انفجاره بدل معالجته. وفي المحصّلة، الدبلوماسية التي لا يسبقها ضغط لا تصنع سلامًا، بل تنظّم اختلالًا دائمًا في ميزان الحقوق.
عندما يصبح للسلام معنىً آخر لتأجيل العدالة: دروس من أوسلو
في منتصف التسعينيات، قُدِّمت اتفاقيات أوسلو لكثير من الفلسطينيين والعالم بوصفها الفرصة الواقعية الوحيدة لتحقيق السلام. غير أنّ شريحة واسعةً من المجتمع الفلسطيني قرأها بشكل مختلف: لا كحلّ، بل كإدارة طويلة الأمد لصراع لم تُمسّ جذوره الأساسية، وعلى رأسها الاحتلال واللاجئون والقدس. هذا الرفض لم يكن حنينًا للحرب، بل اعتراضًا على تحويل التفاوض إلى بديل عن العدالة. هنا ظهر بوضوح أنّ الواقعية، حين تُختزل في قبول الممكن الآني، قد تتحوّل إلى آلية لتطبيع وضع غير عادل بدل تغييره.
سياسة الإرضاء.. كيف يُباع الخوف بوصفه حكمة
بالعودة إلى أوروبا، في العام 1938، حين رُوِّج لاتفاق ميونيخ مع ألمانيا النازية باعتباره خيارًا عقلانيًا لتجنّب الحرب. غير أن ما قُدِّم يومها كحكمة سياسية، تحوّل لاحقًا في الذاكرة الأوروبية إلى مثال كلاسيكي على خطورة "شراء السلام" عبر التنازل المسبق. لقد أظهرت التجربة أنّ التهدئة التي لا تفرض كلفة على الطرف المعتدي لا توقف التوسّع، بل تؤجّل المواجهة وتُضاعف ثمنها لاحقًا. هنا يصبح الخوف سياسة، ويُعاد تسويق الانسحاب بوصفه تعقّلًا.

الصمود المدني.. حين يرفض المجتمع أن يصبح الظلم طبيعيًا
في سياق متّصل، نستحضر ما حصل في بلدة بيت ساحور وخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حينها لم يحمل الناس السلاح، بل أعلنوا إضرابًا ضريبيًا جماعيًا رفضًا لتمويل سلطة تحتلهم. كان هذا الفعل البسيط رسالة سياسية عميقة: لسنا عاجزين لأنّنا بلا سلاح، ولسنا مضطرين لقبول قواعد لعبة مفروضة علينا. هذا الشكل من المقاومة المدنية واجه خطاب "التكيّف مع الواقع"بممارسة يومية تقول إنّ الصراع لا يُدار فقط في غرف التفاوض، بل في تفاصيل الحياة نفسها.
من التاريخ إلى الحاضر.. اللغة التي تسبق القرار
أحداث متعدّدة، ولكنّها على اختلاف سياقاتها، تشترك في نقطة مركزية واحدة: المجتمعات لم تواجه فقط قرارات سياسية، بل واجهت لغة سياسية كانت تسعى إلى إعادة تعريف التنازل بوصفه حكمة، والاعتراض بوصفه تهوّرًا. الرفض هنا ليس رفضًا للسلام، بل رفضٌ لتحويل السلام إلى اسم آخر للتخلّي، ورفضٌ لتحويل الواقعية إلى فلسفة قبول دائم بالاختلال.
خطاب "عدم إعطاء الذرائع".. هو قلب معادلة المسؤولية
حين يُقال إنّ المطلوب هو عدم إعطاء العدو مسوّغات، يُنقَل مركز الثقل الأخلاقي من الفاعل إلى الضحية. كأن العدوان ينتظر استفزازًا كي يقع، لا أنّه جزء من بنية توسّعية قائمة بذاتها. هذا المنطق لا يحدّ من العنف، بل يعيد تأطيره بوصفه نتيجة أخطاء الطرف الأضعف، ويحوّل الصراع من قضية عدالة إلى مسألة انضباط داخلي.
من إدارة الصراع إلى إدارة الخسارة
عندما ينحصر الخطاب في تقليل الأضرار بدل تعديل الشروط، تنتقل الدولة من فاعل سياسي إلى مدير أزمة دائمة. يصبح الهدف هو تثبيت الاستقرار، حتى لو كان استقرارًا فوق اختلال عميق في السيادة والحقوق. وهنا تتحوّل الواقعية من أداة تحليل إلى فلسفة تكيّف، تُقنِع المجتمع بأن أقصى ما يمكن المطالبة به هو الحد الأدنى من البقاء. لكن المجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على تحمّل الخسائر، بل بقدرتها على رفض تحويل هذه الخسائر إلى هوية سياسية دائمة.
عودة إلى أصالة المعنى
إنّ صون الوطن لا يعني دفعه إلى المواجهة الدائمة، ولا يعني أيضًا تفريغه من أدوات الاعتراض. وإنّما يعني حماية حقّه في أن يبقى فاعلًا في الصراع، لا مجرّد ملف تُدار خسائره. يعني، قبل كل شيء، ألا نسمح للغة الخوف أن تتحوّل إلى سياسة عامة، ولا للواقعية أن تصبح مرادفًا للتنازل المسبق عن العدالة. في هذا السياق، يصبح الحديث عن "عدم إعطاء العدو ذرائع" إشكاليًا أخلاقيًا وسياسيًا؛ فالتاريخ القريب والبعيد يبيّن أنّ القوى الاحتلالية لا تحتاج إلى ذرائع قانونية لتبرير أفعالها، بل تصنع سردياتها عند الحاجة. وتحميل الضحية مسؤولية ضبط سلوكها كي لا تُستفَز القوّة المسيطرة هو في جوهره نقل لمركز الثقل الأخلاقي من الفاعل إلى المتلقّي، ومن المعتدي إلى المجتمع الواقع تحت الضغط. وهذا التحوّل في منطق الخطاب لا يحمي الأوطان، بل يجرّدها تدريجيًا من حقّها في الاعتراض.
الواقعية السياسية إذًا، في معناها العميق، لا تعني التكيّف مع ميزان القوى كما هو، بل إدارة الصراع ضمنه لتعديله تدريجيًا. أما حين تتحوّل الواقعية إلى دعوة لتقليص سقف المطالب، وخفض مستوى التوتّر، وتجنّب الإحراج الدولي للخصم، فإنها تنزلق من سياسة إدارة الصراع إلى سياسة إدارة الخسارة. هنا نقترب من ما وصفه فرانز فانون منذ عقود: لحظة يبدأ فيها المستعمَر بتبنّي لغة المستعمِر لتفسير عنف المستعمِر، فيغدو العنف نتيجة سوء إدارة ذاتية لا نتيجة بنية سيطرة. عندها، لا يُنزَع السلاح فقط من الميدان، بل يُنزَع أيضًا من الوعي. ويذكر أرغون أبادوراي، أيضًا، أنّ العولمة لا تعيد توزيع السلع فقط، بل تعيد توزيع الخيالات السياسية أيضًا. المعركة اليوم لا تُخاض بالسلاح فقط، بل أيضًا بالصور، والسرديات، والمحاكم، والفضاءات الرقمية، أي بكل ما يراكم كلفة أخلاقية وسياسية على الفاعل الأقوى.
الخطورة الحقيقية لا تكمن إذًا، في اختلاف الرؤى حول الوسائل، بل في الاتفاق الضمني على خفض سقف المعنى: معنى الكرامة، ومعنى السيادة، ومعنى العدالة. وحين تُختزل هذه القيم في لغة تقنية عن "شروط وقف النار" و"صعوبة المرحلة الإقليمية"، يصبح الوطن ملفًا إداريًا، لا كيانًا سياسيًا يملك حق الصراع وحق التفاوض في آن واحد. لذا، فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يوجَّه إلى الخطاب العام ليس: هل نريد الحرب أم السلام؟ بل: أي سلام؟ وبأي شروط؟ وأي موقع لنا فيه؟
في هذا الإطار، نقول: سلام بلا قدرة على الاعتراض، ولا على الضغط، ولا على إعادة فتح الملف متى تغيّرت الظروف، ليس تسوية، بل تثبيت لاختلال دائم في ميزان المعنى قبل ميزان القوّة. ولا تُقاس قوّة الأوطان فقط بقدرتها على الانتصار، بل أيضًا بقدرتها على عدم تحويل الهزيمة إلى هوية سياسية دائمة، وعلى عدم تحويل الواقعية إلى فلسفة للانسحاب البطيء من التاريخ.
- المراجع
- Bourdieu, P. (1991). Language and Symbolic Power. Harvard University Press.
- Fanon, F. (1963). The Wretched of the Earth. Grove Press.
- Appadurai, A. (1996). Modernity at Large. University of Minnesota Press.
- Zartman, I. W. (2001). “The Timing of Peace Initiatives.” Global Review of Ethnopolitics.
- Chouliaraki, L. (2013). The Ironic Spectator. Polity.